العلاقة الجدلية بين العروبة والإسلام
يبدو أنّ الخوض في التأسيس لبدايات ظهور الوعي العربي ، يستدعي الرجوع بعيداً إلى الأسس والمعايير والقيم والمبادئ التي كانت سائدة في عصر ما قبل الإسلام ، وحيث جاء الإسلام منزلاً من الله تعالى إلى محمد بن عبد الله (ص) ، فإنّما جاء متمّماً لمكارم الأخلاق ، ومكارم الأخلاق هذه لم تكن سوى الأسس والمعايير والمبادئ والقيم التي كانت تنظّم العلاقات بين الفرد ومجتمعه ، بين الفرد وخالقه ، بين المجتمع والمجتمعات المجاورة : ” إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق “ ([1]).
كان تفكير العربي في الجاهلية هو العمل لصالح القبيلة ،والقبيلة تشكّل لـه الدائرة التي يدور ضمن محيطها العام ، بهدف تحقيق مصلحة القبيلة ، وهي المصلحة العليا في حينها، وما إن جاء الإسلام حتّى صار هذا التفكير متحفّزاً للانطلاق بعيداً نحو هدف أكبر، ودائرة أوسع هي المصلحة العليا لكلّ العرب حيثما ضمتهم الرقعة الجغرافية ، وعلى أساس فطري ، استمدّ قوته من فنون الشعر العربي الجاهلي ، الذي أسّس لأعمدة الأخلاق والقيم العربية ، والتأكيد على الصلات والإلفة بين القبائل العربية .
كان العرب قبل الإسلام ، وفي الجانب المتضاد من مكارم الأخلاق ، وفي الغالب منهم ، متلبسين متسلمين للأساطير والأوهام ، حيث يجدون في هذا ملاذاً يلوذون بـه من الجهل بالغيب والخوف منه ومتغلقون إلى حدّ ما في العصبيات القبلية ، رغم الاحتكاك المباشر مع القبائل غير العربية والأعراف الإنسانيّة الأخرى ، عن طريق ج ، ويحدث هذا رغم انتشار المسيحية في بلاد الشام المجاورة ، والتي بشّر بها عيسى بن مريم ( عليه السّلام ) وهي في حدّ ذاتها دعوة إلى الحبّ والتسامح والحقّ والسّلام ، في حين أنّ جزيرة العرب قبل الإسلام تتهدّدها وتحاول السيطرة عليه الامبراطورية البيزنطية ، وبنو ساسان ، وبين دعوة القوة التي تريد السيطرة على العرب ، ودعوة المسيح (ع ) . بدأ العرب يفكرون بوحدة القبائل العربيّة ، ولم يكن لهذه القبائل إلاّ أن تكون أمة واحدة ، بلغة عربيّة واحدة ، وبدين واحد هو الإسلام ، فبذلك ظهرت لأول مرة الأمة العربيّة على مسرح التاريخ ، كأمة واحدة تتكلّم لغة واحدة ، هي لغة القرآن ، تحمل أمانة رسالة الإسلام إلى عموم البشرية ” للناس كافة “ ، مبشّرة ومنذرة ، وناقلة الأمة العربيّة إلى نبذ العصبيات القبليّة ، والأساطير الأوهام ، وعبادة الأوثان ، إلى عبادة الله الخالق الواحد الأحد .
وكانت تلك الرسالة كاملة من حيث تنظيم العلاقة بين الفرد المخلوق والخالق ، وبين الفرد المخلوق وبين الآخر ، بغضّ النظر عن ديانة ذلك الآخر ، أو انتماءه العرقي. وهنا برزت لأول مرة ، صورة تميّز بين الجانبين المادي والروحي ، في العقل والفكر العربيّ، وكذلك في المقام الآخر الجانب الديني والدنيوي .
ومع نزول القرآن ، بلغة الأمة ” وهذا لسان عربيّ مبين “ ([2]). ” إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً لعلّكم تعقلون “ ([3]). وبلسانها العربيّ الذي حقّق للعرب وحدة اللغة التي هي لغة القرآن الكريم ، التي ضمنت للعرب إطاراً فكرياً ، وأساساً صالحاً لإعادة تشكيل العقل العربي، ومع الفهم الحقيقي للقرآن الكريم ، برز جانب التعامل بين الأفراد والأمم ، وتمّ التأسيس لأول مرة ، في تاريخ الأمة العربيّة ، للعلاقات بين الأمصار التي انتشر فيها الإسلام ، وبين الأمصار الأخرى ، بما ينظّم العهود والوعود والمعاهدات ، فكان هناك تشريعات تنظم العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعية والدينية وحتّى السياسية .
إنّ نظرة متفحّصة للتاريخ تدلّلنا ببساطة إلى عمق الالتزام بين الأمّة العربيّة والإسلام، وبين الإسلام والأمّة العربيّة ، هذا الالتزام الذي تبدّى واضحاً جليّاً منذ الأيام الأولى للدعوة الإسلاميّة ، التي بدأت من خيار خيار البيوتات العربيّة آنذاك ، وليس هيناً أن تكون الأمّة العربيّة ، الأمّة المختارة من الله لمهمة تبليغ الرسالة الإسلاميّة السماوية إلى الناس كافة ، فهذه المهمة تستوجب أن تكون هذه الأمّة المختارة أهلاً لهذا التبليغ الذي يستوجب العمل على تثوير الأمّة بأكملها ، على قيمها وتقاليدها وأعرافها وخرافاتها، وكذلك إلى تغيير شامل لكلّ مناحي الحياة الأخرى ، وحيث نسوق هذا فإنّما لنؤكّد أنّ هذه الأمّة لم تكن بحال من الأحوال خالية من القيم والمبادئ ، ورغم اعتراف القرآن الكريم بأغلبها ، إلاّ أنّها لم تكن كاملة أو غير منقوصة ، بل كان يعوزها الكثير لإتمامها ” إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق “ ، وليس يعني هذا ، أنّ هناك صراعاً مابين القديم والحديث، وبين التخلّف والتطوّر، وإنّما كان الجديد متمّماً للقديم ، وكان التطوّر متمّماً ومكمّلاً لتطور هو حاصل بالفعل ، كان تطوّراً وتجسيداً للإيمان بإله واحد من بـه كثير من العرب قبل الرسالة الإسلاميّة .
إنّ السبق الزمني لا يمكن إلاّ أن يكون ذا أثر فاعل في المجتمع العربي آنذاك ، فقد سبق ظهور الإسلام زمانياً ، وجود ما للأمّة العربيّة على الأرض العربيّة ، ببعض المقوّمات الأساسية الموجودة فعلاً ، والتي وإن لم تكن متبلورة بصورة واقعية ، إلاّ أنّ هذه المقوّمات موجودة بصورة أو بأخرى ، كاللغة المشتركة والتاريخ المشترك والرقعة الجغرافية المشتركة ، وكان لها إسهام ما في إنجاز الحضارة العربيّة الإسلاميّة ، فالعلاقة بين الإسلام كدين ربّاني منزل من السماء وبين الأمّة العربيّة كأمّة مؤهلة لحمل أمانة الرسالة ، لم تكن علاقة بدون أسس مشتركة وأواصر متينة ، بل كانت علاقة جدلية بين روح وجسد ، فالأمّة العربيّة هي الإطار الذي يؤطّر هذه الرسالة ، والرسالة هذه هي جوهر ومضمون ومحتوى ذلك الإطار ، إذ ليس من التجنّي القول بأنّ الرسالة الإسلاميّة هي الإطار الذي يؤطّر الأمّة العربيّة ، وليس من التجنّي القول أيضاً ، بأنّ الأمّة العربيّة هي مضمون وجوهر ومحتوى الرسالة الإسلاميّة .
إنّ ما يؤكّد كون الأمّة العربيّة ذات أهلية كاملة بإرادة إلهية هو أنّ هذه الأمّة لم تكن فقط أمّة وثنيّة أو أمّة من عبدة الأصنام ، بل كانت اليهودية ، وهي ديانة توحيدية ربانية كتابية، في الجوار ، في كندة وحمير ، والمسيحية كذلك في بني ربيعة ، وكان لهاتين الديانتين الربانيّتين أتباعاً مؤمنين بها وموحّدين من القبائل العربية ، وكذلك كان هناك قبائل تعبد الأصنام وأخرى تعبد النار، أي أنّه لم يكن كلّ أبناء الأمّة العربيّة موحّدين وكتابيين، ولم يكونوا كلهم وثنيّين وملحدين ومشركين ، بل كان كلٌّ على ملّة أبيه وأجداده ومايعبدون ، حتّى إذا جاءت الرسالة الإسلاميّة كان لزاماً على أبناء الأمّة العربيّة ، اتّباع هذه الرسالة ونشرها وتبليغها أو القتل ، على اعتبار أنّ أبناء هذه الأمّة حصراً هم المكلفون إلهياً بحمل الرسالة ونشرها وتبليغها للناس كافة ، على عكس الأمم الأخرى ، حيث كان عليهم إمّا الدخول في الإسلام أو دفع الجزية ، وحيثما امتنعوا عن أحد هذين الفعلين ، كان القتل ، فكان أن دخل في الإسلام من الأمم الأخرى ، وبالأخص الفارسية والرومية ، عدد كبير ، وأنّ من هؤلاء من قد نما في نفسه تيار عارمٌ من الحقد على الإسلام وعلى الأمّة العربيّة ، مما أسّس لظهور حركات شعوبية مندسة ، وفرق إسلامية موغلة في كرهها للإسلام وللأمّة العربيّة ، فبدأت محاولاتها الجادة لهدم هذا الدين وعقيدته وفكره ، فكان أن مزجوا وبشّروا بالإسلام المطعّم ببقايا دياناتهم القديمة ومعتقداتهم، متستّرين بانتمائهم إلى الدّين الإسلامي ، لتحقيق أهداف أخرى ، من بينها تفكيك العلاقة والقضاء على الأصرة الربانيّة بين الأمّة العربيّة والإسلام ، فكان أن استشرت بين المسلمين الفرق الباطنية ، في مراحل لاحقة ، كنتيجة حتمية للصراع الفكري العقائدي بين الإسلام كدين رباني ، وبين العقائد الأصولية لتلك الأمم غير العربيّة.
إنّ الإسلام هو نظرية متكاملة في حياة الإنسان العربّي خصوصاً ، يحدّد ويؤطّر لعلاقة المخلوق بخالقه ، وعلاقته مع نفسه ومع الآخرين ، وهذه النظرية جاءت عبر القرآن الكريم الذي هو كتاب الله المنزل ، ومصدر فهم عقيدة الإسلام ، وهي أيضاً جاءت عبر السنّة النبوية ، عبر أفعال وأقوال الرسول محمد ( ص ) ، مما يضع حدوداً لكلّ أمر ديني أو دنيوي إنّ وحيث تكون بحدود يكون القانون ، وحيث يكون القانون يلزم قيام السّلطة الدنيوية . فمن هو المؤهل فعلاً لهذه السّلطة كي يقيمها على الأرض ؟ .. وبحكم الاختيار الربّاني للأمّة العربيّة كحاملة للرسالة مبشّرة ونذيرة، فإنّ هذه الأمّة هي المؤهلة لذلك ، فالرسالة بما يتضمن جوهرها من نظام ونظرية وقانون مستمدة من القرآن الكريم والسنّة النبوية ، لابدّ لها من مبلّغ يدعوها لهداية الناس إلى طريق الحقّ والخير، يعاونه في ذلك العرب المسلمون ، هؤلاء المؤمنون بالرسالة والمتيقنون بها عن وعي وإدراك ، وإخلاص نيّة لله تعالى ، فبدأت بذرة القيادة لهذه السّلطة الدنيوية في المدينة ومكة وانتهت في الصين شرقاً والأندلس وجبال الألب غرباً .
” ولكم في رسول الله أسوة حسنة “ مبدأ واضح القصد منه والمفهوم ، فكان الرسول بالقول حيناً وبالفعل حيناً ، أو بكليهما معاً أحياناً ، منهجاً تطبيقياً للدّين الإسلامي ، ومن بعده الخلفاء الراشدين ، ” من كان يبعد محمّداً فإنّ محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيٌّ لا يموت “ ([4]). فوفاة الرسول (ص) لا تعني نهاية الإسلام أو سلطة الحكم الإسلامي ، بل كانت بداية لمشروع سياسي عربي إسلامي ، مبني على مبدأ الشورى بين صحابة الرسول (ص) لاختيار خليفة لـه ، وتمّت عملية تجسيد هذا المبدأ ، تحت سقيفة بني ساعدة ، وحسماً لأيّ خلاف بين المسلمين ، وخشية نجاح المرتدّين عن الإسلام بعد الوفاة أُسّس للمبدأ الثاني : ” لن تكون الإمامة إلاّ في قريش “ ، أي لن تكون الإمامة إلاّ في العرب ، وهذا لا يعني أنّ قريش كانت كلّ العرب ، بل إنّها كانت خيار العرب . بتلك العبارة وأد أبو بكر الصديق أولى بذور الشقاق في الإسلام ، وكان امتداداً طبيعياً صادقاً، وتطبيقاً واقعياً لنهج محمد (ص) بالحكمة والموعظة الحسنة .
كان العرب قبل الإسلام يتميّزون بلغة هي مضرب للأمثال في بلاغتها وفصاحتها، وهي لغة مشركة بين عموم أبناء الأمّة العربيّة ، تعكس الفكر الواحد الذي يتشكّل منه الوعي العربي الجمعي ، فاللغة هي وسيلة التفاهم المشترك بين أفراد الأمّة ، وهي طريقة التخاطب بينهم ، وهي الأسلوب الحضاري المشترك في تبادل الأفكار البليغة ، تمكّن من خلق نمط جديد من أنماط العلاقات الثقافية والاجتماعية بين أبناء الأمّة العربيّة من خلال بروز حاجة العرب المسلمين لفهم وتدبّر معاني وغايات هذه الآيات المنزلة ، مما خلق أيضاً نوعاً من الحوار ووحدة اللسان ، وهي لم تكن بمعزل عن العقيدة الإسلاميّة على الإطلاق ، ولا هي في الاتجاه المعاكس منها ، بل إنّها الأساس الثابت لتشكّل الوعي والعقل العربي في ظل الإسلام ، وامتدادات هذا الوعي للعرب قبل الإسلام من خلال الشعر مثلاً والخطابة كدار الندوة وسوق عكاظ .
وحيث كان الأمر في الخلافة الراشدة الأولى امتداداً طبيعياً وتاريخياً لنهج الرسول (ص) فإنّ الأمر لم يكن على ذات الشاكلة في عهد الخلافة الراشدة الثاني ، حيث بدأت الفتوحات العربيّة باسم الإسلام تأخذ مداها الأوسع ، حتّى وصلت مصر وبلاد فارس ، أي أنها طالبت أمماً وأقواماً غير عربيّة ، وديانات متعدّدة كالزرادشتية في فارس مثلاً ، وامتاز هذا العهد عن سابقه ، بشدة بأس وحزم عمر بن الخطاب (رض) ، واعتماده مبدأ الشورى مع صحابة الرسول (ص) في الكثير من المواطن والمواضع التي كانت تبدو فيها وجهات نظر متعدّدة ، وقد ظلّت السلطة الدينية طوال هذين العهدين ، هي السلطة الأبرز، من حيث عمق وصميمية الارتباط بين الإسلام كدين والعروبة كانتماء ، ” ماكانت العرب لتقتلني قطّ وربّ الكعبة “ ([5]). إذن كان هناك تطوراً تاريخياً مكمّلاً لما قبله .
أما في العهد الثالث . فكانت سلطة دينة صرفة حتّى بعد ست سنوات على تولية عثمان بن عفان (رض) الخلافة ، فهو قد وليّ الخلافة من قبل آخرين ، ولم يكن قد استولى عليها بنفسه ، وكانت هذه التولية أمراً مريحاً لعموم المسلمين ، وخاصّة أولي القربى منه، وحيث كان ليناً مع رعيته ، كان يرعى خاصته رعاية خاصّة ، على العكس من العهد الذي سبقه ، كان عثمان بن عفان (رض) رجلاً غنياً لـه ماله الخاص ، فأغدق على أولي القربى منه وقربهم وولاهم سلطات وإمارات ، وبذلك أسس لأول سلطة دنيوية بكلّ ما تعنيه الكلمة في التاريخ الإسلامي ، حيث لا توجد أيّة امتيازات سلطوية ومالية في نطاق السّلطة الدينية المطلقة ، وهذه يمكن النظر إليها على أنها البداية الحقيقية ، والبداية التاريخية لنشوء الحضارة الإسلامية ، بل إنّها على مدى أضيق ، كانت سلطة عربيّة ، وحكماً عربياً على أقوام وأمم عربيّة وغير عربيّة .
إنّ الإسلام ، في حقيقته ، ليس نظرية دينية فحسب ، بل هو منهج اجتماعي واقتصادي دنيوي ، وهو رؤية سياسية وثقافية ، وهو دعوة أخلاقية ونظّم وقوانين دنيوية مستمدة من أصلهما القرآن الكريم والسنة النبوية، وأسلوب في الحكم بين الناس ، رؤساء ومرؤسين ، وأسس علاقات بين الأمم وبعضها .
ولم يكن العهد الرابع للإمام علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه بأقل من العهود الثلاثة ، رغم الفتن التي وقعت ، فقد كان عهداً كرّس أسس البناء لأسلافه الراشدين رضي الله عنهم ، وبنهاية العهد الرابع ، تحولت الخلافة إلى بني أمية ، وأصبحت السّلطة وراثية لأول مرة في تاريخ الإسلام .








