مـــركـــز بـغـــداد للدراســـات والاستـــشـــارات
مدونة مركز بغداد للدراسات والاخبار والتقارير والوثائق التي تتعلق بالشأن العراقي وتقديم الاستشارات لمن يطلبها
ممارسات قومية!!! على الحدود الأردني

ممارسات قومية!!! على الحدود الأردنية

في الرابع من تموز والساعة تقترب من الثانية عشر ظهراً ، كان الجو قائظاً ينبئ عن جنون ولهيب لم يعتد عليه أحد إن لم يكن عراقياً ، للمرة الأولى في حياتي تطأ قدماي الأراضي الأردنية عبر المعبر الحدودي الأردني السوري قادماً من دمشق ، قدمت جواز سفري العراقي إلى ( شقيق ) حدودي يجلس خلف طاولة ، ويفصلني عنه لوح زجاجي اقتطع منه فضاءا  يسمح بدخول اليد لتقديم الجواز أو استعادته .

 
إن النية لهذه الزيارة سبقت اليوم أعلاه بأكثر من أسبوعين مليئين بالتردد في الإقدام
عليها، لم أكن راغباً فيها من قبل لكثرة ما سمعت من وقوع إساءات بحق العراقيين المنبوذين عربياً ، والهاربين من جحيم النظام السابق ، ومن جحيم الجحيم الأمريكي إلى جنان العروبة المستحدثة عقب انتكاسة بغداد في 9/4 .

 

وحسب ما نسمع من أفواه العراقيين فإن الكثير من أولئك الحدوديين يقولون ، أن الشعب العراقي شعب لا يستحق الاحترام لقبوله بالاحتلال وعدم دفاعه عن أرضه وعرضه بقوة السلاح ، وهذه مغالطة لا تستند إلى واقع ما يجري في العراق من مقاومة وطنية مسلحة تقترب نحو اكتسابها صفة الشعبية ، وهذه يستدل عليها من انخراط أتباع مقتدى الصدر في المقاومة المسلحة ، لولا اتفاق الهدنة بين الصدر والمحتلين الذي قاده أحمد الجلبي وآخرين ، فيما استمرت عمليات مقاومة الشعب العراقي في المناطق التي آمنت بسلامة النهج واتخذت خيار السلاح بدلا من خيارات الأقبية المظلمة ، والأردنيون أدرى من غيرهم بأسماء العراقيين الوطنيين ، وهم الأكثر قدرة على التمييز بين هؤلاء وبين الخونة ، هؤلاء الذين اتخذوا من عمان مأوى لهم وملاذاً طيلة عقد من الزمان بعد أحداث الكويت وقدمت لهم كافة أنواع المساعدات المادية والأمنية ، وكذلك ترتيب العلاقات بين كبار الشخصيات العراقية وبين الجهات الأجنبية المعادية للعروبة والإسلام ، وفي ذات الوقت كان الأردنييون يتمتعون بخيرات العراق النفطية بأسعار مخفضة ، أو على شكل هبات كان يقدمها النظام السابق إلى الحكومة الأردنية لشراء ولاءها ، في حين كان لا يصف الحكومة الأردنية في الأدبيات الحزبية إلا بصفات أقلها عميلة .

 

في هذه العاصمة العربية الشقيقة كانت تتم عمليات التنسيق بين أركان إدارة المشروع الصهيوريكي وبين هؤلاء ( ) ، وفي هذه العاصمة أيضاً كان يتم تجنيدهم كعملاء للمخابرات الأمريكية ، والأشقاء الأردنييون يعلمون إن سفارة بلادهم في بغداد ، وبعد انتكاستها صارت مركزاً لإقامة وتنسيق مهمات كبار ضباط الموساد والمخابرات الأمريكية ، كما أعلنت ذلك بعض فصائل المقاومة التي اعترفت بمسؤوليتها عن تفجير مبنى السفارة العام الفائت, رغم الشكوك والشبهات التي تحوم حول جهات عراقية وافدة مع الاحتلال .

 
بأدب جم ينم عن خلق رفيع وعن مشاعر من التعاطف الواضح ، سألني احد الحدوديون :

ـ أي مدينة في الأردن تقصد زيارتها ؟

أجبت :-

- عمّان ...

من أين أنت قادم ؟ وما هي مهنتك ؟

-  من سوريا طبعا, وحالياً عاطل عن العمل، إلا ممارسة بعض الأعمال التجارية المتواضعة والتي قد لا تستحق الذكر

-  وسابقاً ؟

-  في التجارة العامة والتعهدات ...

-  وهل تمارس نشاطات أخرى سابقا أو حالياً ؟

-  لا ليس إلى هذه الدرجة، إنها مجرد كتابات في القصة والشعر وأحياناً في المجالات الفكرية

-  يعني أنت كاتب ؟

-  مع وقف التنفيذ...

-  لماذا ؟

-  كان الأمر في الصحافة العراقية يستلزم علاقات ومحسوبيات ، وبعد سقوط النظام أصبح الأمر يستلزم ما هو أقسى مما ورد فعليك الآن أن تختار بين إما ...  و ... أو ... وقد اخترت الـ ( أو ) .

-  والآن ؟

-  كما قلت لك، عاطل عن العمل أو معطل

-  إذن ، ما هو الهدف الحقيقي من زيارتك عمان ؟  وما هي مدة الزيارة ؟

-  أنا بحاجة إلى ما لا يزيد عن ست ساعات ، أحاول خلالها أن أقابل أحد الأطباء الأخصائيين ، أو زيارة مركز الملكة نور لمعالجة السرطان ، كما أعلمني أحد الأصدقاء عن وجود مثل هذا المركز في عمّان ، لشرح الوضع الصحي المتردي لوالدي الشيخ المسن ، حيث لم يستجب للعلاج الذي أعطي له في العراق, ثم في سوريا  فقط أريد ساعات علّّّي أجد لوالدي مخرجاً مما هو فيه ، يخلصه من آلامه أو يفضي إلى شفائه بعد شهور من الألم والمعاناة .

-  انتظر قليلاً

-  شكراً يا أخي

حمل الرجل جواز سفري إلى ضابط الأمن، لم تمض سوى دقائق عدة حتى أرسل أحد عناصره ليصطحبني إليه، وسأعود إلى ما جرى معه لاحقاً...

بعيداً عن تلك الأجواء الحدودية المقيتة، يبقى السؤال، لماذا كنت متردداً بادئ الأمر، وما الذي شجعني الآن وليس قبل الآن للإقدام على هذه الزيارة ؟

 

إننا كعراقيين ، ندرك ومنذ الحرب العراقية الإيرانية أن الأردن  البلد العربي المنهك اقتصادياً ، يقف في خط المواجهة المباشر الأول مع الكيان الصهيوني البغيض ، وما يستتبع ذلك من مخاوف أو التزامات عربية مطلوبة للحفاظ على الأردن وحمايته من المشروع الصهيوني في الوطن العربي ، وندرك أيضاً ، أنه في أثناء الحرب العراقية الإيرانية أصبح الأردن يشكل منفذاً تجارياً ً وحيداً للعراق نحو العالم ، لطبيعة موقعه الجغرافي الحيوي ، خاصة وأن العلاقات العراقية السورية آنذاك تمر بمرحلة من القطيعة وعدم التقبل المتبادل بين الطرفين ، وإننا كعراقيين ندرك أيضاً إن موارد الأردن لا تكفي لسد الحاجات الأساسية للشعب الأردني ، إضافة إلى مئات الآلاف من العراقيين الهاربين من العراق  ومئات الآلاف إن لم نقل ملايين اللاجئين الفلسطينيين ، وفي ضوء هذا فقد يبرر الشعب العراقي لجوء الحكومات الأردنية المتعاقبة إلى انتهاج سياسات تعتمد على تلقي المساعدات والمعونات الأمريكية ، مقابل شروط تثقل كاهل الوطنية والسيادة الأردنية ، ومرد ذلك غياب الدعم العربي الحقيقي لدول المواجهة لحمايتها من الارتماء في الحضن الأمريكي ، وهذا ما حصل لاحقاً أواخر السبعينات نتيجة مواقف الدول العربية الداعمة وتنصلها من التزاماتها تجاه دول المواجهة ، لأسباب معروفة أبرزها أن الدول الداعمة وهي في أغلبها دولا خليجية مرتبطة وتدور في الفلك الأمريكي بشكل أو بآخر ، وهي غير قادرة على القيام بأي فعل أو دور لا يرضي الإدارة الأمريكية ، وهكذا كان.

 

لم يكن لأحد من العراقيين ، أن يحملّ الشعب الأردني أيّة منّة أو أذى ، حين كان النظام السابق يهب النفط مجاناً أو بتخفيضات تصل إلى أكثر من 50% من سعر سوق النفط العالمي ( حسب ما كان ينشر في الصحف كمأخذ على النظام السابق يروج له أرباب الحكم الحالي حلفاء الأردن بالأمس، أما ما أعقب انتكاسة 9/4 فقد أصبح الأمر أكثر تعقيداً وأعسر فهماً بعد أن اعترفت قوات الاحتلال ومسؤولي الإدارة الأمريكية بحقيقة التسهيلات التي قدمتها الحكومة الأردنية للقوات الغازية وعدوانها على العراق والأمة العربية ، وجاء على لسان ويسلي كلارك, القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي حتى عام 2000, وهو أحد المرشحين للرئاسة قبل أن يفوز جون كيري بالترشيح عن الحزب الديمقراطي, ( أن القوات الخاصة الأمريكية انطلقت إلى غرب العراق من قواعد في الأردن والسعودية وكان عدد هذه القوات 10 آلاف فرد من الجيش والبحرية وسلاح الجو, وأنه في أحد أيام الحرب كانت أكثر من ألف طائرة أمريكية تتحرك في الأجواء العراقية والسعودية والكويتية ) وهذا يذكرنا بمغزى الاحتجاجات العارمة والغليان الذي عمّ الشارع الأردني قبل وأثناء العدوان ، والتي كانت تهدد بالانفجار والفوضى وتهدد أمن وسلامة الحكم الأردني ذاته ، وقد اتخذت الكثير من الشخصيات الأردنية مواقف منددة بمثل هذا التعاون وهذه التسهيلات التي لم تكن سراً ولم تكن مخجلة لأركان الحكومة ، حتى أنها لم تنفها كلية أو تتملص منها ، بل كانت تراوغ وتلف وتدور حول الموضوع وتحاول أن تبرر دون أن تنكر .

 

ان العراقيين الذين عايشوا الأحداث قبل وبعد العدوان ، يعلمون ويسمعون حقيقة أن الكثير من الضباط الأردنيين قد ساهموا فعلاً قبل وأثناء العمليات العسكرية وبالتعاون مع ضباط صهاينة وأمريكان في مهمة البحث عن منصات إطلاق لصواريخ بعيدة المدى في المنطقة الغربية من العراق ، والعراقيون من أبناء المنطقة الغربية خصوصا ، شهدوا حقيقة مقتل العديد من الضباط الأردنيين مع صهاينة وأمريكان وحتى بريطانيين وكل ذلك قبل انتكاسة بغداد ، وهذا ما لم نسمع عنه في وسائل الإعلام حينذاك , وحسب بعض التصريحات أثناء العدوان ، فإن تلك المنصات كانت معدة لإطلاق الصواريخ باتجاه المدن الفلسطينية  المغتصبة ، كما حدث في حرب الخليج الثانية ، غير أن الوقائع أثبتت عدم صحة مثل هذه المخاوف الصهيونية في العام 2003 ، بسبب حقيقة عدم امتلاك العراق لمثل هذه الصواريخ ، وهذا ما أثبتته وقائع الأيام وما عجزت الإدارة الأمريكية من إثباته حتى الآن , غير أن الواقع, يؤكد ما سبق ذكره من تعاون وتنسيق ، وكل هذا لأنها قد تشكل تهديداً لأمن الكيان الصهيوني البغيض وأمن المغتصبين ، مفارقة ليس ما هو أجمل منها في الدنيا إلا هي ، أما المفارقة الأخرى فهي ، ورغم جهلنا بما يخفيه التوجه الإيراني, حيث إن الحكومة الإيرانية وبعد انتكاسة بغداد مباشرة ، اتخذت قراراً بالسماح للعراقيين بدخول أراضيها والبقاء فيها ما شاؤوا دون الحاجة إلى تأشيرة دخول أو جواز سفر ، إنما المطلوب هو إبراز الهوية الشخصية فقط

فهل الإيرانيون أكثر عروبة من العرب أنفسهم ؟

سؤال بريء لكنه مضحك مؤلم ...

مفارقة أخرى مؤلمة نوردها هنا رغم أنها طارئة على الموضوع ، لكنها تزامنت مع وقت الكتابة ، وهذه تجمع بين المأساة والملهاة

الجيش الأردني يعلن في 19 تموز 2004 عن قتل 3 أشخاص وجرح رابع، عندما حاولوا التسلل لتنفيذ عملية داخل ( إسرائيل )، ولم يعط الجيش الأردني صفة لهم، إرهابيون، فدائيون، مخربون، أم مهربون أم قادمون من كواكب أخرى.

نستذكر جيداً ذلك الكويتي الذي قال يوماً لمحاوره المصري على إحدى الفضائيات العربية عبارته المسمومة ( طز بالعروبة ) ، عبارة مؤلمة لها وقع الفؤوس على الرؤوس ، لقد استهجن الكثير من أبناء الأمة العربية هذه العبارة ، ووصل الأمر إلى حد اتهام المحاور الكويتي بأنه مبرمج أمريكياً ، وينطق ويتحرك وفق نظام المتحكم الالكتروني عن بعد ، الآن وليس قبل الآن أدركت ما يعتمل في صدره آنذاك ، وما الذي سوغ لنفسه النطق بمثل هذه العبارة ، والآن وليس قبل الآن أدركت أن خراب بيت العروبة تم ويتم في مطابخ المعابر الحدودية بين الدول العربية ، وعلى يد الحدوديين أنفسهم ، نتساءل ، هل إن السلوك الفج لأولئك الحدوديين نابع من ذواتهم أم أنه يسير وفق منهجية معتمدة تقوم عليها هذه الفئة ؟

جميل جداً أن نعامل كالأجانب من غير العرب، حين يدخلون إلى بلداننا...

جميل جداً أن نمتلك سلطات الجندي الأمريكي حين يدوس بالأقدام على رؤوس الحدوديين ويدخل إلى العراق غازياً ، بتأشيرة دخول دبلوماسية أو بدونها ، وجميل أن تفتح له قاعات الشرف الكبرى ، ليمارس جرائم القتل العمد وانتهاك العرض وتدنيس حرمات البيوت العراقية العربية الإسلامية

إضافة سابقة لما سوف يأتي ، فإن بعض أصحاب مكاتب النقل في الشام قالوا

إن دخول العراقيين إلى الأردن عن طريق سوريا يخضع لمزاج الحدوديين الأردنيين

وعودة لما استدعى التخلص نهائياً من حالة التردد في زيارة عمان بعد أسبوعين من عقد النية ، فإن الذي شجعني على ذلك ، هو أن بعض الفضائيات العربية نقلت قبل يومين عن السيد إياد علاوي ، تصريحاً يشكر فيه جلالة الملك عبد الله الثاني على تسهيل مهمة دخول العراقيين إلى الأردن ومغادرتهم ومثل هذا الأمر له دلالات كبيرة ، فالذي قدم الشكر هو السيد إياد علاوي ، وهو يحتل الآن منصب رئيس حكومة الشرق الأوسط الكبير ، فهل من دلالة أكبر من هذه ؟ وهل لمسؤول عربي أن يحلم بأكثر من هذا ؟ .

 

ألقيت تحية الإسلام على الضابط ، وكان الرد كما أمرنا الرسول ( ص ) ( فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) أو كما قال ( ص ) ، وعلى هذا الهدي النبوي الشريف ، كان رد الضابط صمتاً فموياً وشفاها ملتصقة ، سألني بعد أن التقط لي مئات الصور الشعاعية بنظرات عينيه الباراسيكيولوجية ، عسى أن أكون من أصحاب تلك الصور التي تملأ واجهات الصحف ومواقع الإنترنت لأولئك الإرهابيين المطلوبين للأسياد ، قال :

-  إلى أين ؟

-  إلى عمان

سؤال واحد وإجابة واحدة لا تشكل أكثر من أربع كلمات ، كلفتني ما لا يقل عن عشرة دقائق وقوفاً صنمياً يشبه وقوف الرؤساء والملوك أثناء عزف النشيد الوطني ،  في هذه الأثناء دخل عنصر حدودي لا يحمل رتبة عسكرية تدل على عنوانه الوظيفي مصطحباً اثنين من أشقائه السعوديين العائدين من سياحة شامية وحده الله يعلم خفاياها ، وعلى ما يبدو فإنهما على معرفة شخصية سابقة به ، يستدل عليها من حرارة رد التحية وطول العناق الزائف الممتزج برائحة الشمس والسفر الطويل ، وتلك القبل الممجوجة وكلمات الترحيب ونفاقها الواضح ، وكل ذلك أستبينته جلياً من نظرات عيونهم المتلفتة يميناً وشمالاً ، وهي تستجدي من يصدق زيف عناقهما ، وهو صحيح تماماً رغم استقدام أنواع الضيافة ( العربية ) ، بدءاً بالقهوة العربية وانتهاءً بالماء البارد في تلك الساعة من تموز القائظ ، ومروراً بالكوكا كولا الأمريكية المثلجة والمحببة إلى نفسيهما لفرط القيظ أم لدلالات موطن واسم المنتج ، وقد استغرقت هذه الضيافة أكثر من عشرين دقيقة دون أن يلتفت الضابط نحوي ، وأنا الواقف أمامه دون كلام أو حراك ، وكأني شبح مخفي عن عيونه, يذكرني بالشريط الكرتوني ( كاسبر ) الذي كنا نحرص على متابعته حتى بعد بلوغنا الأربعين .

 قررت في نفسي أن أبادره بالسؤال عن مصيري سماحاً بالدخول أم أمراً بالعودة إلى حيث أتيت ، للحظات أدركت أن مستقبلي رهن نزوته لا رهن ضميره أو جرمي أو براءتي، إن حياتي الآن بين يديه ، استعذت بالله من الحدوديين, أفقت ثانية إلى حقيقة الزمان الذي أنا فيه والمكان الذي يحتويني ، تراجعت عن قراري وقد خشيت رداً مهيناً أو قاسياً يجرح شتات كرامتي المستباحة أصلاً من قبل الأعداء في وطني ، آثرت الصمت واستعرت إيماءة بعيني دون أن أحرك رأسي أو يدي ، استعاد الضابط إحساسه بوجودي ككتلة مادية تشغل حيزاً من حجم الغرفة ، أشار إلى العنصر الحدودي الذي استقدم الضيوف إليه ، ناوله جواز لعنتي مع وريقة بيضاء صغيرة دسها بين صفحاته لا يعلم إلا الله ما جاء فيها ، وبحركة من يديه أشار إليّ بالخروج معه ، إلى أين ؟ لا أدري ، كما أن العنصر الحدودي ومن خلال ما جرى بيني وبينه من أسئلة وجهتها إليه كي أعرف مصيري ، كان جوابه صمتاً وسكوناً حركياً عدا كلمة واحدة ( ورائي ) ، حمدت الله كثيراً وقلت في نفسي ( الحمد لله أخيراً نطق أبو الهول ) ، فسبحت بحمد الذي أنطق الصخر في تلك اللحظة .

 

سلم هذا العنصر الحدودي جواز لعنتي إلى حدودي آخر يجتلس مقعداً دواراً داخل غريفة مزججة يعلوها عنواناً باسم ( الأمن العام ) ويحمل ( شباك رقم 5 ) ، في تلك اللحظة لم أدرك حقيقة ما يجري من أمري ولا ما قد يؤول إليه ، استجمعت كلّ ما في صدري من شجاعة وسألت العنصر الحدودي  :

-  ماذا افعل الآن ؟

بعد أن أشار إلى صف من المقاعد المسندة إلى الجدار المقابل للشباك رقم (5)، أجاب قائلا ً:

-  انتظر ...

سألته :

-  ماذا بشأن السائق ؟ ينتظرني أم ماذا ؟

-  ليذهب إلى حال سبيله .

-  أريد أن ابلغه

قاطعني بأدب حدودي عالٍ يصلح أن يكون ضمن مناهج التربية الأخلاقية لأبنائنا في المراحل الابتدائية ، هذا إذا وافقت إدارة المشروع الصهيوريكي على إبقاء هذه المادة ضمن المناهج الدراسية العربية مستقبلاً...

-  لا تغادر هذه القاعة، ولا تبرح مقعدك هذا وإلا

كان مهذباً جداً ولم يكمل هذه و( إلا )، أضاف :

-  لا شأن لك بالسائق

مرت أكثر من ساعة وأنا متسمر إلى مقعدي ، فيما يرمقني ذلك العنصر الحدودي من خلال الشباك رقم ( 5 ) بين الفينة والأخرى...

دون أيّ كلام منطوق أو هامس ، أخرجت هاتفي الجوال من حافظته محاولاً الاتصال بالسائق وإبلاغه بأن يذهب ساعياً في مناكبها ، ويدعني تحت رحمة الحدوديين ، رصدني العنصر الحدودي وأمرني زاجراً بإغلاق الهاتف أو مصادرته في حال عدم امتثالي (  لتوسلاته ) !!!

-  أطفيء الهاتف وإلاّ

كان مهذباً جداً وإنسانياً جداً وعروبياً تفوح أخلاقها ومبادئها منه وتطغى على سمات وجهه ، ثانية لم يكمل نطقاً ما كان مفترضاً به أن يلي هذه الـ ( إلاّ ) من كلمات ، في تلك اللحظات كفرت بالعروبة في نفسي وتذكرت ذلك الكويتي ثانية ، لكنني استعدت توازني فوراً فعدت عن كفري طالباً الصفح من نفسي...

 

مضت عليّ الآن أكثر من ساعة ونصف وأنا في ذات المقعد منتظراً رحمة ممن خلته سيدي وجلادي آنذاك ، أقبل السائق إلى القاعة يفتش عني بنظرات عينيه يميناً وشمالاً ، كنت أخشى أن أقول له ( أنا هنا ) أو أن أشير إليه بيدي (  أن تعال .. أنا هنا  ) ، أخيراً عثر عليّ بجهد فردي خالص منه دون مساعدتي ، أومأ إليّ بإحدى يديه ( ابق مكانك ) ، هززت رأسي متسائلاً ، فهمت من إشارة يديه (  سيكون كل شيء على ما يرام  ) تقدم السائق نحو شباك رقم (  5 ) ، تحدث إلى الحدودي بصوت  خافت ، استدار نحوي مقبلاً وهو يحمل جواز لعنتي خالياً من أية إشارة تدل على دخولي عبر ذلك المعبر الحدودي ، أو ما يشير إلى منعي من دخول الأراضي الأردنية ، إذن عليّ أن ألغي ختم مغادرتي الأراضي السورية وأن أقفل عائداً إلى دمشق الشام...

أخيراً ، أعترف أني أخطأت

اعترف أني لم أعرف حقاً من أنا ؟  ومن أكون ؟

والآن، أدركت سر خطأي ...

إني عراقي عربي ...

والآن أيضاً ، أيقنت السر الكامن وراء عدم استفادتي من تسهيلات جلالته المعلنة...

إني عراقي عربي ...

والآن فهمت مغزى شكر السيد علاوي لجلالته...

إني عراقي عربي ...

اللهم خلصني من هذه الهوية التهمة...

إني عراقي عربي ...

ندعوك اللهم باسمك الأعظم وأنت أعلم به ، أن ترزقنا صفة الأمركة ، وأن تيسر لنا أمرنا في الحصول على شرف الجنسية الأمريكية أو( الإسرائيلية ) ، حتى يصبح أمر دخولنا الأراضي العربية أمراً سهلاً ميسوراً

اللهم امنحنا لذة الاستمتاع  بنعمة الدفء الآتي من أحضان مستقبلينا في هذا الشتاء العربي المتجلد ...

اللهم ارزقنا حذاءً عسكرياً مزيناً بنجمة داوود حتى ندوس على رقاب الآخرين عبوراً إلى العراق ...

اللهم اجعلني خليجياً كويتياً كي أشكرك على ابتسامات الحدوديين في وجهي وخلاصي من تكشيراتهم  وعبوسهم في وجهي...

أني عراقي عربي...

اللهم خلصني من هذه الهوية التهمة...

 أني عراقي عربي

 

رائد الحامد

12/07/2004 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
مربع اشتراك لصفحتك على الويب مجموعات Google اشتراك في كلنا للعراق البريد الإلكتروني: زيارة هذه المجموعة
مجموعات Google
اشتراك في كلنا للعراق
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة