الحركات الإسلامية
في ظل غياب رؤية سياسية
إسلامية واضحة ، أوائل القرن التاسع عشر ، بالمؤازرة الزمنية للتحولات
الدراماتيكية التي مرت بها أوربا ، كالثورة الصّناعية ، وبروز الديمقراطية كتيار
سياسي واضح المعالم ، ولانعكاسات هذه التحولات على الواقع السياسي العربي خصوصاً ،
والإمبراطورية العثمانية عموماً ، نرى لزوم تأثر هذا الواقع قسراً ، حيث بدأت تطفو
حاجة ملحّة لولادة تيار إسلامي مُسيّس أو سياسي ، لمجابهة تحدّيات الغزو الفكري
القادم من الشمال ، عندها بدأت مرحلة البحث عن الذات لدى المفكّرين الإسلاميين ،
رغبةً منهم في التغيير والانفلات من قرون السكون نحو المجابهة، خصوصاً بعد أن بدأت
بوادر انتباه قومي عربي ، مبني على أُسس قومية وليس إسلامية بماضي الحضارة
العربيّة التي امتدت لأكثر من ثلاثة آلاف عام قبل ميلاد السيّد
المسيح (ع) .
كانت الحملة الفرنسية
على مصر بقيادة نابليون بونابرت قد مهدت
لبدايات الانتباه القومي العربي، وليس اليقظة العربيّة كما يؤرخ المؤرخين ، وهي لا
تخلو من تأثيرات الثورة الصّناعية والحملة الفرنسية على مصر ، على يد رفاعة
الطهطاوي والشدياق والأفغاني وتلميذه محمد عبده . كان هؤلاء يمتلكون الغربة الصادقة
في انتباه إلى ما يجري حولهم من تحولات تقفز فوق حركة التاريخ ، ولا تخضع لمقاييس
تطوّر المجتمعات المدنيّة وصيرورتها الاعتيادية ، وكان آنئذ يسودها اتجاهان
متوازيان أحدهما يريد العودة إلى التراث العربي الإسلامي وأصوله وبداياته ، وهو
بالتأكيد رافض للتيار الغربي الجديد،
أما الاتجاه الآخر فهو الذي يرى صلاحية التزاوج الشرعي بين التراث العربي الإسلامي
وأصوله وبداياته ، والاتجاه الغربي الوافد ، أي المزاوجة بين القديم والحديث ،كان
الاحتكاك الذي حدث بين مفاهيم العرب المسلمين الوافدين إلى الدول الغربية ، وبين
مفاهيم وأسس الحضارة الجديدة التي بدأت تتشكّل وتترسّخ بين الأوربيين ، بدأ هؤلاء
العرب المسلمون يرون ضرورة إعادة النظر في المفاهيم الإسلاميّة التي يحملونها وبين
الجديد ، حيث كانت هذه المفاهيم – حسبما يرى هؤلاء – بحاجة إلى اجتهاد وتجديد ،
فقد مضت على غلق باب الجهاد سبعة قرون ، على سبيل المثال ، فإذن ، بدأت الأمور
تظهر على شقّين اثنين ، الشقّ الأول يدعو للتمسّك بالثوابت والمسلمات التي تشكّل
أساس الإيمان العقائدي ، وهو ما لا خلاف عليه ولا جدال فيه ، وهي التعاليم
والأركان المستندة إلى نصوص قرآنية أو أحاديث نبوية ، وهذه أيضاً غير قابلة للنقاش
أو الأخذ والعطاء فهي بديهيات ومسلمات ربانية ونبويّة ، وفي نظر المسلمين عامّة ،
فإنّ هذه لا تشكّل قيداً يحدّ من حركتهم في الحياة الدنيوية ، كإنسان ، أو في حياة
المجتمعات كمجتمع .
أما في الشقّ الثاني ، وفي الجانب الآخر ، وبعيداً عن تلك البديهيات والمسلمات ، فإنّ للعقل في حياة المسلمين دوراً مؤثراً في مسيرة التغيير الحضاري ، ولـه مساحة فعل واسعة في تسيير شؤون الحياة ، من خلال التجديد المبني على أسس الاجتهاد وشروطه التي أقرّها علماء الأمّة وأجمعوا عليها ، وبالأخصّ فيما يتعلّق بالأمور الدنيوية المستجدة، فطبيعة تكوين المجتمعات ، عادة ، ليست جامدة ، بل حركية ، وهذه الحركية تستوجب التغيير الزماني ، من حيث تطوّر الابتكارات العلمية والإبداعات الفكرية ، على المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ، وكذلك من حيث حقّ الاختيار المكفول .
وبناءً على الشقّ الثاني ، دعا المجدّدون إلى إعادة النظر فيما يتعلّق بهذا الشقّ ، ولكن ، لم تكن هناك على الساحة الإسلاميّة مؤسسات وتنظيمات مهنّية ، موجودة فعلاً وقادرة على القيام بتوفير موجبات التغيير المطروح ، وإعادة النظر في موازين ومتغيّرات هذا الشق، وقد يعود هذا إلى أنّ دولة الخلافة العثمانية ، التي تسلطت على الرقعة الجغرافية الإسلاميّة المترامية الأطراف ، ظهرت فيها بوادر الوهن والضعف والتمزّق السياسي وانحطاط المدنيّة وتخلّفها عن المدنيّة الأوروبية ، وهذا التخلّف لا يعبّر عن ضعف الإسلام أو تخلّفه ، بل إنّه يعبّر عن تقاعس المسلمين وغفلتهم وابتعادهم عن مفاهيم دينهم، التي وضعها الخالق الذي يعلم أين تكمن مصلحة البشر المؤمنين بدينه ، وليس ما يصنعه المخلوق الذي يرى بعقله مصلحة البشر المخلوقين .
وفي ظلّ هذه الظروف
والمعطيات التي تجلّت أيام العثمانيين بدا أنّ المجتمع الإسلامي تمتزج فيه قيم
الإسلام وقيم الجاهلية ، حتّى صار المسلم حينها لا يفرّق بين ما هو إسلامي أصيل
وحقيقي وماهو جاهليّ دخل على الإسلام ، ويصعب تمييزه عن الإسلامي الأصيل ، وكانت
قد استشرت البدع والضلالات وكأنها سنن دينية مفروضة على المسلمين حيث ترسخت في عقول
عامّة المسلمين وتكرّست مع الوقت في غياب المصلحين والمجدّدين ، وكان لابدّ أن
تظهر حركة دينية أو سياسية تشذّب المجتمع المسلم من تلك الضلالات وتطهّره من
الأدران ، وخاصّة من وجهة النظر الصلاحية التجديدية ، التي تبنّاها محمد بن عبد
الوهاب في نجد ، إبان عهد الأمير محمد بن سعود ، حيث ظهر نوع من الأخذ والعطاء ،
من الوحدة والتكامل بين الاتجاه الديني
لمحمد بن عبد الوهاب والاتجاه الدنيوي للأمير محمد بن سعود حتّى وفاته عام
عبد العزيز بن محمد بن سعود من بعده .
كان الأساس الديني في
دعوة محمد بن عبد الوهاب هو العودة بالعقيدة الإسلاميّة إلى أصولها ومنابعها ،
القرآن الكريم والسنّة النبوية ، والعودة إلى ما كان عليه السلف الصالح، الرسول
محمد (ص) والخلفاء الراشدون ، والصحابة الكرام الذين لازموا الرسول محمد (ص) في
حلّه وترحاله ، في قوله وأفعاله ، وخاصّة فيما يتعلّق بالإيمان العقائدي وتنقية
هذه العقيدة مما لحق بها من ضروب من الشرك والضلالات ، خلال عهود من التخلّف
والتحجّر الفكري الذي أصاب المسلمين إبان الخلافة العثمانية ، فالوهابية ، كما
يطلق عليها الآن ، لم تكن مذهباً دينياً جديداً بل هي حركة ودعوة إصلاحية باعثة
ومكمّلة للدعوة التي تبنّاها الحنابلة في مواجهة معتزلة بغداد والجهميين، وما عاناه
الحنابلة من فتنٍ واضطهاد أيام العباسيين ، وعلى الأخصّ بعد وفاة المأمون
عام وهذه الدعوة ، هي أيضاً ، امتدادٌ فكريّ ودينيّ للشيخ ابن تيميّة المتوفى عام
728 ، وهو بدوره استمدّ أفكاره من الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 هجرية ،
وهي بالأساس تدعو إلى تشذيب التوحيد ، مما ألصق بـه من شرك وبدع ترسّخت في المجتمع
الإسلامي ، خصوصاً بعد عام 656 هجرية حيث أغلق باب الاجتهاد بسقوط بغداد ونهاية
الخلافة العباسية على يد هولاكو .
والوهابية ، كما أسلفنا ، لم تكن مذهباً دينيّاً جديداً يتحتّم على البعض إتباع تفسيره وأحكامه ، أي ما يُعرف بالتقليد ، أي ضرورة عند بعض الفقهاء ، وعند البعض الآخر وجوب إتباع أحد المذاهب الأربعة في الإسلام ، الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي ، أو المذهب الخامس عند آخرين ، وهو مذهب الإمام جعفر الصادق ، هذا من وجهة نظر الفقهاء المذهبيين ، أي الذين يلزمون الآخرين بوجوب إتباع مذهب ما . والوهابيون من الذين أوجبوا إتباع المذهب الحنبلي حصراً ، كون هذا المذهب قد جاء متأخراً عن المذاهب الثلاثة الأخرى ، مما جعله – حسب اعتقادهم - أكثر المذاهب نقاءً وصفاءً . فهم يرون أنّ الكثير من الشرك قد تداخل مع عقيدة التوحيد النقيّة ، حتّى أصبحت عند عامّة المسلمين وكأنها سنن وليست بدع ، ومن هذه البدع ما هو مخالف أو مناقض للنصوص القرآنية ، والأحاديث النبوية ، وخصوصاً إدخال بعض الأحاديث النبوية ، والاعتماد عليها حتّى وإن كانت ضعيفة أو موضوعة من قبل الإخباريين والقصاصين الدخيلين على العرب والمسلمين .
فعلى نطاق الأفراد والجماعات استجدت مسائل ووقائع كثيرة جداً ، يحتاج المسلمون إلى معرفة الأحكام الشّرعية فيها باليقين والحجة والدليل ، مستندين إلى مناهل الفقه الإسلامي الصحيح ، كما يراه الوهابيون أنفسهم ، لا كما يراه الآخرون ، بعد أنم تضاربت تلك الأحكام وتناقضت بين المسلمين ، فبرزت الحاجة إلى الإصلاح والتجديد والإجابة على تلك المسائل الشّرعية ، فهم يرون ضرورة العمل على تفعيل الاجتهاد ، وإعادة الحياة إلى هذا الباب المهم المغلق منذ القرن الرابع الهجري .
ومع تولّي عبد العزيز بن محمد بن سعود أمر المملكة ، بدأت حروب محمد بن عبد الوهاب وأتباعه ، ضدّ بني خالد في الأحساء ، ثمّ ما لبث أن اتجه نحو العراق ، وبالذات إلى الأضرحة المقدّسة في كربلاء والنجف ، فعاثوا بها خراباً ، ونهباً للنفائس من المطرزات الذهبية ، وحتّى أنهم قتلوا أيّ إنسان يلاقيهم دون رحمة ، فلم يرحموا طفلاً ولا شيخاً ولا رجلاً ولا امرأة ، وكان ذلك عام 1801م ، حيث أنهم يرون أنّ زيارة تلك الأضرحة أو الصلاة فيها محرّم فقهياً ، وهي من الشرك والإبداع ، ولم يكن ليتمّ لهم ذلك، لولا أنّ الخلافة العثمانية أصبحت تعاني من التفكّك والضعف في تلك الأوقات .
إنّ الدعوة إلى الرجوع
إلى ما كان عليه السلف من التزام واضح بالكتاب والسنّة ، يعني الحركات الإسلاميّة
التي ظهرت في عشرينيات القرن الماضي، ولاقت رواجاً فكرياً إلى حدٍّ ما ، ومن ابرز
هذه الحركات، جماعة الأخوان المسلمين ، التي نشأت عام
” وأعدّوا “ مع كلمات ثلاث هي : حقّ قوّة حريّة . ولم تكن هذه الدعوة السلفيّة
بأيّ حال من الأحوال دعوة مناهضة للتوجّه الصوفي ، كما هو الحال في دعوة الشيخ
محمد بن عبد الوهاب ، فأخذت إضافة إلى فكر وفقه ابن تيميّة في دعوته الأصولية
السلفية ، أخذت عن التوجّه الصوفي ، الاهتمام بالجانب الروحاني ، الذي يدعو إلى
تربية النفس وتهذيبها وتطويعها والسموّ بها فوق الرغبات الماديّة ، متأثراً بما
جاءت بـه دعوة السنوسية حيث تأثر وبنى عليها الشيخ حسن البنا وتأثر بها وبصاحبها
الشيخ الصوفي السنوسي.
إنّ هذه الدّعوة السلفيّة ذات التوجه الصوفي تتّسع لتكون أكثر شمولية وتتسع لكلّ الدعوات والتوجهات في الفكر الإسلامي قديمه وحديثه ، فقد أخذت على عاتقها صفة التجديد والتحديث فتبنت دعوة السيّد محمد رشيد رضا التحديثية العائد بها من المغرب .
وهكذا يبدو أنّ جماعة الأخوان المسلمين حاولت جاهدة أن تعطي عنها انطباعاً لدى الجمهور ، أنها حركة أو جماعة تتناغم مع كلّ الاتجاهات والتيارات التي تسود المجتمع الإسلامي ، وتؤطر للجميع ضمن إطار واحد هو إطار الجماعة من حيث التيار الذي يريد العودة إلى الأصول وإلى المنابع التي ينهل منها مريدو هذا التيار من القرآن الكريم والسنّة النبوية كما يفهمها السلف الصالح ، في عهود الإسلام الأولى ، والتيار الذي يجنح نحو الروحانيات وتهذيب الروح وتربية النفس بالأذكار والأدعية والقراءات الروحانية ، هذا التيار الذي لو كان مستقلاً وخارجاً عن إطار الجماعة لبدا مناقضاً للتيار الأصولي ، ولكنه في إطار الجماعة يبدو أنّه متناغم مع التيار الثاني ، ولو أنّ أحداً من ما من المجتمع الإسلامي أراد أن يقول بأنّ التيار الأصولي قد لا يفي بمتطلبات العصر الراهن، وأنّه بحاجة إلى إجابات على أسئلة العصر ، وآخر يقول بأنّ الحياة لا تستقيم ولا تستمر فقط مع الروحانيات والأدعية والأذكار ، فإنّ الجماعة ستجيب على المتساءلين بأنهم يؤمنون بالتجديد وأنهم قد نهلوا مما جاء بـه السيّد محمد رشيد رضا العائد من الغرب ، بما تعنيه من نظرة نحو العصر وما وصل إليه الغرب من تطور علمي وانفتاح في الثقافات والآداب .
ولكن هل نجحت الجماعة في إقناع الآخرين بسلامة الخط السياسي مثلما نجحت في امتناع الآخرين بسلامة التوجه الفكري ؟
إنّ الإجابة على هذا السؤال تستوجب استعراضاً تاريخياً لمسيرة الجماعة والمواقف التي اتخذتها طوال تاريخها إن كان مواقف في القول أو العمل .
نترك ذلك للزمن الآتي .








