مـــركـــز بـغـــداد للدراســـات والاستـــشـــارات
مدونة مركز بغداد للدراسات والاخبار والتقارير والوثائق التي تتعلق بالشأن العراقي وتقديم الاستشارات لمن يطلبها
الاقتتال الاهلي لماذا نراه قريبا

 

 

الاقتتال الأهلي لماذا نراه قريبا

رؤية من الداخل

 

رائد الحامد

باختصار شديد يمكن توصيف أهمّ إفرازات الحالة العراقيّة الراهنة ومعالمها منذ الأيام الأولى للاحتلال وحتى نهاية عام 2005 بما يلي :

هناك صراع حقيقي بين مشروعين ، المشروع العربي الإسلامي والمشروع الصهيوني الشعوبي ، يواصل المشروع الأول صراعه من أجل البقاء والحفاظ على دوره ووجوده ، ووجود المؤمنين بـه وقيمهم ومبادئهم وتطلعاتهم في مستقبل واعد يضمن لأبناء الأمة العربيّة والأجيال اللاحقة حياة حرة كريمة في إطار نهضة حضارية فكرية وعلمية تؤمّن لهم دوراً فاعلاً ومؤثراً في المحيطين الإقليمي والدولي وفي عموم الحضارة الإنسانيّة .

يستمر المشروع العربي الإسلامي في دفاعه عن وجوده أملاً في إحداث انقلاب جذري يتحوّل من خلاله إلى موقف هجومي يؤهله لنشر قيمه ومبادئه في أنحاء أخرى من العالم ، على اعتبار أنّ المؤمنين بـه هم حملة رسالة ربانية ارتضاها الله سبحانه وتعالى للناس كافة .

في المقابل ، يسعى المشروع الصهيوني الشعوبي للانقضاض على المشروع العربي الإسلامي ومسخ قيمه ومبادئه ، ونهب موارد أبنائه وثرواتهم ، وطمس هويتهم الثقافية ، وإعادة صياغة عقولهم وفق ما يتلاءم مع سمات مشروعهم بما يمثله من إرادة طامعة تحاول فرض رؤاها وتطلعاتها في إعادة رسم الجغرافية السياسية كما يريد المحافظون الجدد لأن تكون عليه صورة العراق مستقبلاً كنقطة انطلاق نحو باقي بلدان منطقة الشرق الأوسط الكبير ، ومن ثمّ أمركة العالم وعولمته على أسس مشروع القرن الأمريكي الجديد بمداه الزمني المحدد لنصف القرن الحالي على الركائز التي كرسها انهيار الاتحاد السوفييتي ، وما نجم عنه من طغيان سياسة القطب الواحد بما تعنيه من هيمنة عسكرية واقتصادية وسياسية ، وفرض نمط العيش الأمريكي على العالم بتفاصيله وجزئياته اليومية لإعادة تشكيل العالم بالإلغاء التام للكيانات الحالية (أي الدول) ، واستبدالها بشكل من أشكال الحكم الذي يعتمد على سلطة الشركات متعددة الجنسيات كحكومات بديلة ، أي خلق حكومات اللادول.

إنّ هزيمة المشروع الصهيوني الشعوبي في العراق لا يعني المقاومة العراقيّة والشعب العراقي وحدهما ، بل هي مسؤولية كلّ المؤمنين بالمشروع الحضاري العربي الإسلامي المستهدف ، ويمكن أن تكون شعوب أوروبا الرافضة للأمركة والعولمة والتجارة الحرة وغيرها معنية هي الأخرى ، فهذه الشعوب وبعد عامين ونصف على احتلال العراق أدركت أنّها مستهدفة كمرحلة لاحقة تعقب نجاح مشروع الاحتلال في العراق ، وأنّ حفاظها على حريتها وسيادتها وخصوصيتها الثقافية ومصالحها الحيوية رهن بهزيمة هذا المشروع ، وهذه الرؤية قد تغري مستقبلا دولا أوربية من أبرزها فرنسا وألمانيا وروسيا والصين إلى دعم المقاومة العراقية ، إذا أحسنت هذه الأخيرة العمل وفق برنامج وطني حذر يجنبها أية شبهات إرهابية ، والعمل وفق نهج قادر على حمايتها من مخاطر تشويه صورتها أمام الرأي العام المحلي والعالمي ، وكذلك إذا أحسنت المقاومة العراقية استثمار الأوضاع الدولية والأجواء الشعبية الأوربية الراهنة.

في دائرة أخرى من دوائر الصراع هناك ما يؤشر إلى وجود صراع فكري بين طرفين آخرين ، الفكر السلفي من جهة ، كجزء من فكر أهل السنَّة والجماعة الذي هو أحد مكوّنات المشروع العربي الإسلامي ، فيما تم تحييد معظم العرب الشيعة وإخراجهم من المعادلة ، وبين الفكر الصفوي من جهة أخرى ، كجزء من مكوّنات المشروع الصهيوني الشعوبي ، ولهذا يصحّ القول أنّ هناك مشروعاً صهيونياً شعوبيا ً يدير جميع الصراعات الموجودة الآن في المنطقة ، والتي اتخذت من العراق ساحة لتصفية حساباتها وحسم صراعاتها .

عودة إلى عقدين مضيا ، إذ بعد أن انتفت الحاجة إلى استغلال الفكر السلفي الجهادي ، كما رأت الإدارة الأمريكيّة لا كما هي حقيقته ، إذ التقت أهدافهما معا لهزيمة قوات الاحتلال السوفييتي في أفغانستان كإحدى ضرورات الحرب الباردة آنذاك ومتطلباتها ، فإنّ أول من دشّن الحرب على الفكر السلفي هم إدارة المشروع الصهيوني وفق ما أعلن أمريكياً بالحرب على الإرهاب في أعقاب الحادي عشر من أيلول ، وكذلك الذين كانوا أداة مسهِّلة لذلك الاستغلال وممولة لـه مادياً ، وداعمة إياه لوجستياً من خلال توظيف صيغ الخطاب الديني الإسلامي وبالأخص ما يتعلّق منه بالجهاد .  والآن لا يمكن إلاّ لمن أراد أن ينقل ماء البحر بعود ثقاب أن ينكر وجود صراع فكري بين الفكر السلفي والفكر الصفوي كما أشرنا ، وأنّ كلاً منهما يحاول علنا استئصال الآخر على أرض العراق ، فمنذ الأيام الأولى لفوز قائمة الائتلاف العراقي في انتخابات الجمعيّة الوطنية الانتقالية في 30/1/2005 ، كان العراقيّون ينظرون إلى هذه النتيجة بمثابة اعتراف رسمي بالاحتلال الإيراني للعراق ، وأنّ هذه النتيجة أيضاً هي من إفرازات واقع الاحتلال الإيراني الفعلي منذ 9/4 ، والتدخل والنفوذ السري الإيراني في العراق الذي سبق هذا التاريخ.

بعد إعلان نتائج انتخابات 30/1/2005 بثلاثة أشهر تمّ تشكيل حكومة انتقالية مؤقتة بمهام محددة أبرزها وأخطرها على العراق كتابة الدستور الدائم ، والذي تمّ الاستفتاء عليه في الخامس عشر من تشرين الأول 2005 ، وتمّ إقراره من الجمعيّة الوطنية كخطوة تهيئ للانتخابات المقبلة وفق المحددات الزمنية التي وردت في قانون إدارة الدولة الانتقالية ، ومنذ الحروف الأولى التي وردت في ديباجة الدستور يمكن التدليل على صياغات تبتعد عن التعبير الحقيقي عن المكون الكلي للعراقيين بل يمكن أن يكون دستوراً بصياغة تلبي حاجة مكون مذهبي دون آخر أو عرقي دون آخر ، حيث ترى نسبة من العراقيين أن هذا الدستور يؤسس لعراق متعدد الفيدراليات كخطوة نحو تقسيمه إلى دويلات ، وتعد هذه الرؤية كافية لدفع بعض الذين لا يجدون بدّاً من الدخول في قتال مع أبناء الوطن الواحد حفاظاً على وحدة وطنهم كما يرون ، فيما يرى المؤمنون بالفيدرالية بأنها حق من حقوقهم القومية وهم مستعدون أيضاً للقتال دفاعاً عن هذا الحق وفق رؤيتهم ، وفي الجانب الآخر يرى بعض العراقيين أن الدستور تمت مذهبته على الشكل الذي لا يعكس طموحات كل مكونات المجتمع العراقي ، بل أنه جعل مسألة الحصول على المواطنة العراقية أمراً لا شبيه له في دول العالم الأخرى ، مما يسهل لبعض الإرادات الخارجية الطامعة العبث في تكوين المجتمع العراقي وما يشكله من خطر جسيم على المدى البعيد ، إضافة إلى تعمد الدستور في إلغاء هوية العراق الوطنية العربية الإسلامية المثبتة تاريخياً ، وتعد مسألة الهوية والحفاظ عليها مبرراً كافياً للكثير من العراقيين للقتال دفاعاً عنها حتى مع أبناء وطنهم ، لكن لم يحن الوقت الآن حسب رؤيتهم ، إذ أن هناك الكثير من العوامل التي تؤجل أمراً كهذا ، من أهمها عدم حسم موضوع الاحتلال ومستقبله في العراق ، وكذلك عدم التأكد من حقيقة الدستور ونواياه وما يضمره ، كما انه لم يتم العمل به حتى الآن ، وقد تجرى عليه تعديلات في الجمعية القادمة لكنها لن تكون جوهرية ، إلا أنها قد ترضي بعض الأطراف الطامحة سياسيا والتي رأت في نفسها ممثلة لنسبة من العراقيين وان لم يخولهم احد بهذا ، مما يعني إن هذا الدستور قد لا يكتب له النجاح ووضعه موضع التنفيذ مستقبلا رغم استفتاء الأغلبية من العراقيين عليه وإقراره من الجمعية الوطنية الانتقالية ، ويبقى العامل الأهم أن مسألة ضياع الهوية لم تتبلور يقيناً في عقول العراقيين بعد ، كما أنها لم تتجسد عملياً حتى الآن رغم أن خطوات مهمة على الصعيد الفكري تبدو واضحةً جداً. 

كان واضحاً أنّ زعماء قائمة الائتلاف يعيشون في سباق مع الزمن لاستغلال كلّ دقيقة من الزمن المتاح لهم لتصفية الحسابات مع من تراهما عدوّين يشكّل بقاؤهما تهديداً لوجودهم ومستقبل مشروعهم ، أولهما الفكر القومي العربي وكل ما يمت إليه بصلة ، أمّا الخطوة الأخرى التي تنسجم مع النهج المشار إليه فهي الاستمرار في عملية  استئصال البعث ، ليس كأفراد وإنّما كفكر يستتر خلفه استهداف الفكر القومي العربي عموماً كذريعة تسوّغ لها تجريم أيّ اعتقاد أو إيمان فكري قومي عربي ما خلا الفكر الشعوبي الذي يراد لـه أن يسود خلال السنوات القادمة ، وفق بنود المشروع الشعوبي الكاره لكلّ ما هو عربي إسلامي ، وقد يكون صحيحاً ما أشيع عن إطلاق قوات الاحتلال يد أقطاب المشروع الشعوبي لجعل جانب الرصافة من مدينة بغداد شيعياً مغلقاً كمرحلة تمهد لجعله فارسياً صفوياً في مراحل لاحقة .

وما يزيل الشك حول ما يشاع ، قيام الأجهزة الأمنية العراقيّة بمضايقة العرب السنَّة لدفعهم إلى الهجرة من الرصافة ، وكذلك عمليات التهجير القسري التي نفذتها تلك الأجهزة ضدّ الفلسطينيّين المقيمين في العراق منذ عام 1948 وخصوصا في حي البلديات ، وهؤلاء يمثلون الطرف الأضعف ضمن المكوّن المستهدف ، إضافة إلى ما يجري الآن في مناطق أور والعبيدي والمشتل والشعب وغيرها من مناطق جانب الرصافة ببغداد.

أمّا العدو الثاني للفكر الصفوي فهو الفكر السلفي بما يتم وصفه بالوهابي والتكفيري والمرواني والسفياني والإجرامي وغيرها من الصفات التي يوصف بها كمبرّر للسعي على طريق القضاء عليه وعلى المؤمنين بـه ، أي العرب السنَّة تحديداً ، وهذا لا يعني بالضرورة أن كل من هو عربي سنّي هو وهابي ، وقد أجاد المؤمنون بالفكر الصفوي الدور حين أطلقوا تلك الصفات تحاشياً لردة فعل العرب الشيعة فيما لو اقتنعوا بحقيقة استهداف العرب السنَّة بالإبادة من قبل أركان المؤمنين بالفكر المذكور وزعاماته وأتباعه ، وهو استهداف يرفضه العرب الشيعة ، كما يرفض العرب السنَّة استهداف العرب الشيعة من قبل جماعات مسلحة تنتسب إلى الفكر السلفي ، وفي الوقت الذي يطلق فيه أقطاب الفكر الصفوي صفة التكفير على المؤمنين بالفكر السلفي الذي كفرهم ، فإنّهم بذلك يكونون قد مارسوا ذات الفعل الذي يرون فيه جواز محاربة الآخر الذي كفّرهم ، وفق مبدأ التكفير والتكفير المضاد السائد الآن .

وفي الواقع العراقي الراهن فإنّ أتباع الطرف الآخر ، أي الفكر السلفي الذين هم خارج السلطة الآن ، يرون استهدافاً معلناً لهم من قوات الاحتلال ومن معهم من الممسكين بزمام السلطة وأجهزتها الأمنية ، إذ لا يكاد يمرّ يوم دون أن تصدر تصريحات أو بيانات تدعو لاستئصال الفكر السلفي والقضاء على الوهابيين الضلاليين التكفيريين الإجراميين وغيرها من النعوت ، ويصح هذا أيضا على بعض المتشددين من زعامات الفكر السلفي التي تصدر تصريحات وبيانات مماثلة تدعو لاستئصال الفكر الصفوي ، ووصل الأمر إلى استهداف عموم الشيعة وبضمنهم العرب الشيعة ، وفي ضوء هذا ، وتماشياً مع الرغبة الصهيونية والشعوبية المشتركة تمّ استدراج تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين إلى ساحة الصراع الفكري هذه ، أو أنّ تنظيم القاعدة نفسه وجد في العراق ساحة مهيأة لتحويل الصراع الفكري الذي يؤمن به من الإطار النظري إلى العملي .

لقد اتخذ طرفا المشروع الصهيوني والشعوبي نهجاً يؤكّد على الأرضية الفكرية وعلى القواسم المشتركة بينهما ، بل على أوجه الشبه والتطابق إلى الحد الذي يصعب التمييز بينهما بسهولة ، ومن أبرز ملامح هذا النهج المشترك معلمان ، أحدهما الاستماتة في الدفاع عن الجذور الفكرية التي تحكم سلوكهما بما فيها من أوجه تقارب متعددة ، وأصول تكاد تغطي نسبة لا يستهان بها مما هو مشترك بينهما ، وثانيهما ذات النهج المتبع في العمل على استئصال الآخر ،  طالما أن هذا الآخر يشكل خطرا على وجود أي منهما ، وبذلك تكون دفة الشراع في العراق الآن موجهة من طرف الصراع الصهيوني الشعوبي معاً من جهة ، ومن طرف المشروع العربي الإسلامي من جهة أخرى ، وكلا الطرفين يستتر خلف واجهات فكرية ثقافية دينية أو سياسية ، وقد نجحت زعامات الفكر الصفوي في عملية الخلط بين تنظيم قاعدة الجهاد وبين العراقييّن العرب من أهل السنَّة والجماعة باسم السلفية ، وفي نفس الوقت نجح تنظيم قاعدة الجهاد في الخلط بين الفكر الصفوي وبين العراقييّن العرب من أتباع ومقلدي مذهب الإمام جعفر الصادق.

بعيداً عن الاحتمالات الواردة لإشعال فتيل اقتتال أهلي كردي عربي يتعلّق بالخلافات حول كردية كركوك أو عروبتها أو كونها تركمانية ، أو حول اقتسام ثرواتها النفطية ، أو حول الفيدرالية الكرديّة ومسألة الانفصال عن العراق ، أو غير ذلك من الأسباب التي قد تجعل من هذا الاقتتال احتمالاً قابلاً للتفجّر في أيّة لحظة ، فإنّ هناك احتمالات واردة لاقتتال مذهبي هو الأقرب للتحقق تسعى إليه قوى عراقية سنية وشيعية ترتبط بدول ودوائر خارجية ، ولم تكن هذه القوى تتصرّف بعقلانية ووعي يكفل تجنيب العراق هذا الشكل من الاقتتال أو ذاك.

لم يكن العراقيون يوماً أقل من أبناء وطن واحد لا يرون فيه ما يؤشر إلى وجود فوارق أو تمييز بينهم على أساس عرقي أو مذهبي ، بل يمكن القول أنّ الفكر المذهبي لم يكن لـه في تاريخ الدولة العراقيّة وجوداً مؤثراً في فكر العراقييّن وسلوكهم أو قدرة على خلق الاقتتال وتفجره ، إلاّ أنّ ما بات يطفو على السطح الآن من نعرات يريد طرف ما أو آخر إثارتها بهدف تأجيجها لم تكن بدوافع عراقية صرفة ، بل هي تنفيذاً لإرادات خارجية لها أطماعها وأهدافها ، وهي ترى صعوبة تحقيقها إلاّ من خلال تقسيم العراق وتفتيته ، ولا يمكن أن يتمّ لها هذا إلاّ من خلال خلق شكل من أشكال الاقتتال الأهلي العرقي أو المذهبي أو حتى السياسي أو القبلي ، وعند ذلك فإنّ أطرافاً ومنظمات عربيّة وإقليمية ودولية ترى أنّ حقن الدماء لن يتمّ إلاّ عن طريق العزل بين المكونات العراقيّة في دويلات أو فيدراليات مبنية على أسس عرقية أو مذهبية أو غيرها ، وسيكون ذلك مقبولاً لدى غالبية العراقييّن الطامحين إلى الأمن وحقن الدماء بعيداً عن الأولويات الوطنية المهمة في إنهاء الاحتلال ، وبذلك تكون إدارة المشروع الصهيوني الأم قد نجحت في اجتياز العقبة الأولى والاهم أمام مشروعها في شرق أوسط كبير يمهد لعولمة العالم وأمركته وفق رؤية وأهداف المحافظين الجدد .

على الرغم من تباين وجهات نظر العراقيين حول ماهية نظام صدام حسين ، وما آل إليه هذا النظام وزعيمه ، وعلى الرغم مما جرى خلال عقود حكمه وحقيقية ممارساته والكيفية التي تم توظيفها إعلامياً ، وعلى الرغم من علاقة زعيم النظام وأسلوب تعاطيه مع الجانبين الأساسيين الآن في حياة العراقيين ومستقبلهم ، وهما الجانب العرقي والجانب المذهبي ، على الرغم من كل ذلك تبقى مسألة محاكمة صدام حسين حدثاً على علاقة مهمة بمستقبل العراق واحتمالات تفجر الاقتتال الأهلي ، فهذه المحاكمة ومن خلال تشكيلة هيئة القضاء التي يرأسها قاضٍ كردي بغض النظر عن نزاهته واستقلاليته من عدمهما ، وهيئة الإدعاء العام التي يرأسها قاض شيعي يقال أنه مسيس ، وهيئة الدفاع التي يرأسها عربي سني إضافة إلى آخرين من جنسيات عربية وجنسيات أخرى ، فمن خلال تركيبة هذه الهيئات وانتماءاتهم ، ينظر إليها العرب السنَّة بأنها محاكمة لمكونهم أو أن الأكراد والشيعة معاً أردوا لها أن تكون كذلك ، وأن تكون أيضاً محاكمة لحقبة زمنية تميزت باضطهاد العرب السنَّة للأكراد والشيعة معاً ، لذلك فإن العرب السنَّة لا ترضيهم أن تتم محاكمتهم على أساس لا يرون فيه أكثر من ذريعة لإقصائهم عن السلطة وعن المشاركة في صياغة مستقبل وطنهم.

إن العرب السنَّة ينظرون إلى أمر المشاركة تلك بأنه ليس لرغبة من الأكراد والشيعة وحسن نيتهما ، بل أنه ليس أكثر من استجابة لرؤيتهما بأن نجاح مشروعهما لن يتم إلا باستقرار العراق ، وهذا لن يتم إلا بتوقف الأعمال المسلحة ، وهذا لن يتم إلا بانخراط العرب السنَّة في العملية السياسية ، وما تقدمه هذه العملية من مغريات لبعض الوجوه النافذة في المجتمع العربي السني مما يعني دعم هذه الوجوه والشخصيات باتجاه الضغط على عموم العرب السنَّة لحرمان المقاومة العراقية من الحاضن الشعبي والبيئة الآمنة لنشاطاتها واستمرار توفير الدعم العملياتي لفصائلها ، مما يعني إضعافها ومن ثم إخمادها ، وبالتالي تمكن الأكراد من تحقيق أهدافهم في إقامة الدولة الكردية المستقلة ، وتمكن الشيعة أو على الأقل الزعامات الدينية والسياسية من تحقيق أهدافها في الإمساك بالسلطة بعد قرون من الظلم والاضطهاد كما يرون ، وإقامة فيدرالية الوسط والجنوب على اعتبار أن هاتين المنطقتين هما مصدر ثروات العراق الرئيسية وموارده النفطية.

 

من الأمور المهمة ذات الصلة بتفجر الأوضاع ، تناقض النظرة نحو ما يجري من أعمال مسلحة ، ففي الوقت الذي تصر فيه الزعامات الكردية والشيعية وبعض الزعامات العربية السنية على أن كل ما يجري من عمل مسلح في العراق هو إرهاب ، وان لا وجود لشيء أسمه مقاومة ، وهم ينطلقون في هذا من عدم اعترافهم بوجود احتلال في العراق ، وعلى الرغم من اعتراف الرئيس الأمريكي بالاحتلال والمقاومة معاً ، إلا إن اغلب القوى السياسية والدينية العربية السنية تنظر إلى الأعمال المسلحة التي تستهدف الوجود الأجنبي بأنها مقاومة ، أما ما يستهدف القوات العراقية فهو إرهاب وكذلك العمليات التي يسقط فيها مدنيون ، وهناك فئة قليلة من قوى العرب السنَّة ترى بأن الحكومة العراقية وكل المؤسسات غير الخدمية الملحقة بأنها جزء من الاحتلال ، وأن مهماتها ذات صلة بالدعم اللوجستي لقوات الاحتلال لذا يكون استهدافها مشروعاً.

معروف لدى الجميع وباعتراف الإدارة الأمريكية ذاتها ، بأن العراق بات ساحة وملعباً مفتوحاً لقوى ومنظمات إقليمية ودولية ، فمن القوى الأصولية السلفية المتشددة الوافدة إلى القوى المسلحة التابعة لإيران إلى وكالة المخابرات المركزية والموساد والأجهزة المخابراتية العربية وغير العربية ، كل هذه القوى تجد في العراق ساحة مثلى لتصفية حساباتها وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي أعلنت العراق ساحة للحرب على الإرهاب وحسم الصراع بينها وبين القوى الإرهابية ، وقد نجحت في الخلط بين المقاومة والإرهاب في أوساط الرأي العام العراقي والعالمي ، وقد سجلت وسائل الإعلام العالمية حوادث لجنود بريطانيين وأمريكيين ، وأعلنت الحكومة العراقية عن إلقاء القبض على أجانب من جنسيات عربية وغير عربية يقومون بتنفيذ عمليات ضد المدنيين بهدف تشويه صورة المقاومة العراقية وبالتالي خلق فجوة بينها وبين المواطن العراقي وتعزيز ذلك إلى حالة رفض شعبي لها ولأعمالها ، ومن أهم الأسماء المعروفة عراقياً فرقة الفئران القارضة وسرايا حراس الحرية وغيرهما ، ومع ذلك تصور الزعامات الكردية والشيعية كل الأعمال المسلحة بأنها من فعل الإرهابيين ( كناية عن المقاومة ) ويتهم العرب السنَّة عموماً برعاية الإرهابيين وتوفير الدعم والملاذ الآمن لهم ، مما أعطى الذريعة لقوات الاحتلال بشن حملات عسكرية متتالية على المدن العربية السنية وبالأخص في الفلوجة والرمادي والقائم وسامراء والموصل وبعض مدن صلاح الدين وديالى ، وما أدت إليه هذه الحملات من تدمير لآلاف المساكن ووقوع ضحايا بين المدنيين بلغت عشرات الآلاف ، ويرى العرب السنَّة أيضا ، إن هذه الحملات شكل من أشكال القصاص المنظم منهم ، وإنها جاءت على خلفية معلومات مظلِّلة مقدمة من الأجهزة الحكومية التي يهيمن عليها الأكراد والشيعة ، وأن هذه الحملات لم يكن دافعها الحقيقي القضاء على الإرهاب كهدف معلن ، بل إنها تندرج في إطار استهدافهم عرقياً كعرب ومذهبياً كسنة ، وما يعزز لديهم هذه النظرة مشاركة قوات الحرس الوطني للقوات الأمريكية في ممارساتها ضد المواطنين في تلك المدن من قتل عشوائي واعتقالات وإهانات وانتهاكات أخرى ، والحرس الوطني يضم في بنيته الأساسية عناصر تنتمي إلى المذهب الشيعي ضمن فيلق بدر المعروف بنشأته في إيران ، والذي لازال الكثير من العراقيين حتى من الشيعة يرون فيه شبهات تدور حول استمرار ولائه لإيران ، وتضم قوات الحرس الوطني كذلك عناصر البيشمركة وهم من الأكراد.

إن من نتائج تلك الممارسات والاعتقالات ، إن الكثير من المعتقلين يتم نقلهم إلى أكثر من أربعة عشر سجناً أمريكياً في العراق وأهمها أبو غريب وبوكا ، وما تقوم به هذه القوات من تعذيب للمعتقلين الذين هم في غالبيتهم المطلقة من العرب السنَّة المتهمون بالإرهاب ، والذين لم تثبت التهمة إلا على نسبة قليلة منهم ، وعادة ما يتم إطلاق سراحهم بعد سنة أو أقل ، وقد تجاوز عددهم ثلاثمئة ألف معتقل وإن أغلب الذين أطلق سراحهم تحدثوا عن دور المعلومات أو الترجمة الخاطئة عن قصد التي يقدمها المترجمون المرتبطون بجهات سياسية عرقية أو مذهبية ، أما المعتقلون الآخرون الذين يتم نقلهم إلى السجون العراقية فتتم ممارسة أساليب تعذيب مبتكرة ضدهم ، وإن الكثير منهم يموتون تحت التعذيب ، كما أن الأجهزة الأمنية تقوم باعتقالات مستمرة لمواطنين عرب سنة وأحياناً عدة أشخاص من عائلة واحدة يتم العثور عليهم مقتولين بعد ساعات أو أيام وقد بانت على أجسادهم آثار التعذيب والتمثيل بجثثهم وتقطيع أجسادهم ، وقد اعترفت قوات الاحتلال بوجود مثل هذه الممارسات التي تتم بعلم شخصي من وزير الداخلية مما أرغم السفير الأمريكي زلماي زاد على استدعاء الوزير العراقي وكذلك فعل نائب الرئيس الأمريكي خلال زيارته إلى العراق  أواخر العام الماضي ، وهذا ما جعل العرب السنَّة يعتقدون أن ما يتم ممارسته ضدهم يأتي في إطار استهدافهم من الأمريكان والحكومة العراقية معاً ، وهو ما خلق حالة من انعدام الثقة في حسن نوايا مكون عراقي تجاه مكون آخر ، وهو شرخ كبير في بنية المجتمع العراقي يهدد وحدته وينذر باحتمالات واقعية لاقتتال أهلي على أساس مذهبي ، وإن كان بين الفصائل السياسية أو الحركات الدينية بادئ الأمر ، إلا أن واقعاً كهذا قد يتطور إلى اقتتال أهلي يعتمد أسس الهوية والانتماء.

في أبجديات السياسة والتاريخ هناك معادلة تقول هناك احتلال هناك مقاومة إذ ليس لشعب يرتضي لنفسه أن يكون واقعاً تحت الاحتلال ولا تقوم نسبة منه بفعل مقاوم لهذا الاحتلال ، غير أن الزعامات الدينية والسياسية الكردية والشيعية وبعض الزعامات السنية لا ترى في القوات العسكرية في العراق بأنها قوات احتلال ، وعلى ما يبدو فإن هذه الزعامات تمكنت من التأثير في الرأي العام العراقي وخلق رؤية جديدة تتفق مع نظرتهم لتلك القوات الأجنبية.

تنعكس نظرة المواطن العراقي عموماً إلى القوات الأجنبية على نظرته لمسألة المقاومة ، فالمواطن العراقي الكردي أو الشيعي كما سبق وأشرنا ، ينظر إلى الأعمال المسلحة التي تجري في العراق بأنها أعمال إرهابية ، وهذا ينعكس على نظرة ذات المواطن إلى رغبته في أن يرى نهاية قريبة للمجاميع المسلحة سواء كانت مجاميع مقاومة أو مجاميع إرهابية وكل حسب رؤيته.

هناك في الواقع العراقي وجهتي نظر متناقضتين ، وهذا لا ينفي وجود تداخل بين وجهتي النظر حسب رؤية المكونات العراقية ، يرى المواطن العراقي  الكردي وكذلك العربي الشيعي أن خروج القوات الأجنبية عبر هزيمة عسكرية يلحقها بها الإرهابيون (المقاومة العراقية المسلحة) معناه عودة لاضطهاد العرب السنَّة لهم ، ثم عودة للبعث إن لم تكن عودة لنظام صدام حسين أو الصداميين على الأقل ، وهذه العودة قد تتحقق حتى في حال انسحاب القوات الأجنبية قبل أن يكتمل بناء الجيش والشرطة العراقية وتمكنهما من الإمساك بزمام الأمور تحت سلطة شيعية أو كردية من اجل السيطرة الأمنية على الوضع الداخلي العراقي ، دون التفكير بقدرة هذه القوات على حماية وحدة التراب الوطني والسيادة العراقية من التهديدات الخارجية لدول الجوار العربي أو الإقليمي ، فالمهم هو هزيمة الإرهاب (المقاومة العراقية مضافاً إليها الجماعات السلفية التي تكفر الشيعة) ، على الرغم من أن الإدارة الأمريكية قد اعترفت بوجود مجاميع مسلحة تنطبق عليها صفة المقاومة ، ويأتي هذا الاعتراف من خلال ما أعلن عن مفاوضات بين المسلحين وأطراف أمريكية مسؤولة عبر وسطاء عراقيين وعرب وأجانب ، أو مباشرة بحضور رؤوساء بعض العشائر العربية السنية غرب العراق ، وآخرها ما تم الإعلان عن فشلها في كانون الأول من العام الماضي.

وفي المقابل ، فإن نسبة لا بأس بها من العرب السنَّة ترى أن هناك تعمداً في تهميش دورها ، وغيابها عن المشاركة السياسية الفاعلة أو تغييبها دفعها لحمل السلاح عند البعض ، ووجوب مقاومة الاحتلال عند البعض الآخر ، إضافة إلى أن بينهم من هذه النسبة من يمتلك طموحاً في العودة إلى السلطة وخاصة البعثيين أو دفاعاً عن النفس من استهداف قوى أخرى لهم ضمن إطار قانون اجتثاث البعث واستئصاله فكراً وأفراداً ، وبين هؤلاء من يحمل مشروعاً فكرياً قومياً عربياً يدافع عنه ضد ما يراه هجمة شعوبية فارسية تقف وراءها إيران وقوى عراقية مرتبطة بها تستهدفهم إضافة إلى كل ما هو قومي عربي ، وتشترك هذه النسبة من العرب السنَّة مع آخرين من نفس المكون ترى في القوات العراقية قوات عرقية ومذهبية تستهدفهم عرقيا كعرب ومذهبيا كسنّة ، وهؤلاء يرون أنهم يدفعون ثمن اشتراكهم في الانتماءين العرقي والمذهبي مع صدام حسين ، ويستدلون على هذا الاستهداف من الممارسات والشعارات التي يتم ترديدها عقب قيام هذه القوات باجتياح المدن العربية السنية بمساندة من القوات الأجنبية ، إضافة إلى ما يتم إعلانه إعلامياً على لسان المسؤولين في الحكومة العراقية من برامج مكافحة الإرهاب ومكافحة الإرهابيين والصداميين والتكفيريين ، وهم يرون أن هذه البرامج تستهدفهم مباشرة تحت ستار ذرائع المكافحة تلك ، وهم بذلك يدفعون ثمنا مبنيا على أساس باطل ، إذ ليس من بين أركان النظام المطلوبين لقوات الاحتلال على قائمة الخمسة والخمسين سوى ستة فقط من العرب السنة ، وبينهم خمسة وثلاثين شيعيا وعشرة من عائلة صدام حسين وأربعة آخرين بينهم ثلاثة أكراد ومسيحي واحد.

إن نسبة مهمة من العرب السنَّة لا تؤمن بشرعية العملية السياسية بما فيها الانتخابات الأولى ، وهي تنظر إلى الدستور بأنه قد تمت صياغته بشكل يكرس المحاصصات العرقية والمذهبية ، كما أنه لا يلبي طموحاتهم وحقوقهم في الشراكة بالعراق ، ويرون فيه دستوراً يؤسس لتقسيم العراق إلى فيدراليات ، ومن ثم تفتيته إلى دويلات ضعيفة غير قادرة على حماية نفسها من الأطماع الإقليمية والأخرى ، وستكون بؤرا للتآمر على دول الجوار العربي التي يرون فيها امتداد حيوي لانتمائهم ، كما يرون في الدستور تضييعا لهوية العراق العربية الإسلامية وتخريبا لبنية المجتمع العراقي بأغلبيته العربية ، وخاصة خشيتهم من عواقب المادة التي تحكم ضوابط منح الجنسية العراقية ، وهي المادة التي تسهل تغيير البنية الديموغرافية للمجتمع العراقي ، وما يصح على الانتخابات الأولى يصح على الانتخابات التي جرت مؤخراً ، وعموماً فإن هذه النسبة من العرب السنَّة ترى في كل ذلك  مجتمعاً ، وفي الوجود الأجنبي الذي ينظرون إليه بأنه وجود احتلالي ، وأن القوات الأجنبية لا تحمل إلا صفة واحدة وهي صفة قوات الاحتلال ، ترى إن الواجب الوطني والديني والإنساني يفرض عليهم مقاتلة هذه القوات ومقاومتها بالسلاح كحق مشروع للشعوب الواقعة تحت الاحتلال.

وعلى العكس من المكونات الأخرى يتميز العرب السنَّة بعدم وجود إجماع لديهم حول العملية السياسية والمقاومة والإرهاب والاحتلال وغيرها ، إذ أن النسبة من العرب السنَّة التي تنظر إلى هذه المسائل وفق ما تم توضيحه لا تشكل الأكثرية منهم ، على الرغم من نجاح قوى عراقية وأمريكية في إقناع الرأي العام العراقي بأن المقاومة هي مسؤولية العرب السنَّة دون غيرهم وإنها شأن عربي سنّي ، يضاف إلى ذلك نجاح ذات القوى في جعل ما تبقى من العرب السنَّة يتخلون عن خيار المقاومة المسلحة من خلال الدعم المالي المقدم لهم ، ومن خلال الوعود بمشاركة سياسية مقبلة لشخصيات دينية وسياسية وعشائرية عربية سنيّة مقابل الانخراط في العملية السياسية ، وهي ذات العملية التي تمت مقاطعتها من قبلهم سابقاً كونها تجري في ظل الاحتلال ، وتأتي أهمية المشاركة بالعملية السياسية من خلال إعراب أكثر من مسؤول أمريكي عن ترحيبه بدخول العرب السنَّة في الانتخابات وتصويره الأمر بأنه انتصار للديمقراطية على الإرهاب ، أي انتصار مشروع الاحتلال على القوى المقاومة له.

09/11/2005




أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
مربع اشتراك لصفحتك على الويب مجموعات Google اشتراك في كلنا للعراق البريد الإلكتروني: زيارة هذه المجموعة
مجموعات Google
اشتراك في كلنا للعراق
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة