الوعي العراقي بين التكريس ومحاولات الالغاء
رائد الحامد
إن التغيرات الهائلة التي أحدثتها الحرب العالمية الأولى، وما أعقبها من اتفاقيات لاقتسام النفوذ بين الدول المنتصرة، وانعكاسات تلك التغيرات وتخطيها حدود الجغرافية السياسية السائدة آنذاك، نقلت العالم عموما والمنطقة العربية والإقليمية خصوصا إلى واقع جديد لم تألفه شعوبها، يتمثل برسم حدود جديدة للبلدان على أسس من الخليط القومي والديني اللامتجانس, بقصد واضح يهدف إلى زرع بذور صراعات مستقبلية قابلة للتفجر في أية لحظة يرون فيها وجود إمكانية لعرقلة نهوض هذه البلدان ونهب ثرواتها , وسلب قوتها وحرية إرادتها واستقلالية قراراتها.
تمكنت تلك التغيرات من إصابة مقومات الأمة العربية بكيانها ونسيجها الذي ورثناه من المستعمر العثماني مهلهلا وهشا يسهل اختراقه والعبث فيه وتوجيهه الوجهة التي تبغيها تلك الإرادات الطامعة، أو تلك القوى الغازية التي لا تريد للأمة خيرا أو تقدما ونهوضا، فتلك المرحلة وما أفرزته من أفكار وواقع جديد تكون أيضا قد ساهمت في إنتاج أشكال متعددة وأجناس مختلفة من الصراعات الفكرية على مستوى المجتمع العربي، وكذلك على مستوى السلطات المدنية للحكومات المعينة من قبل المستعمر الغازي ومساهماتها في هذا الاتجاه، وصولا إلى تخريب بناء المجتمع و كيانه عن طريق خلق أو استحداث تناقضات قومية أو دينية وبعث الروح فيها مجددا , وهي تناقضات لم يكن لها فعل مؤثر في مسيرة المجتمع تاريخيا،إذ لم تنظر مكونات المجتمع إليها إلا كعوامل وحدة وتماسك لا عوامل فرقة وتشتت أو اقتتال، على العكس مما تفهمه وتعوِّل عليه تلك القوى الغازية والإرادات الطامعة حينذاك أو بعد 9/4.
فالعراق وطن وشعب، على سبيل المثال، اكتسب هويته بعد الفتح كجزء من كلّ تتمثلـه دولة الخلافة العربية الإسلامية، ثم ما لبث أن اكتسب صفات أكثر و خصوصيات جديدة ، فمنذ أكثر من ثمانية عقود هي العمر الزمني لبناء ونشوء الدولة العراقية الحديثة، بدأت ديناميكية تكريس ثوابت العراق كوطن وكشعب لـه خصوصياته التي تميزه عن غيره, وهذا لا يلغي كونه كوطن هو جزء من الوطن العربي الكبير، أو كشعب هو جزء من الأمة العربية، ويرتبط عقائدياً مع الآخرين في جغرافية انتشار الدين الإسلامي، ثم ما لبثت هذه الثوابت أن بدأت تَقََرّ في كل خلية أو قطرة دم تنبض في شرايين أبنائه، وهي الفطرة التي جُبل عليها كمواطن منتمٍ، وانْ كان هناك من أبدى تنازلا عن جزء من ثوابته أو كلها فهذا شأنه وحده، فالولاء أيضاً كما هو الانتماء كلّ لا يتجزأ، إذ لا يمكن أن يكون ولاؤه لوطنه صحيحا وكاملا إن لم يكن هذا الولاء مكرسا للوطن، الوطن، الأرض، والتاريخ، والإنسان، والعقيدة الإسلامية، والتراث الحضاري، والمصير المشترك, والثقافة الوطنية بكل معانيها ومفرداتها وخصوصياتها، ولا يحق لأي من أبنائه التنازل عنها مهما قدم من مبررات تسوغ لـه هذا, ورغم ما مرت بها الأنا الوطنية العراقية من المخاضات العسيرة، إلاَّ أنها وعلى مدى التاريخ تمكنت من اجتياز تلك المخاضات، وتمكنت من التحفيز لولادات جديدة أكثر ثقة وتجددا، علهّا تنجب مجتمعا يحتكم إلى أُُسس ورؤىً فكرية ناضجة تقود المجتمع إلى شاطئ الانتماء الحقيقي لامته العربية ولعقيدته الدينية الإسلامية وموجباتها , والى الولاء للأرض والهوية، بعيداً عن مهاوي العصبيات العرقية والدينية الطائفية منها أو المذهبية.
أما بعد انتكاسة بغداد في 9/4، فقد عملت إدارة الاحتلال وأدواتها داخليا وإقليميا، بوحي من أفكار المحافظين الجدد على خلق أو المساعدة في إنتاج مضامين وموجدات صراع جديد كان كامنا إلى زمن ما، ولم يكن مألوفا بين الماضي والحداثة، بين العرقي والطائفي، بين الوطنية والتبعية، وبين عناوين ومسميات أخرى لساحات صراع أخرى ساكنة موجودة أصلا أو مستحدثة، فكرية بين الجمود والتجديد، أو تاريخية بين العودة للماضي والتحديث، أو دينية بين الإصلاح وإعادة الإصلاح من جهة، وبين الركود الذي يتناقض مع جوهر الإسلام وتعاليمه الصالحة لكل زمان ومكان من جهة أخرى، كخط احمر لا تجرؤ نخب المجتمع وقواه الفاعلة على تخطيه أو النقاش والحوار فيه، لحساسية مثل هذه المواضيع وصغر مساحة الحوار المتبادل، نتيجة لضيق صدر أحد الأطراف وانعدام قدرته على قبول الرأي الآخر متمسكا بمقولات كرسها منظروهم في عقولهم وكأنها ربانية لا تقبل النقد ولا تحتمل التجديد ، مما هيأ لولادة فرصة مثالية أحسن أعداء الأمة استثمارها في التمهيد لخلق دوائر صراعات جانبية بين أبناء الوطن الواحد بذرائع المس بالثوابت والمسلمات, الهدف منها الدخول في بؤر التفجر وتفعيلها بين أبناء الوطن الواحد، مما أدى إلى ظهور حالة من ضعف الوعي الديني والشعور الوطني والقومي، وإحساس عارم بالغربة وفقدان القدرة على الانصهار في المجتمع بحرية تكفل لـه المساهمة في البناء والتطور عن طريق التعايش والتأثر بالآخرين والتأثير عليهم.
كان من نتائج ذلك الواقع وإفرازاته، أن برزت في مكونات المجتمع مجموعات أو كتل عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، انتهزت تلك الفرصة المثالية ووثبت للحفاظ على مصالحها الكتلوية، وعملت على ملء الفراغ الناجم عن حالة الاغتراب الفكري والثقافي، وتجريم المس بتلك الثوابت والمسلمات , رغم أنها هي أصلا من بنات أفكارهم، وتم فرض التسليم بها على الآخرين من خلال الإلحاح المبرمج والتضليل المدروس بعناية، وتصويرها للآخرين ونيابة عنهم وكأنها من المنزلات ومن ثوابت الشعب العراقي، رغم إدراك هؤلاء بأنها لا تحظى أصلا بإجماع أبنائه، أو حتى نسبة معقولة منهم، وكذلك فإن أرباب تلك المجموعات والكتل ما زالوا يرفضون أيّة محاولة لإعادة تقييمها أو التجديد فيها، أو مناقشة مضامينها الفكرية، واكتشاف ماهو خاطئ أو غير صالح لظرف زمني معين وتصحيحه، أو ما هو صائب لذات الظرف للعمل به والسعي لتنميته وتجديده، بما يكفل تجنب أيّ شكل من أشكال الصراع المستقبلي القابل للتفجر.
تعد تلك المضامين الفكرية بعد إزالة ما علق بقيمها وثوابتها من خبث تراكم عبر الزمن لإعادتها إلى صورتها الحقيقية لا المشوهة، تعد أساسا صالحا للبناء عليها مستقبلا، بل من أهم ما ينبغي العمل به راهنا لإعادة تكريسها، وضمان الحفاظ عليها وتجديدها في حال استدعت المرحلة الزمنية ذلك، وهذا لا يعني دعوة إلى العودة بالعراق نكوصا نحو الانغلاق والتقوقع، أو نحو عراق متحجر غير قابل للتحديث أو التطور الحضاري، بل على العكس من ذلك، هي محاولة لاستعادة نظام المكونات المستلبة منذ ما يقرب من قرن كامل من الاستعمار المباشر أو غير المباشر للدولة العراقية، ناهيك عن قرون من الظلام عاشها الوطن والإنسان أبان الاستعمار العثماني، وما رافقه من تضليل مخطط لـه ومن خداع مبرمج باسم الإسلام، ومحاولاته الجادة لطمس كل ما يمت بصلة إلى الوطن والإنسان من صفات وخصوصيات تميزه عن غيره، أو يمتاز بها أصلا على الآخرين.
لا يمكن لأي من النخب العراقية الفاعلة الوطنية منها أو التابعة، أن يبقى مكابرا في أطروحاته الفكرية أو التنظيرية أو التحليلية، فيما هو يعيش صراعا داخليا كامنا في لاوعيه الخامل الذي بدأ يستفز بعد انتكاسة بغداد في 9/4 مباشرة، وأخذ يتحرر تلقائيا من عقالـه الواهن بعد هذا التاريخ، منطلقا نحو وعيه المحتكم إلى أطروحاته الآنية المتجسدة على ارض الواقع قولا وفعلا، قربا من مصالح الوطن أو بعدا عنها دون التفكير بالعودة إلى القناعات الراسخة لديه والرافضة أصلا لكل الأطروحات المذهبية والعرقية، والمؤمنة بضرورة محاكمة أطروحاته الآنية بميزان هذه القناعات لا بميزان ما استجد بعد الانتكاسة. .
وفي إطار هذا الخضم وهذا التلاطم بين الأمواج الفكرية باتجاهاتها المتعددة، وتعسر فهم تلك المتناقضات، وخلط الأوراق المتعمد من قبل آخرين، وتلك المستجدات المشاهدة بوضوح على الساحة العراقية، كل ذلك خلق حالة من زعزعة القناعات ومن الإحساس بالتيه الفكري , واهتزاز الإيمان ببعض المسلمات الدينية الروحية منها والعقائدية عند كثير من العراقيين المؤمنين إيمانا أعمى بما توحي به إليهم زعاماتهم الدينية ، وفسروا الأمر واهمين وكأنه سلوك متناغم مع الدين الإسلامي ، فهذه الكثرة تفتقر إلى الوعي الحقيقي بالإسلام , وكأن الإسلام هو فقط ما يتردد على أسماعهم من أفواه فقهائهم, وليس ماهو مفترض به أن يأتيهم بالفطرة والمعرفة الذاتية المكتسبة عن طريق قراءة الكتب الفقهية التي تركها الفقهاء الثقاة بإجماع علماء الأمة ومؤرخيها , أو عن طريق الاستماع إلى مايقوله الفقهاء والعلماء المعاصرون ممن عرفوا بتفقههم بالدين وتجردهم من التستر به للحصول على مكاسب سياسية تصب في مصلحة العرق أو المذهب أو في مصلحتهم الشخصية، وفي الحالتين وأحكامهما على المرء المسلم تحكيم العقل والإمعان في المقارنة بين ما يسمعه وبين ما تراكم لديه من ضوابط عقيدته وثوابتها ومسلماتها الغيبية.
لم تكن حالة اهتزاز الإيمان تلك سوى تعزيز لما افرزه واقع الاحتلال من زعزعة للقناعات كما ورد , خاصة بعد أن أطاحت الانعكاسات المترتبة على الاحتلال بكل الأقنعة المزيَّفة أو المزيِّفة التي سعت لخلق هذا التشابك , وهذا المدى المخيف الذي انحدرت أو تهاوت إليه مصالح وثوابت المجتمع العراقي الأساسية المستمدة أصلا من قيمنا العربية التي عززها الإسلام وكرسها , أو تلك التي جاء بها متجددة لتثري هذه القيم وتشذبها.
مقابل ذلك سيعمل الطامحون بالحفاظ على المصالح والثوابت الوطنية على خلق أو إعادة الروح إلى المزيد من الرؤى المتفق عليها تلقائيا , وكذلك الحفاظ على المصالح المشتركة بين كل المكونات وتعزيزها , وعدم القفز فوقها بذريعة عدم نفع الحوار المتبادل مع الطرف الآخر , وهذه الذريعة هي ما تسعى أطراف المشروع الصهيوني إلى جعلها واقعا لايحتمل مزيدا من النقاش , بل يتقرر هذا أحيانا قبل محاولة سبر أغوار الطرف الآخر , والتبحر في أعماق قناعاته ورؤاه المستقبلية , هذا إذا أخذنا بالحسبان أن طبيعة حركة المجتمعات الإنسانية لابد أن تترافق وتتزامن وفق هذا المنهج في ضرورة إجراء المزيد من النقاشات وتبادل الآراء , رغم اختلاف وجهات النظر والأفكار والمصالح الذاتية , ويصح هذا الكلام على مجتمعين , أو على عدة مجتمعات تنتمي إلى مجاميع بشرية متنوعة , فيما لا يصح تطبيق هذا على المجتمع العراقي واقعيا وعلميا وفق رؤية العراقيين الوطنيين , فهذا المجتمع هو أساسا موحد دينيا , بنسبة عالية تقترب من المطلق , وهو كذلك موحد عرقيا بنسبة تتجاوز الثمانين بالمئة , هذا إذا نحينا جانبا انتماء المجتمع العراقي إلى المجتمع العربي الكبير أما إذا أخذنا هذا المفهوم بالحسبان عندها تكون النسبة الأخيرة تقترب من المطلق أيضا , وهذا ماتريد إدارة المشروع الصهيوني التعتيم الكامل عليه , والعمل على طمس هذا المعلم من معالم وحدة المجتمع العراقي , وهو بالتالي يصب في الاتجاه الأخطر من مساعي إدارة المشروع ومحاولاته الجادة والمستميتة لتحقيق عزل كامل للمجتمع العراقي عن محيطه العربي المتمثل بالمجتمع العربي الكبير , ثم عزله عن مجال تواجده الحيوي وفاعليته في البيئة الأخرى المتمثلة بالمجتمع الإسلامي.
لابد إذا من بذل محاولة جادة للقيام بعملية فرز لما اختلط على الآخرين عموما , وشرائح المثقفين مفكرين منهم أو سياسيين خصوصا , من أفكار ورؤى يصعب فرزها أو الحكم عليها دون الإيمان بوجودها , ودون فهم صحيح لحركة التاريخ والتطور الحتمي للمجتمعات , والإقرار بعدم إمكانية القفز فوق هذه المتغيرات أو التغاضي عنها، وعدم التعرض لها وتناسيها، أو نكران وجودها الفعلي والواقعي , فيما يبدو إن بناء الوطن مدنيا وفكريا , إنسانا ومجتمعا ليس بالأمر اليسير كما قد يتراءى للبعض، فالخلافات والاختلافات والتناقضات التي تسود أي مجتمع بغض النظر عن سماته ومسمياته , هي التي أوجدت أشكالا من الصراعات الداخلية المنظورة أو غير المنظورة، فكريا أو عرقيا أو دينيا، وقد تتخذ هذه الصراعات سمات دموية أحيانا أو سلمية في أحيان أخر، وغالبا ما تكون متحررة من أيّ نظام أو قيود أو قانون يؤطر أساليبها قبل نشوبها أو خلالها أو بعدها، وهي عادة ما تكون مغذاة من جهات خارجية لها مصالحها الخاصة، أو خدمة لمصالح أحد طرفي الصراع المحسوب عليها، والذي يعمل أساسا لمصلحتها مستغلا دوافع ضيقة الأفق عرقية أو طائفية أو مذهبية أو غيرها لتحقيق مكاسب مادية أو شخصية.
إن صراعات كهذه قد تتأطر بأطر بنيوية تمس نسيج المجتمع المفترض به أن يكون متماسكا، وان يكون متساميا فوق الذاتية والانتماءات والولاءات الأنانية المستندة إلى مضامين عشائرية أو فردية، عرقية أو مذهبية، وهذا بدوره يؤسس لنمط جديد من الصراعات الفكرية، وما ينعكس اثر ذلك من تأسيس لبناء شكل جديد من أشكال الصراع بين عموم المواطنين الباحثين عن حياة أكثر حداثة ورفاهية ونماءً، وأكثر استقرارا أمنيا ومعيشيا، وبين السلطة وقواها الممسكة بزمام الأمور، والتي تحاول أن تطيل من أمدها السلطوي كجزء من أخلاقها وقيمها في صراع البقاء الزمني بغض النظر عن الأسلوب والنتائج، وقد تكون هذه الصراعات ذات نتائج مهلكة لأحد طرفي الصراع أو لكليهما، بسبب اتصاف مثل هذه الصراعات بالدموية والعنف، وفقدانها أيضا لضوابط الاقتتال وأخلاق الحرب وأعرافه بين عناصر الأمة الواحدة أو بين مكونات الشعب الواحد.
إن هذه الصراعات، هي التي تشكل أكثر أنواع الصراعات خطورة على وجود الأمم وسلامة مجتمعاتها، وهذا ما يثير الخشية على الشعب العراقي مستقبلاً، حيث إن تداعيات انتكاسة بغداد، وبتوجيهات مرسومة بدقة من قبل إدارة المشروع الصهيوني، وكرم المتعاونين معها في رفدهم بالمعلومات المهمة عن طبيعة تكوين المجتمع العراقي وأسس علاقات مكوناته، وعوامل قوتها وأسهل نقاط اختراقها، وعملهم على تسهيل مهماتهم العملية عن طريق تضليل الآخرين وإيهامهم، أو عن طريق شراء الذمم لبعض المواطنين من ذوي النفوس الضعيفة، كل هذا افرز واقعا تتضح ملامحه يوما بعد آخر، ينذر بصراعات قد تؤدي بالعراق وشعبه إلى إحدى زوايا التاريخ المعدة لـه سلفا من قبل المحتل وأدواته، لإنهاء وجوده وإلغاء دوره العربي والإسلامي والدولي، وتشويه صورته كمجتمع متماسك دينيا وعرقيا، فكريا وثقافيا، إنسانيا ومجتمعيا.
وفي ضوء ما ورد، فإن البحث في مبررات ومقومات وجود مثل هذه الصراعات المهلكة، لن تجد لها ما يدعمها ويفعِّلها إلا تلك الضلالات التي أغرقنا بها المحتل وأعوانه، ودفع بها إلى واجهة الرأي العام لإقناع المواطن العراقي بها ، والعمل على أساسها من شمال الوطن إلى جنوبه مرورا بوسطه، غير أن مثل هذه الضلالات أو تلك التي ما انفك المحتل وأعوانه يبشرون بها بمفاهيم زائفة تبدأ بالحرية ولاتنتهي بالديمقراطية، قد لا تجد لها تربة خصبة في الواقع العراقي الراهن إن أحسن الجميع النوايا وأدركوا خطورة ما يراد لنا أن نكون عليه مستقبلا , ولن يتحقق هذا إلا بعد إن يتوحد كل العراقيين حول هدف واحد ومبدأ واحد يتمثل في عدم السماح لحملة الأفكار الصهيونية الدخيلة، وحملة الأحقاد الشعوبية على عروبة العراق وإسلامه بالترويج لأفكارهم , والعمل على عزلهم تماما عن المشاركة في رسم مستقبل العراق.
معروف أن الصراع عادة ما يحتاج إلى قواعد فكرية معينة وأسس ثقافية تؤهلـه وتدفع به نحو التفجر، وهو عادة ما يكون بين نقيضين أو بين إرادتين متضادتين، وهذا ما يفتقر إلى علامات دالة على وجود فعلي لها في المجتمع العراقي، وكذلك فان أي صراع يجب أن يكون لـه طرفان، وهذا أيضاً ليس لـه وجود فعلي في واقع المجتمع العراقي، فما لا يختلف عليه أي مكوّن من مكونات الشعب العراقي الفاعلة مع المكون الآخر، هو أنّ هناك مصالح وقواسم مشتركة تلتقي عليها هذه المكونات، أهدافا وغايات وسعيا لتحقيقها وأسلوبا للوصول إليها، سواء كان هذا المكون عربيا أو كرديا، سنيا أو شيعيا، أو بين أي مكون وآخر، هذا هو الواقع , وهو ما يؤرق إدارة المشروع الصهيوني، وهو أيضاً المحرك الرئيسي لدفع طرف أو آخر باتجاه تجاهل هذه الحقائق، أو العمل بالضد منها ومحاولة تزييفها وترسيخ قناعات رأي أخرى تسير في الاتجاه المعاكس لحركة المجتمع وتطوره تاريخيا بحركة انسيابية سلسة، وهذا لا يعني عدم وجود أي شكل من أشكال الاختلاف في الفهم الفكري , أو في المصالح عرقية كانت أم مذهبية بين مكونات الشعب العراقي الواحد، وعلى الدوام كان هذا الاختلاف يشكل عنصر قوة لاضعف , وعنصر وحدة لا فرقة إلى أن برز دور الفاعلين من أقطاب المشروع الشعوبي الصفوي الذين تمكنوا من إدخاله كعنصر جديد في المعادلة السياسية العراقية بعد الاحتلال , وقد نجحوا في استقطاب اتجاهات سياسية ودينية تعمل في الاتجاه المعادي للمصالح الحيوية للشعب العراقي.
وفي الواقع الراهن، فإن إدارة المشروع الصهيوني والقوى المساندة لها في العراق، وفي طليعتها المرتبطون بالمشروع الشعوبي الصفوي , تستمر في سعيها إلى خلق حالة من الاقتتال الداخلي الشيعي الشيعي كمرحلة أولى، وهو الأسهل تحقيقاً لوجود خلافات واضحة معلنة أو غير معلنة تدور حول نطاق الدور والنفوذ السياسي والاجتماعي، وتطلعات المرجعيات الدينية الرئيسية وأتباعها، يضاف إلى ذلك خلاف حقيقي غير معلن يتجسد في عدم الاتفاق على ضوابط ترضي كل هذه الأطراف، وتحدد آلية اقتسام الإيرادات الضخمة للمراقد الدينية في بغداد والنجف وكربلاء وسامراء والكوفة وغيرها، وليس سراً القول بأن التحكم في الإيرادات يعني في النهاية زيادة الدور السياسي واتساع مساحة النفوذ الاجتماعي، وزيادة القدرة على الحركة وكسب المزيد من الأتباع, وهو هدف مهم في استمرارية وجود المرجعيات وبقائها.
إن وقوع هذا النوع من الاقتتال، يعني بداية التهيئة لمرحلة لاحقة يتم فيها استدراج بعض الزعامات السنية الدينية منها أو السياسية أو الاجتماعية إلى الدخول في أتونه إلى جانب هذا الطرف الشيعي أو ذاك ضد طرف شيعي آخر، وبذلك يأخذ هذا الاقتتال الطابع المذهبي المطلوب ليكون سنياً شيعياً , كون الشعب العراقي تحكمه التعددية المذهبية , إضافة إلى التعددية العرقية عرباً وتركمان وأكرادا، والأكراد كقومية تتسم أيضاً بالتعددية المذهبية، فهناك أكراد شيعة وأكراد سنة يشكلون الأكثرية، وهذا ما يؤهل تطور الاقتتال بوقوف القوى الكردية إلى جانب العرب السنة بدافع مذهبي يتجاهل الانتماء العرقي، مما يعني أن العنصرين الأساسيين في هذه المرحلة هما العرب والأكراد السنة من جهة، والعرب والأكراد الشيعة من الجهة الأخرى، وهذا قد يدفع أبناء القومية التركمانية إلى الزج بأنفسهم مع هذه الجهة أو تلك، على أساس عرقي أو مذهبي ووفق مقتضيات مصلحتهم القومية.
من الحقائق التي غابت عن بال العراقيين، أو غيبّت طيلة أكثر من نصف قرن من الزمان هرباً من الواقع الصحيح، هي أن العراق بلد متعدد الأعراق والديانات والمذاهب، وهذا التعدد كان ممكناً جداً أن يستثمر لصالح الوحدة الوطنية، والدفاع عن الوطن والتصدي بيد واحدة لكل أنواع العدوان أو الغزو الخارجي، غير أن بعض الممارسات للأنظمة المتعاقبة والسياسات الفئوية منها أو العشائرية، قد تم تفسيرها على أساس الدوافع العرقية أو المذهبية , وهو تفسير بعيد عن الواقع , ورغم هذا فان هذه المفاهيم قد هيأت أرضية صالحة استغلت من قبل إدارة المشروع الصهيوني والمساندين لها من بعض العراقيين في إنجاز عملية التغيير بأيد أجنبية ,والغريب في الأمر أن فئات وقطاعات واسعة من الشعب أبدت تعاونا مع المحتل ومساندة له بعد أن تم استغلال تلك المفاهيم في خداعها من قبل قياداتها وزعاماتها السياسية أو الدينية المسيسة والتي على ما يبدو تحوز ثقة هذه الفئات والقطاعات.
إن ّ تقدم الزمن لم ولن يكون في صالح تلك القيادات أو الزعامات، إذ إن هناك من الدلائل ما يشير إلى أن هذه القطاعات بدأت تدرك أن تلك الثقة لم تكن في محلها الصحيح، خاصة بعد أن شاهدت هذه الفئات ممارسات وانتهاكات قوات الاحتلال ضد فئات الشعب من المذاهب والأعراق الأخرى، وكذلك جر جيوش الأحزاب والتنظيمات المسلحّة الوافدة إلى مساندة قوات الاحتلال في عملياتها ضد العراقيين من مذاهب وأعراق أخرى، أو حتى من المذهب أو العرق نفسه، طالما أن هؤلاء يتبنون موقفا مناهضا للاحتلال ومشروعه، مما أدى إلى حالة من تراجع ثقة تلك الفئات بقياداتها وزعاماتها، وأخذت حالة التراجع هذه تزيد من هوة الافتراق بدلاً من تجسيرها، ومع ذلك ما زالت تلك الزعامات تعمل على النهج نفسه في عملية الخداع بأساليب وأطروحات جديدة ومتجددة، وهي تدرك صعوبة إقناع الأتباع بها، إذ لم تعد تكفي مجرد الخطابات والتصريحات، بل إن تلك الفئات التابعة بدأت تطالب بأدلة وبراهين وأفعال ملموسة تثبت مصداقية زعاماتها في سعيها لتحقيق مصالح العراقيين الوطنية كما وعدت، وحيث فشلت تلك الزعامات في نهجها السابق، فهي أيضاً ستفشل في نهجها الحالي رغم أنها ابتدعت خطابا جديدا يعزّز ويقدس العرق أو المذهب، ويحاول إلغاء مبدأ التمسك بالولاء للوطن والانتماء للأمة من عقول الأتباع, وتزييف فهمهم للإسلام ودوره الحقيقي، وللعروبة وحيوية الانتماء إليها.
إن التداخل بين ما هو عرقي وما هو مذهبي، وبين ما هو عرقي مذهبي داخل العرق الواحد، وما هو مذهبي عرقي داخل المذهب الواحد، يجعل الأمر في غاية التعقيد والخطورة من حيث إمكانية تطوره بصورة متسارعة يصعب التنبؤ باتجاهاته ومساراته الراهنة والمستقبلية، وليس بعيداً عن التصديق، وجود جهات إقليمية لها مصالحها في العراق ومخاوفها أيضاً، قد تدخل طوعاً أو اضطراراً في خضم الصراع مع هذا الطرف أو ذاك بدافع مذهبي أحياناً أو عرقي في أحيان أخرى، بسبب صعوبة الفرز داخل العرق الواحد والمذهب الواحد أيضاً، مما يعني في النهاية أن حالة من الفوضى قد تعم المنطقة ككل, وهذا ما تطمح إدارة المشروع الصهيوني في الوصول إليه وتحقيقه كإنجاز متقدم وكثمرة من ثمرات العولمة وما يدور في ذهن المحافظين الجدد، وحلمهم في أن يروا العالم متأمركا، وأن تتم عملية إنتاج هيكلة جديدة لجغرافية العالم انطلاقا من العراق مبنية على أسس إلغاء الدول القائمة حالياً، وبنائها من جديد على أسس جغرافية قومية أو جغرافية طائفية فيما لو سجلوا عجزاً أو صعوبة في تحقيق حلمهم الأول في صناعة حكومات لا تملك جغرافية محددة لسلطاتها، بل ستكون إدارة هذه الحكومات أشبه ما تكون بإدارة الشركات الربحية العملاقة، أي بكلام آخر، إن هذه الحكومات هي حكومات ( اللادول ) كما تريد إدارة المشروع الصهيوني أن يكون عليه العالم مستقبلاً بعد نجاح هدفها في عولمة النمط الأمريكي، وكل هذه الاحتمالات واردة بل مطلوب تحقيقها في فكر وعقل هذه الإدارة, بدءاً بتفتيت العراق كمرحلة أولى، ومن ثم الانتقال إلى أقطار عربية أخرى وإقليمية كمرحلة لاحقة قد تتطور خلال العقود الخمسة المقبلة لتعم العالم كله، أو الاكتفاء بما يسمى بمنطقة ( الشرق الأوسط الكبير ) كحدود جغرافية ترضي القائمين على إدارة المشروع الصهيوني راهناً.
لقد راهنت إدارة المشروع الصهيوني على اختراق نسيج الوحدة الوطنية للشعب العراقي، غير انه على ما يبدو، لم تتمكن هذه الإدارة من تحقيق هدفها حتى الآن في خلق حالة من الاقتتال الأهلي الداخلي العرقي أو المذهبي رغم مرور أكثر من عامين ونصف على انتكاسة بغداد، لذا يتطلب الأمر من العراقيين الانتباه وتضييع الفرصة على إدارة المشروع في ضرب الوحدة الوطنية التي تشكل أهم مرتكزات استقلال العراق وسيادته حاضرا ومستقبلا، رغم أنّ أولئك المدافعين عن المشروع يرددون في خطابهم الإعلامي حديثا عن الوحدة الوطنية وعن ضرورة تجنب الفتنة، وهم لا يقصدون ما يقولون في دعواتهم إذا قيست بمقياس تطابق قناعاتهم مع قناعات إدارة المشروع، حيث أن مجرد هذه الدعوات تعني أنّ هناك بذورا واضحة تهيئ لعملية خلق تلك الحالة , وسعيا جادا من قبلهم في العمل على وقوع الفتنة، وعليه فانه لا يمكن للعراقيين أن يواصلوا هروبهم إلى أمام بتجاهلهم لهذه المعطيات، بل عليهم أن يدركوا أن هناك مخططا ما يسعى في هذا الاتجاه، وان هناك سعيا خفيا يدور في عقول تلك الزعامات والقيادات الدينية والسياسية الموكلة بالأمر كأدوات منفذة تبحث عن مكاسب آنية ومصالح ضيقة.
إن المواطن العراقي، وكأي إنسان يعيش على سطح الأرض، يحمل وعيا وطنيا وإيمانا يتطور من مرحلة زمنية معينة إلى مراحل لاحقة أخرى، قادرة على تخطي حالة الوعي الوطني إلى حالة الوعي القومي باطمئنان المواطن إلى سلامة تلك الحالة وثباتها , وقدرتها على الانتقال إلى مراحل أكثر تطورا في وعيه كجزء فاعل ونشيط ومساهم في تكوين وتكامل هذا الوعي الوطني والقومي كنتيجة مباشرة لهذه الانتقالات، فيما يتزامن تقدمه بخطوات واثقة نحو وعيه الديني الذي يتميز بالفطرية والتلقائية، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى مزيد من الجهد لتكريس تلك القناعات الموجودة أصلا.
إن ثالوث الوعي الوارد ذكره أنفا، وعبر التاريخ الحديث والمعاصر، برز بوضوح كمكون كلي واحد، يترابط جدليا وتكامليا وتزامنياً، بحيث إن أي خلل أو تآكل في جزء منه ينعكس سلبا على الأجزاء الأخرى، لذلك يحاول المحتل تقويض أحد أعمدة هذا الثالوث، عن طريق الجزء الأضعف حسب تصوره، وحيث يتحقق لـه هذا، فإنه يكون قد نجح في تهشيم أحد جدران وعي الشعب العراقي بثوابته الوطنية ومسلماته التاريخية، ويكون أيضاً قد عرض الوحدة الوطنية إلى خطر الزوال أو استبدال قناعات الشعب العراقي وتزييّفها، ثم ولوجه في نفق الاقتتال الأهلي بحجج واهية، كاختلاف العقائد أو تناقض المصالح بين مكونات المجتمع، وأيضا كنتيجة للسعي الجاد من دوائر وارتباطات تعمل في هذا الاتجاه بالتعاون مع اتجاهات وقوى عراقية لعرقلة أية خطوات تهدف إلى تفعيل وسائل التقريب، وإجهاض خطوات المناهضين للمشروعين الصهيوني والشعوبي الصفوي الرامية إلى استنباط الحلول الكفيلة بتجاوز هذه المخاطر القاتلة، وإفشال إرادة القوى الوافدة مع الاحتلال الساعية إلى تنشيط عوامل الاختلاف وتضخيمها فكريا أو عمليا إلى الدرجة التي يبدو فيها، أن مجرد العمل على عدم الأخذ بهذه العوامل أو العمل بالاتجاه المضاد لها، أشبه ما تكون بعملية مناطحة الصخور بقرون من طين , وبالتالي اتجاه العراقيين وتسليمهم مرغمين بترك الأمر لإدارة المشروع وأدواته أو للأقدار وفعلها.
وعليه فإن على العراقيين الحريصين على مصالحهم وثوابتهم الوطنية، مسلمين أو مسيحيين، سنة أو شيعة، عربا أو أكرادا أو غيرهم، أن يتسامحوا في بعض التجاوزات من هذا الطرف أو ذاك , وان يلجؤوا إلى من عرف عنهم التزامهم العقلاني وحكمتهم وترويهم وتجردهم من رؤية الأمور بمنظار مذهبي أو عرقي، وكذلك إلى من عرف عنهم حرصهم على وحدة العراق الوطنية وعروبته وإسلامه، لان مجرد عدم التسامح في موضوع جانبي قد يتطور إلى ما لا تحمد عقباه، ولتجنب ذلك يتوجب على العراقيين التسامي فوق مثل هذه الاختلالات، والتعامل معها بصدر رحب وأفق واسع ورؤى بعيدة، كما عليهم أن يدركوا أن المخطط المرسوم مرعب جدا أن لم يحسنوا الالتفات إلى ذواتهم، وتحصين أنفسهم وتنمية وعيهم الوطني والقومي والديني، وتعزيز إدراكهم لحقيقة ما يتهددهم من مخاطر تستهدف وجودهم ومستقبلهم.
raedalhamed@gmail.com 07/10/2004








