

إلى أي إنسان … وقد تكون أنت …
إلى أمي في دنياها الجديدة … إلى أبي أمد الله في عمره
إلى طفلتي الحبيبة ولاء حين تكبر …
الى أميرتي نقاء حيث افقدها في كل لحظة الف مرة...
إلى أي إنسان ما دام في الكون إله يعبد...
المقدمة :-
يا سيدي … بين يديك أفكار وتصورات ومفاهيم عن الحياة مستقاة من الكتب والمجلات … من المواقف الشخصية التي عشتها ، من تلك المواقف التي عاشها أصدقائي … من أفكار قرأتها وترسخت في ذاكرتي دون أن أعرف صاحبها … من تأملاتي … من نقاشاتي مع الأصدقاء … سأكتب هذا وكأني أتحدث إليك محاوراً … ستجد فيها – يا سيدي – المتوافق والمتناقض ، الطبيعي والمتطرف … والهدف من ذلك ، لا يعدو ، تدوين مشاعر وأحاسيس وأفكار ومواقف وتصورات وتفسيرات .
رائد الحامد
14/7/1983
يا سيدي … لكل إنسان يحس بوجوده ، مواقف قد تختلف وقد تتطابق مع مواقف الآخرين ، ومهما كانت ضآلة دور هذا الإنسان في المجتمع ، فلا ضير من أن يدون مذكراته وآرائه …
وأعتقد – يا سيدي – أن تدوين المذكرات ، سواء نشرت أم لم تنشر فهي شيء مهم للإنسان …
إنها تشعره بوجوده … بماضيه ، وبكل ما في هذا الماضي من سعادة وشقاء … وتشعره بأن الآخرين ، سيتذكرونه ولو لسنوات معدودات بعد وفاته … وهنا يأتي دور الصدق مع النفس ، والصراحة وقول الحقيقة مهما كانت .
قد يخجل أحدنا من تدوين أمور يندى لها الجبين خجلاً … ولكن ، ما المانع من ذلك يا سيدي ؟
فما اجمل من أن نتخذ مبدأ قول الحقيقة ، وكأنه فطرة جبلنا عليها …
وأخيراً ، يبقى أن أسألك … لماذا لا تدون مذكراتك ؟ …
يا سيدي …
أنه لمن المحزن أن تقلل من دورك في المجتمع … قد لاتكون حياتك
حافلة بالغريب والطريف ، بالمواقف المحرجة والمسائل المستعصية أو الأفكار الجديدة … قد لا تكون معروفاً لأكثر من عشرات الأشخاص ...وقد لا يكون لك دور بارز ومؤثر في مجرى التاريخ أو في الفكر الإنساني ….
ولكن يبقى السؤال ، ألست آدمياً تشترك مع الآخرين بسمة الإنسانية ؟ …
حين كتب هتلر مذكراته وضمنها كتابه ( كفاحي ) ، لا أظنه قد وضع نصب عينيه مسألة أن يقرأه الآخرون أم لا … ولكنه كتبها لأجل أن يدون مذكرات رجل غير مجرى التاريخ … والعالم كله يعرف من يكون هتلر هذا …
أنت لا تعرف ؟ …
عجبا لك يا سيدي … هتلر ذلك الزعيم الذي قاد بلاده ( ألمانيا ) خلال الحرب العالمية الثانية وخسرها …
فهل لا زلت تجهله ؟ …
الحمد لله ، أخيراً تذكرته … نعم يا سيدي لا يزال له أنصار وأتباع ، وهو نازي – كما تقول - … هنا يكمن جوهر الخلاف بين رجل نازي وغيره … حين تصادف الأول وتسأله عن هتلر باسمه المجرد ، لا بد أنه سيغضب منك ، وحتى تتحاشى غضبه ، لا بد لك من أن تلصق قبل اسمه لقباً من ألقابه الكثيرة … سيقول لك ، أنه باني ألمانيا الحديثة ، أنه زعيم خلده التاريخ … أما الرجل الآخر فسيصب لعنات السموات والأرض على الفوهرر هتلر …
سيقول لك ، أليس هو الذي رفض مساواة الألماني بالأجناس الأخرى ؟ …
أليس هو الذي وضع الألمان في أعلى درجات الرقي والتطور الإنساني ؟...
وهو الذي استبعد الأجناس الأخرى إلى دركات أدنى في سلم الرقي والتطور الإنساني ؟ …
أليس هو الذي قاد العالم إلى خراب الحرب العالمية الثانية ومآسيها ؟...
وأليس وأليس .. ؟ ..
يا سيدي …
وأنت تقول هذا ، تجد الرجل النازي يقدم لك مبررات مقتنع بها حد الإيمان ، … وأنت لا تجد أمام مبرراته سوى رفضها … وكل يمشي إلى حال سبيله …
ولكن ، ليس لك أن تنكر عليه أن التاريخ خلد ذكره …
نعم يا سيدي … - كما تقول – طرقنا باباً آخراً … إنه باب التاريخ … تاريخ الفرد ، المجتمع ، الإنسانية … وكما قلت ، لابد أن يكون هناك فرق بين أبواب التاريخ … نعم ، فجميعهم في الخلود سواسية … كلهم خالدون … كلهم خالدو الذكر لعشرات بل لمئات السنين …
ولكن – كما تقول – شتان بين من يخلد ذكره أعماله البطولية ، فكره النير الذي يقدم خدماته للإنسانية ، وغير ذلك من لآلىء سلة الفضائل …
وعلى العكس من ذلك ، الخلود الذي يحلو لك – يا سيدي – أن تسميه ، خلوداً سلبياً ... وهذا من يخلد ذكره أفكاره المجنونة التي تؤدي بأمته أو بالعالم إلى الدمار... أعماله الوحشية ، وغير ذلك من الرذائل …
هل لا زلت تريد مثلاً على هذا ؟...
لا بأس يا سيدي ، قد تسعفني ذاكرتي وأجد لك ما يرضي فضولك المعتاد … حسن خذ مثلاً ، أنور السادات رئيس دولة من التاريخ المعاصر … دولة لها علاقات وروابط مع شقيقات لها ، على حرب مع كيان دخيل اغتصب الأرض ودنس الشرف … فجأة تجده يمد يده مصافحاً ذات اليد التي دنست عرض ابنة عمه ، واستباحت حرمة أرض أمته ، وقتلت الأطفال والشيوخ بعتادها المتطور … يمد يده إلى تلك اليد خانعاً مستسلماً ، ولا بأس أن يقف دقيقة صمت حداداً ، أو يتلو الفاتحة ترحماً على أرواح قتلى ذلك الكيان … وحتى أنه لا يتورع عن وضع أكليل من الزهور على ضريح جنديهم المجهول …
رغم هذا القليل عن أنور السادات ، ألست معي في أن المؤرخين الصهاينة سيدخلونه من أطهر الأبواب وأوسعها في نظرهم ؟... وسيجعلون منه بطلاً تاريخياً للسلام ؟… وعلى النقيض من ذلك ، سيفعل العرب والمنصفون لإنسانيتهم … إذن ، أنت معي يا سيدي ، الآن وليس قبل الآن ، في أن للحق وجهين ، حق لك هو باطل على الآخرين … وحق للآخرين هو باطل عليك …
لا بأس يا سيدي … ليسن هذه أول المتناقضات ، ولن تكون آخرها ، فالدنيا حبلى بها …
أظن أنك متفق معي يا سيدي ، في أن فناجين القهوة ستبرد دون أن تستمتع بها ، … هيا يا سيدي ، لنرتشف معاً قليلاً من القهوة المرة...
لا شيء ، لا شيء يضحكني يا سيدي … كما أرجو أن لا تظن أن ضحكي هذا الذي آثار حفيظتك له علاقة ما بشخصيتك من قريب أو بعيد … ألست مقتنعاً يا سيدي ، أن ليس فيك ما يعيب ؟ …
كما أنه ليس فيك أو في مظهرك ما يثير الضحك ؟ …
هل تشعر يا سيدي بالنقص إلى الحد الذي يجعلك تعتقد أن قهقهتي هذه استهزاءً بك أو استخفافا منك ؟ …
أرجوك يا سيدي لا تستعجل الأمر وتفسد عليّ روعة التشبيه …
يا سيدي ، اصغي إليّ جيداً … قبل أيام ، كنت تقول لي أن الحياة في ظاهرها بشعة جداً ، ومقززة إلى الحد الذي يثير الغثيان فيما لو تأملناها جيداً … أنا معك يا سيدي فيما قلت … ولكن أتراني سأوفق في تشبيهي ؟ …
القهوة المرة ، كلانا معتاد على تناولها في كل يوم أكثر من مرة …
أليست مرة المذاق ؟...
حمداً لله ، فأنت متفق معي دون نقاش … نعم ، هي مرة المذاق .. ولكن ، أليست لذيذة ؟ ، كما قلت وكما أقول ، …
إنها لذيذة … وهذا عائد إلى أن لنا رأياً متطابقاً حول هذا الموضوع بالذات … ولكن ، قد يقول آخر أنها ليست لذيذة ؟ … دعنا من ذلك الآخر ولنعد فوراً إلى موضوعنا … القهوة المرة لذيذة ، كذا الحياة يا سيدي ، إن لها قناعاً بشعاً يخفي خلفه وجهاً جميلاً …
آسف يا سيدي ، وكما تقول ، فقد يكون العكس …
على أي حال ، إنها بعبارة أخرى ، ملاك بصورة شيطان ، على الأقل ، هذا من وجهة نظرنا نحن الأثنين … أما من يرى العكس ، فلا أظن أننا سنحفل به كثيراً … أجل يا سيدي ، إنه إنسان يعيش على هامش الحياة … أما أنت وأنا ، فإننا نعيش الحياة بكل تفصيلاتها الدقيقة وأبعادها … إذ لو حدث أن تطابق وجهها مع جوهرها في البشاعة لأدى بنا ذلك إلى الإكتئاب ، وقد يؤدي بنا إلى الانتحار …
ترجوني - يا سيدي – الا أذكر هذا الاسم أمامك ؟ ! ...
لماذا ؟ … أليس الانتحار فعالية من فعاليات الحياة الواقعية ؟ …
عشرات بل مئات الحوادث نسمع عنها كل عام … كيف تدعوني لتجاهل هذا الأمر وهو حقيقة واقعة ؟...
حسن كما تريد يا سيدي … سنعود إلى القهوة المرة ، وكما قلت لك … إن مرارتها تذكرني بالفشل ...
سأنقل لك حكاية جدتي مريم … كانت – رحمها الله – ترفض أن أحضر مجلسها حين تبدأ رواية الحكايا والقصص عن الآباء والأجداد وعن الأيام الخوالي وعن السعلاة والعفاريت… رغم ذلك لا يمر يوم دون أن تكلفني بخدمة معينة كنت أسديها لها بفرح غامر …
لا أدري لماذا أصر على حبها رغم قساوتها معي ، ورغم اسوداد قلبها … ذات يوم استجمعت بقايا قواي وامتلأ صدري شجاعة حين صارحتها بكراهيتها لي ... أنكرت ذلك بادىء الأمر ولكني كنت أكثر إصراراً وعناداً …
أخيراً رضخت واعترفت بكراهيتها لي …
تساءلت مع نفسي ، ما الذي يدعوها لذلك ؟ … فأنا ان لم أكن أعني لها شيئاً ، فيكفي أن أكون طفلاً … ويكفي هذا الطفل أن يكون ابنا لابنها …
قد أكون أثقلت عليك يا سيدي بحديثي عن جدتي … ولكن … لا بأس ، مهما يكن من أمرها فأنا لست حافداً عليها ، ولم تراودني فكرة أنني أكرهها … يكفي أن يحبها أبي ويقوم على خدمتها بنفسه ، كي أحبها وأقوم على خدمتها …
ما أريد قوله لك يا سيدي … من الخطأ أن تحكم على شخص ما تقابله لأول مرة بحكم سلبي ، وكذا الحال حين تحكم عليه بصورة إيجابية …
نعم ، كما تقول يا سيدي … إن ما أورده لك الآن ليس له علاقة بالقهوة المرة … على أية حال...أن عليك يا سيدي ، أن تبني علاقاتك مع الآخرين على أساس إنساني بعيداً عن الأسس المادية الممقوتة ، أو المصلحة الشخصية ذات الأساس الهش الذي لا يلبث أن ينهار بين عشية اوضحاها مهما طال الزمن … وسنكمل حديثنا في لقاء قادم … حيث أنني على موعد مع صديق قديم ، وليس من اللائق أن اخلف موعدا معه … أراك فيما بعد يا سيدي … معذرة...
اليوم تذكرت ما اضحكني ياسيدي...
العقل الطفل محير وغريب لكنه جميل وجميل في حينه... واجمل من كل الاشياء الجميلة حين نتذكرها بعد ان يتقدم بنا العمر...
على كل حال ياسيدي...
في طفولتي كنت أرسم صورة الله على هيئة نور وهاج له جناحان ليست كجناحي الطيور...
له عينان ليستا كعيني مخلوق... وله فم ورأس ليس كأي مخلوق...
قد تكون هذه بداية ليست جيدة يا سيدي...
انا أردتها كذلك لأستذكر خيالي الطفولي حين كنت في المدرسة الابتدائية... وأقف على حقيقة خيالي هذه الأيام...
يا سيدي... الخيال الطفولي أكثر تنظيماً من أي خيال...
كنت أرسم في خيالي هيئات... واشكال غريبة لأكثر الأشياء تعقيداً في هذا العالم... وقد أتعدى الحدود إلى العالم الخارجي...
أما الآن... فقد أدركت ياسيدي...أن الله شيء وليس أي شيء...
قد أكون تعلمت هذا من الكتب أو الأحاديث وقد أكون قد تحققت منها ولكن على كل حال يا سيدي... هذا ما أكونه عن الإله في هذه الفترة...
كنت في السابعة من عمري حين نزلت الماء أول مرة ... حاولت السباحة دون تدريب أو ممارسة...
كنت أعتمد على غروري ، ولكن محاولتي كان نصيبها الفشل...
أوشكت على الغرق... بدأت أصرخ ولا من مجيب حتى جرفني التيار إلى نتوء صخري من أحد أعمدة الجسر المبني بالكلس والحجر... تشبثت بهذا النتوء وكأنه الحياة أو هو كذلك...
تعلمت يا سيدي منذ طفولتي...
أن من يخوض غمار فعل دون أن يحسب النتائج المبنية على أسس واقعية ملموسة لا بد خاسر... لكن الخسارة يا سيدي لا تعني الفشل...
الفشل أن تخسر جزئياً في عمل معين... لكن أن تكون خاسراً فتلك مصيبة يا سيدي...
إنك تفشل في كل شيء حين تخسر...
لا علينا من ذلك يا سيدي...
يا سيدي … إن تجربتك لا يمكن أن تكون مختلفة بصورة كليه عن تجارب الآخرين ، إن من حيث المضمون أو الأفكار المستنبطة …
حين تصر يا سيدي ، على احترام نفسك ، وتؤمن موجبات الاحترام للآخرين … لا بد في النتيجة ، أن تنال احترامهم … فالأخلاق والمشاعر يا سيدي ، واحدة عند كل البشر لولا تدخل عوامل البيئة والأقران على سلوكهم … فحين يصر أحدنا على الصدق مع نفسه وعدم خيانتها … سيكون أمام عقبات عسيرة يتوجب عليه تخطيها بالصدق مع نفسه أيضاً ، وبنبل الأفكار والمبادىء وسموها ، وبكفاح مرهق وشاق مع النفس واهوائها …
أذكر لك يا سيدي صديقي الذي لا أود ذكر اسمه …
كلا ، ليس كما تقول يا سيدي … أظن ان من حقي أن أحتفظ باسمه لنفسي طالما أن الأمر لا يعنيك الى حد ما …
لا علينا يا سيدي ، في إحدى أماسي الشتاء الباردة جداً … وفي مدينتنا الجبلية ، كنت حين أسافر إلى العاصمة وأعود ثانية ، كان عليّ أن أتصل به في الحال ، كما جرت العادة ، وهو يفعل ذلك أيضاً بعد كل غياب عن مدينتي …
زوجته الحسناء جداً ، لا أخفي عليك يا سيدي ، إعجابي الشديد بها … فأنا كتلة من لحم ودم كما يقولون ، ومجاميع معقدة جداً من المشاعر والأحاسيس … فلا بد لي أن أتأثر بالجمال وفق ضوابط أخلاقية تحدد مديات هذا التأثر …
ومن منا لا يتأثر بالجمال ؟ …
ومن منا لايكون أسيرا للاشياء الجميلة في هذا الكون ؟ …
على كل حال يا سيدي … في ذلك المساء ، اتصلت بصديقي الغائب عن المدينة دون أن أدري … فأجابتني زوجته ، بأنه في الحمام ويدعوني لزيارته حالاً … أرجو أن لا تكون هذه التفاصيل المزعجة في دقتها قد ضايقتك كثيراً … دخلت بيتهم كعادتي … صافحتها وقبلت طفلها الجميل … ودون اية مقدمات ، قالت ...
إنني أنتظر هذا اليوم ، بل هذه الفرصة منذ أعوام كي أضع النقاط على الحروف … وها أنا ذا بين يديها … ماذا تعتقد أنها طلبت مني ؟ …
لقد أفصحت عن حبها المكتوم … فاجأني الأمر كثيراً دون أن أستغربه … ولكن ما آلمني حقاً … نعم كما تقول يا سيدي … وأظنك قد فهمت مغزى حديثي … تصور يا سيدي ، ما الذي منعني من ذلك ؟ …
وقتها كان قلبي يدق باضطراب شديد … كان الضمير هو القيد وهو الكابح … الصدق مع النفس … الوفاء لصديقي …
هذه وغيرها يا سيدي ، عوامل منعتني من إرتكاب تلك الحماقة وتلك السفالة …
لا أكون مجافياً الحقيقة يا سيدي ، حين أفخر بأنني ركلتها بقدمي وصفعتها على وجهها …
كانت تبكي … لا أدري يا سيدي ما الذي يبكيها …
أهو تأنيب الضمير ؟ …
أهو فشلها في الوصول إلى ما تريد ؟ …
أهي آلام الصفعة ؟ …
لا أدري يا سيدي أيهم من ذلك كان وراء بكائها ؟ …
كان طفلها الباكي أشد ما آلمني تلك الساعة … بل ، قد يكون أقل شيء آلمني … ولكن ، أن أرى بيتاً تنهار أسسه وأكون حاملاً للمعول الذي هدم اللبنة الأولى منه...
أن أخون مبادئي ...
أن أخون نفسي ...
أن أخون صديقي ...
فهذا يجعلني أحس بمدي الأرض جميعاً توسعني طعناً ...
إن الصديق يا سيدي ، ليس كأي شخص تعرفه أو تربطك به علاقة ما … أنا مؤمن يا سيدي ، بأن الصداقة أسمى من الحب … الحب يا سيدي ، في الوقت الذي يطمح فيه الحبيب بأن يعيش لحظات لذة وسعادة حين يلتقي حبيبته … أو يكون لديه طموح في الزواج منها ، أو حتى الحصول على قبلة أو لمسة يد منها …
هناك يا سيدي ، في صحراء الصداقة ينعدم الطموح في الحصول على شيء … هناك يا سيدي ، تستفحل مشاعر العطاء … كل فعل مع الصديق هو عطاء ، لم يكن هناك أخذ … حتى حين تنهال عليك نوائب الدهر ويقدم لك صديقك العون … صدقني يا سيدي ، أنه من عطائك … إنها ديونك وأفضالك التي استغنيت عنها في يوم ما … ها أنت تعود لتستردها … أو ها هي تعود إليك …
لا أريدك أن تضجر يا سيدي حين أعرج بك ثانية صوب جدتي مريم … فما العمل يا سيدي... إن جدتي جزء من حياتي … إذا كان بالإمكان أن تكون الحياة أجزاء … كان أبي يقوم على خدمتها … وأظن أنني سبق وأن قلت لك ذلك … فكانت يرحمها الله ، ترد له ذلك غيبة وانتقاصاً منه أمام الآخرين … رغم أن هؤلاء الآخرون لا يصدقونها القول … فهم يعرفون أبي على حقيقته وهم من خيرة أصدقائه … وهم أيضاً ، يسوؤهم أن يسمعوا شيئاً يمس أبي ، ولكنهم محرجون … فالمتكلم هي أمه … وهم يعلمون كم يحبها … أنا متأكد يا سيدي ، لو تجرأ هؤلاء ووشوا بالأمر إليه لما صدقهم … فأبي لا أعتقده في يوم ما سيصدق أن أمه تتكلم عنه بما يشين … أما أنا يا سيدي فأصدق ذلك … لا تضجر يا سيدي ، حين أكرر عليك ما قلته بصيغة أخرى … إن التجربة مع الآخرين هي الحكم الوحيد … أعدك يا سيدي ، بأنني سوف لا أعود ثانية للحديث عن جدتي … ولكنه ليس وعد شرف … فحين أفي بوعدي فهذا يعني أن الظروف مؤاتية إن لم أقل توافقني في تنفيذ وعدي …
على كل حال يا سيدي … أذكر لك معلمي في اللغة الإنكليزية …أشد ما يؤلمه أن تقول له أنك لا تبصر الأشياء بصورة جيدة … لا أخفي عليك أنه شبه أعمى … ولكن ما العمل ؟ …فهو يصر على انه يبصر كأي منا ...كنت الوحيد الذي يصر على عماه حين يستشهد بي...ياسيدي, انا لست كما تقول...انني لست مغرورا...ولكن ما العمل اذا كنت قد جبلت على قول الحقيقة … رغم أن قول الحقيقة يؤلم جدتي رحمها الله …
نعم يا سيدي ، لقد وعدتك بأنني لن أعود إلى ذكرها ثانية … ولكن ، ألا تذكر بأنه لم يكن وعد شرف …
إن جدتي كانت تخشى الحقيقة …
إنها لاتحب لأحد أن يحبها ، ولا تحب من يحبها …
بل أنها تحب فقط من يكرهها وجهاً لوجه ...
أجل يا سيدي ، أنها غريبة الأطوار ... كما ترى يا سيدي ، فإن قول الحقيقة هذه الأيام ، يعتبر بحق عمل جنوني … ولكنني أقولها ، لأن الواقع أمر …
عليك يا سيدي إذن ، أن تقول الحقيقة رغم مرارتها لأنها لا تصل إلى مرارة الواقع الذي نعيش …
ستحكم عليّ يا سيدي بأنني متشاءم حين أحدثك عن الموت... ولكن لم يكن بد من ذلك... فهو الحقيقة الوحيدة التي أؤمن بها إيماناً مطلقاً على الأقل في هذه الساعات ...
أحس بتعب شديد وعدم قدرة على الاستمرار معك …
أعذرني يا سيدي ، أنا أعلم أن وقتك ثمين … ولكن ما العمل … معذرة يا سيدي...
تصور يا سيدي ، كنا تحدثنا عن الانتحار قبل أيام … واليوم أقدمت إحدى الفتيات الفانيات على الانتحار …
نعم يا سيدي ، لقد نفذت بنفسها حكم الموت على نفسها …
إنها إبنة فلاح يرفض أبوها تزويجها ممن تحب …
نعم يا سيدي... إنها حرة ولها الحق في فعل ما تريد... وجميل يا سيدي أن يختار أحدنا موعد موته بنفسه... ولكن ألا ترى أنها لم تختر ذلك الموعد بمحض إرادتها
تقول كيف ؟...
سأوجز لك الأمر... أنا على معرفة شخصية بهذه البنت الشقية... من أسرة منهارة … تريد توضيحاً وأنا أريد إيجازاً … لا علينا من هذا … فقدت هذه البنت أمها وهي طفلة... والآن ، يجبرها أبوها على الزواج من ابن عمها …وهي ترفض … دون أن تجرأ على البوح بامر حبها لفتى آخر …
أبوها يصر ، وهي ترفض … وهكذا دواليك …
هددها بالقتل...
نعم كما تقول يا سيدي...
هكذا تجري الأمور في المجتمعات العشائرية التي تؤمن بالسلطة الأبوية حتى بلوغ الولد أو البنت سن الرشد... ورغم رفضها ، لكن القاضي الشرعي حضر... والعريس حضر هو الآخر …
رضيت بالأمر ، وهي تبيت في نفسها أمراً مروعاً … تحت جنح الظلام ، كانت تطلق رصاصة من مسدس أبيها لتستقر في رأسها ...ساد الذعر ذلك البيت البائس … نعم ، كما قلت يا سيدي … أن أباها سبب شقاؤها الأبدي وكذلك المجتمع …
نعم يا سيدي ، فالمجتمع قد أورث أباها هذا التقليد الذي لا أحكم عليه إطلاقاً … في هذا الوقت على أقل تقدير …
تصور يا سيدي ، من الخاسر الأكبر في هذه الفاجعة …
هل خسر أبوها شيئاً ؟ … لا تلبث أن تمر سنة أو أكثر حتى ينسى كل شيء أو يتناسى …
أم ابن عمها ؟ … هو الآخر لا تمر شهور حتى يتقدم لخطبة فتاة أخرى …
إنها الخاسرة الوحيدة يا سيدي… أرجوك يا سيدي ، لا تنعتها بالهروب من الواقع …وإن هي هربت فأنا أبرر لها ذلك...
من الذي سمح لها أن تبدي رأياً في موضوع ما ؟ …
من الذي أشار عليها في أمر ما ؟ … حتى أمر حياتها لم تكن لتبدي رأياً فيه ؟ … أرجوك يا سيدي … ما الذي تفعله فتاة مسلوبة الإرادة لا حول لها ولا قوة حتى على نفسها ؟ …
آه يا سيدي … لقد فهمتني خطأ … أن لاأدعو الآخرين للانتحار … أنا أدعوهم إلى الصمود أمام كل العواصف الهوجاء ... أدعوهم إلى الكفاح حتى تكون إرادتهم واقعاً ملموساً ...
نعم يا سيدي ، عن طريق الحوار المثمر والنقاش الحر والصدور الرحبة … وبذلك يا سيدي إما أن يقنعوا الآخرين وإما أن يقتنعوا بوجهات نظر الآخرين … أجل يا سيدي ، لا بد أن يكون النقاش موضوعياً دون تعصب أو تزمت …
لا تتشاءم يا سيدي ، فلسنا بعيدين عن ذلك إلى الحد الذي تقول …
أظنك قد أغفلت كلامي حين قلت لك قبل قليل ، إنها لن تختار موعد موتها بمحض إرادتها ؟ …
سأروي لك أمراً يا سيدي ولا أدعوك إلى الإيمان به …فلست من الذين يحاولون فرض أرائهم على الآخرين ، بل سأترك لك حرية الاقتناع من عدمه …
بل سيدي ، هذه الفتاة المسكينة عانت من الإحباط في داخلها … عاشت حالة عجز وفشل مر … فأقدمت على الانتحار ليس بمحض إرادتها وإنما بالدافع ...
أبوها بغروره وتعنته …
المجتمع ، بعاداته وتقاليده …
نفسها ، بضعفها وعدم احتمالها…
عقلها ، بقلة إدراكه وضيق أفقه …
وغير ذلك من المؤثرات … كل هذه المؤثرات تجتمع وتتآلب على هذه الفتاة … ثم تتلاطم الأفكار حتى تقدم على ما أقدمت عليه …
لو لم يرغمها أبوها على الزواج من ابن أخيه... لما انتحرت …
لو لم توجد أساساً فكرة الانتحار عبر الزمن ، بما تعبر عنه من أنها حالة خلاص... لما انتحرت …
لو كان المجتمع أكثر عدلاً وإنصافاً فأعطى لها حرية اختيار الخيمة التي تؤويها... لما انتحرت...
لو لم يكن ابن عمها مخلوقاً ، أو كبيراً في السن ، أو أنه قد مات قبل هذا...
لما انتحرت …
لو لم يكن الله قد خطط لها ساعة وطريقة موتها... لما انتحرت ...
ولو … ولو …
اتراها ياسيدي مسيرة ام مخيرة؟
انت معي ياسيدي؟ ... لماذا الصمت ؟...
لست معي كلية ؟...
أجل يا سيدي ، كما قلت ، أن لإرادتها دوراً كبيراً … فلو لم تكن ذات إرادة فولاذية لما أقدمت على إنهاء حياتها بنفسها …
إن أقصى حالات الشجاعة ، أو شجاعة اللحظة كما تسميها ، التي يقوم بها إنسان ما ، هي أن يقدم على قتل نفسه …
متفقون مختلفون … هكذا حالنا دائماً يا سيدي … إن ذلك يعود لعدم الماننا بالمواضيع إلماماً كافياً … كما أننا قلما نعطي الموضوع حقه كاملاً غير منقوص … ولكن ما العمل يا سيدي... إذا كان هذا ما نعرفه وهذا ما تعلمناه وهذا ما استنبطناه؟...
ما يضيرك يا سيدي ، لو جلست معي صامتاً بعد كل هذه الثرثرة ؟ …
لا يضيرك شيء ؟ …
فقط تريد أن تعرف لماذا الصمت ؟ …
حسن يا سيدي … صمتي هذا ألجأ إليه كلما ضاقت نفسي ذرعاً بمن حولي … ثق يا سيدي أنك لست المقصود بكلامي ...
لكن الصمت ملاذاً ألجأ إليه في المآزق …
أهرب به من قهر الكلام …
أصدق مع نفسي حين أسأل سؤالاً لاأود الإجابة عنه … قد يكون جواباً مؤلماً للآخرين يا سيدي ، وأنا لا أريد إيلام الآخرين ، فلديهم من الآلام ما يكفيهم … وعند ذاك لا يسعني الا أن أجافي الحقيقة وهذا ما لا أريده … لقد تعودت الصدق مع نفسي ثم مع الآخرين أو أن أقول ما يؤلمهم … فحين أصمت لا أظنني بكاذب … إنني لم أقل شيئاً معبراً … بل صمتا يا سيدي كي أكون صادقاً …
كما اتفقنا يا سيدي … علينا أن نقول الحقيقة ، فأنا أقول لك بكل فخر ، قد أمر بموقف معين يتطلب مني الكلام بصراحة وشجاعة … ولكن كلامي هذا ، سيؤدي حتماً إلى ما لا أحب وأرضى … فأصمت وأنا أغالب الأمر نفسي …
نعم يا سيدي ، كما قلت ، هناك تناقض كبير بين ما قلته الآن وما قلته بادىء الأمر …
أنا لست مؤمناً معك بأن الحذر يقيك الضرر – كما قلت – أو أن الحذر غلب القدر – كما يقولون - … فصمتي ليس حذراً وأنما خوفاً من قهر الكلام …
أم هل نسيت ؟ … حقيقة يا سيدي أنا قلت لك ذات مرة بأنني أعبر عن رأيي دون خوف من أحد …
أرجوك يا سيدي …
أرجوك أن تكون دقيقاً في كلامك وفي تذكرك …
أنا قلت لك يا سيدي سأحاول أن أعبر عن رأيي ، وأظن أن هذا يبرر لي صمتي في بعض المواقف …
المحاولة يا سيدي ليست وجوباً اوإصراراً … أنما قد يصيبها النجاح أو يعتريها الفشل ، وفي الحالتين لا أظنني كاذب …
على كل حال ، لك الحق يا سيدي ...نعم إن ذلك تبرير للهروب من مواجهة الآخرين بآرائك … فقد يكون الحق معك ، وقد لا يكون … لايهم ، لا يهم … ألقاك سيدي …
أحقاً ياسيدي تراني مهموماً ؟ … أشكرك سيدي على حسن انتباهك … سأروي لك ما يؤرقني هذه الأيام … لأول مرة في حياتي اكتشف أن العدالة لم تعد تبسط جناحيها وتنشر ظلها على الأرض …
في مقر عملي ، لم أكن أتصور يا سيدي ، أن أحداً ما يعاني من ظلم الآخرين وجورهم عليه … فطوال أربع سنوات وأنا أمني نفسي بهذه القناعة الزائفة … ولكن لي الحق في ذلك … تقول كيف ؟…
يا سيدي ، لم أر نفسي مظلوماً يوماً ما … كل حقوقي كنت أنالها دون تعب أو عناء … بعضها كان الآخرون يتلكأون في تسديدها … ولكني لهم بالمرصاد ، وبكلام بسيط ، أو زيارة عابرة ، كنت أسترد حقي …
نعم ، يا سيدي ، فكما قلت ، هناك من عانى من وطأة الظلم … ولكني عاجز عن إرجاع الحق إلى أصحابه …
خلال تلك السنوات الأربع ...آمنت ، أن هناك أيد خفية تسترد للمظلومين حقوقهم ، وترفع عن كواهلهم نيره …
يا سيدي … ليس كما تقول ، سأريك حالة واحدة ، أرجو أن تتدبرها بعناية … الحوافز والمكافآت الشهرية ينالها دائماً ذوو الحظوة لدى المدير ، ولكي يكم الأفواه ، ينال بعضهم قسطا من هذه الحوافز ، ودون وجه حق ... نعم يا سيدي ، دون وجه حق …
صاحبي أحمد النعسان الذي تعرف … رجل ذو قيم عليا وأخلاق ومبادىء يعتز بها … فقير الا من حطام الدنيا ، غني بنفسه معتد بها… لم يكن بحاجة إلى مكافآت السيد المدير لو تقدم بها إليه … ولكن المدير ، يكن له حقداً وكراهية لا أعرف لها سبباً … لذا فهو محروم منها حتى الآن …
فجأة إمتدت يد المنون لتخطف زوجته من حجره … فماعساه فاعل ؟ … مراسيم الدفن والجنازة وما يتبعها من تكاليف ، تثقل كاهل رجل مثله ليس لديه مال مدخر للأيام العجاف …
تقدم أحمد هذا بطلب إلى مديره يلتمس فيه صرف مكافأة تسد بعض احتياجاته التي طرأت … لكن التماسه رفض … مع ذلك امتثل أحمد لأوامر نفسه بالصمت أمام الآخرين... ولكنه أفضى بكل ما يعرف عن المدير وألاعيبه ، إلى مديره بالذات دون ان يفشي سره للاخرين … ورغم أن لا دور لأحمد فيما حدث لمديره ، إلا أن أياماً قليلة مرت ...فكانت تلك اليد الخفية تحيك خيوط القدر نسيجاً يفضح المدير ويرمي به في غياهب السجون بعد ثبوت تعامله الشائن مع بيوت الدعارة … وإن ذات اليد امتدت لتجعل من أحمد مديراً …
نعم يا سيدي ، هناك الكثير من الحوادث ما يشبه هذه … ولكن ، اليوم سمعت ما أفزعني ، أنني أتألم لأجله يا سيدي ، وأتمنى عليك أن تعفيني من ذكر ما حدث … لأنه مؤلم جداً ورهيب …
كما تقول يا سيدي ، أنه أمر صديقنا سعد … يقوم قيس بدافع الغيرة منه والحقد عليه ، بتلفيق تلك التهمة الشائنة بحق هذا الإنسان القويم الأخلاق ، الحسن السيرة والسلوك …
كان قيس هذا ، قد فعل ذات الشيء مع شخص آخر … وقبل عامين كرر ذات الفعلة مع زميل عمل مسالم … ولكن يا سيدي ، ما يحيرني أن تلك اليد الخفية أو عين العدالة ، لا تزال عاجزة عن رؤية هذا الأفاك المفتري … وحسبما تواتر إلى مسمعي من أخبار … أنه حتى مع زوجته يتعامل بوحشية وسادية … إنه إنسان شرير جداً … ولكن اليد لم تمسكه بعد … فإلى م الانتظار ؟ .
إن فؤادي يتأجج ناراً لفرط ما فيه من أحباط … تسألني ، سيدي ، لم الاحباط ؟ كيف … وأنا أرى هذا السادر في غيه بعيداً عن حكم العدالة التي يمثلها القانون … وفي ذات الوقت تغفله الأيدي الخفية …
أنه جبل وقتي لا بد من زواله … لا بد أن يتهاوى أمام صفعة القدر إن لم تك ضربة القانون …
ثانية ها أنت تدعوني إلى الصبر …
أنا معك ، يا سيدي... إنه القدر يمهل ولا يهمل ، ولكن الصبر نفذ والانتظار طال … في كل يوم يرتكب جريمة على رؤوس الاشهاد …
في كل دقيقة يقتلني ألف مرة ومرة …
أجل يا سيدي ، إنها القوة – كما تقول – نعم القوة ...ولكن بئست تلك القوة إذا كانت في صالح الشر اومتآزرة معه … ولكنها كما تقول … قوة غاشمة تفرض إرادتها وتحقق رغباتها كما تشاء .
أرجوك - يا سيدي - … لاتفسر كلامي هذا على أنه حقد عليه … ليس في قلبي شيء من هذا … صدقني يا سيدي ، لو كنت أحقد عليه أو أكرهه لصرحت لك … ولكن ما يحز في نفسي أن أراه يتمتع بدنيا لا يستحقها … ويتلاعب بمصائر الآخرين دون رقيب أو حسيب … دون أن تنال منه تلك اليد الخفية …
لا تلمني يا سيدي ، وأنا أكرر على مسمعك لفظة اليد الخفية … فأنا أقدرها جداً ، ولكني عاتب عليها …
على كل حال ، قد لا تمتد إليه هذه اليد رحمة بزوجته أو رأفة بها … أجل يا سيدي ، إنها طيبة إلى الحد الذي لا يصدق ، وهنا يكمن استغرابي من هذه المرأة الفاضلة ...إذ كيف تحتمل إمرأة بهذه الطيبة الملائكية ان تعيش تحت خيمة وغد حقود …
أعدك يا سيدي ، سوف لم أعود إلى ذكره ثانية … سأوكل إلى ذاكرتي مهمة نسيانه وعسى أن أوفق...
أنا متفق معك يا سيدي ، أن هناك إرادتين … أحداهما إرادة الخير والأخرى إرادة الشر … ولكن ، اسمح لي أن أطلق على هاتين الإرادتين ، قوة الخير وقوة الشر … نعم يا سيدي ، إن الإرادة تعبير عن حالة قوة نسبية …
هل تذكر يا سيدي ، بأنك قلت لي ذات مرة ، إن مركز هاتين القوتين هو العقل … ربما اتفق معك ، ولكن ليس إلى حد بعيد … فأنا أؤمن بأن للعاطفة أيضاً قوة … كلا يا سيدي ، لا تطلق على العاطفة لفظة قوة الخير …انك بذلك تجرد الارادة من نصفها الخير...فاين اذا النصف الثاني؟...
تقول يا سيدي الغريزة ؟ … أنا معك ، فالإرادة إرادة خير وإرادة شر … أما العاطفة فتمثل إرادة الخير ، وبذلك تعبر الغريزة عن إرادة الشر …
ولكن يا سيدي ، حقاً أن لا سلطان لنا على غرائزنا إلا إذا أقحمناها في صراع مع إرادة الخير ، فتتسامى الغريزة إلى قوة خير ... أما إذا تخلت إرادة الخير عن صراعها مع إرادة الشر ، فإن الغريزة ستتحول إلى قوة شر …
يا سيدي ، ليس الأمر هكذا …هناك مثلا بعض الحيوانات المتهمة بفقدانها للعقل, وانما الغريزة هي التي تسيرها... ما نوع هذه الغريزة ؟ …
أليست الغريزة الجنسية إحداها ؟ …
طالما أنت متفق معي في هذا … فهل لأحد أن ينكر عليك حقك في تحقيق ذاتك ؟ … أي حقك في الوجود، وهذا يتأتى عن طريق التناسل الذي لولا تلك الغريزة لما حدث التناسل إطلاقاً …
إذن ليست الغريزة قوة شر دائماً … إنها قوة خير وإنها عنصر البقاء … فالغريزة قوة كامنة في روح الإنسان والحيوان …
يا سيدي ، لكل قوة كابح ، والعقل هو كابح قوة الغريزة ، أما إذا تعطل دور هذا الكابح ، فإن الأمر يختلف آنئذ ، فتقول حقاً ، إن الغريزة قوة شر … ويختلف الأمر في حالة انتفاء وجود الكابح أساساً …
تسألني لماذا ؟ …
ألسنا متفقين على أن الطبيعة أودعت الخلق غرائز عدة؟ …
القتل ! أليس غريزة ؟ …
ما الذي يدفع الحيوان لأن يفترس أخاه الحيوان ؟ …
أليست غريزة القتل لأجل البقاء ؟ …
وغريزة الشبع أيضاً ما يدفع الحيوان إلى القتل …
لا تضحك يا سيدي … نعم – كما تقول - لو فقد الإنسان قوة العقل لأصبح كل منا يستأثر لنفسه ويقتل الآخرين …
هنا يا سيدي... نلاحظ دور المستغلين مصاصي الدماء ، إنهم لايختلفون عن الحيوانات إلا بسحنتهم …
كلا يا سيدي... أنا لا أجردهم من عقولهم ، ولكن أقول أن الشق الأيسر من الإرادة ... أي أن إرادتهم مسيرة لصالح الشر ...أو بمعنى آخر لا سيطرة لعقولهم على غرائزهم ، فأطلقوا العنان لها …
أجل يا سيدي ، ليس القتل دائماً ذلك الفعل الذي يؤدي إلى الموت أو إسالة الدماء … تقول كيف يا سيدي؟ …
لا عليك من هذا … فأنا تعب جداً وأحس بالإرهاق … ألقاك غداً إنشاء الله …
مرحبا ياسيدي...
المستغلون يقتلون المستغلين دون أن تساح قطرة دم ، ولكنهم يرتكبون جريمة قتل فعلية …
حسن يا سيدي … إن الغريزة المطلقة تلك التي لا سيطرة للعقل عليها ، هي التي دفعتهم إلى الإيمان بأنهم أحق بالوجود من غيرهم … أي أنهم كالحيوانات التي تقتل أخواتها كي تحافظ على وجودها …
إن ما يضجرني يا سيدي … إنك لم تعد تفهمني بسرعة …
يا سيدي، إننا اتفقنا على أن المستغلين يقتلون الآخرين للاستئثار بالبقاء … أنهم يعيشون على حساب الآخرين …
أظنه واضحاً يا سيدي … إنك تدخل موضوع الإنانية في حوارنا … لا بأس ، إن بقاءهم على حساب الآخرين ، لا يعبر بوضوح إلا عن الأنانية الفردية ، ولكنني يا سيدي ، أحياناً أسأل نفسي سؤالاً لا أجد له جواباً … تريد أن تعرفه ؟...
لماذا أوجدت في الإنسان غريزة الحاجة ؟ … لا تدري يا سيدي؟ …
تصور معي... لو لم تكن هناك غريزة الحاجة ، لكان الإنسان يعيش حياته هادئاً هانئاً …
عذراً يا سيدي ، فأنا واهم في رأيي …
كما تقول يا سيدي لكان الإنسان لا يأكل ولا ينام ولا يمارس أية فعالية حياتية … وأنا أفهم من ذلك يا سيدي ، إن كل فعاليات الحياة ، إنما تعبر عن حاجة مكنونة في النفس الإنسانية …
أظن كفانا حديثاً الان يا سيدي … فأنا أشعر بالدوار ، وقد جف حلقي ، وأنا بحاجة إلى ما يبل الريق ...
ياسيدي...
ها أنا ذا قد أحسست بالراحة بعض الشيء … وأحس برغبة شديدة في الكلام … ولكن ، لا أدري ماذا أقول يا سيدي …
إن في رأسي مئات الأفكار وآلاف الكلمات...
أنا أعلم يا سيدي ، أن ليس هناك ما يجلب لي السرور في هذه اللحظات أكثر من التحدث إليك …
لا زلت صامتاً يا سيدي؟ …
أراك تتطلع إلى ذلك القلم الأحمر الذي تضمه أصابعي بحنان … تقول لماذا أسموه قلماً ؟...
حسن يا سيدي...سؤال طريف...
في اللاوعي ، لدى كل إنسان سبق وأن شاهد قلماً تختزن لديه صورة معينة ، وما أن تقع عيناه على هيئة لشيء يشبه القلم في مظهره ، حتى يتبادر من اللاوعي إحساس بأن هذا قلم …
هناك مئات آلاف إن لم نقل الملايين من الصور المختزنة في الذاكرة … تسألني من أين جاءت هذه الصور ؟...
يا سيدي ... منذ الطفولة تبدأ مرحلة تعلم وإدراك الأشياء … فندرك أن هذا كرسي ...وهذه منضدة ... وهلم جرا على كل الأشياء التي تعارف الناس على تسميتها بمسمياتها ... ويتم هذا الإدراك عن طريق اللغة وحروفها ، والتي عن طريقها يعرف من أمه والآخرين أسماء الأشياء ... وبمرور الأيام تتراكم لديه الصور وتختزن – كما قلنا – في اللاوعي... وفي كل يوم يزداد معرفة بالأشياء ... ومع كل يوم يزداد إدراكاً ، حتى يصل إلى مرحلة يعرف فيها معظم الأشياء التي يقع عليها بصره ... وكذلك تلك التي يدركها بوسائل الإحساس الأخرى ، كالسمع واللمس وما إلى ذلك … هذا ان لم يكن مصاباً بتخلف عقلي أو بتعطل في أحد وسائل الإحساس لديه … وحين يتكرر المنظر أمامه أكثر يصبح الفرد أكثر معرفة بالشيء وتفصيلات شكله ومعالم جوهره … وما أن تعود عيناه وتقع ثانية على ذات الشيء الذي سبق أن رآه, حتى يخطره اللاوعي بماهية هذا الشيء وحسب المعلومات المخزونة أو الخبرات المتراكمة لديه …
كما تقول يا سيدي ...
إن اللاوعي أرشيف لا محدود ، ولا تنسى هنا دور اللغة ...لنأخذ مثلاً … حين كنت طفلاً ، لو أن أمك أنبأتك بأن هذا الكتاب الذي بين يديك الآن ، اسمه (قلم ) ، وعزلتك عن الآخرين ومعارفهم حتى هذه اللحظة ، لقلت أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو( قلم )، وهلم جرا …
ولو أن أول من أطلق على هذا الكتاب هذه اللفظة (كتاب) ... وأعطاه لفظة قلم لتعارف الناس ، على أنه (قلم ) يضم بين صفحاته آلاف الكلمات … ولم يكن ليخطر على بالهم … أن هذا الكتاب ( كتاب )، بل لكان ما نسميه الآن كتاب هو قلم …
والقلم الذي بين أصابعي الآن... ليس بقلم بل قد يكون اسمه باب... والباب الذي نعرفه الآن ليس بباب بل قد يكون اسمه جدار... وهكذا يا سيدي...
أظن لا حاجة لي الآن أن أسوق لك أمثلة أكثر من ذلك لأن الأمر سوف لن ينتهي إلا بتغيير اللغة... دعنا من هذه الأجواء يا سيدي...
سأدعوك لسماع أمر طريف جداً...
كنت وصديق لي نتلاعب بحروف اللغة ونقلب الألف ياءاً والياء ألفاً والسين عيناً والعين سيناً... وهكذا حتى تمكنا بأيام معدودة أن نتقن التحدث بها دون تلعثم ...وقد تركنا هذه العادة المضحكة يا سيدي ... ولكن هناك أسماءاً ترسخت في اللاشعور وما أن ترى على سبيل المثال جارنا (( شفيق )) حتى تقفز أمامنا كلمة (( طقاث )) ... أليس هذا مضحك يا سيدي ؟ ...
مئات الكلمات الغريبة المضحكة كانت تصادفنا... تسألني كيف تم ذلك ؟ ...
لك الحق يا سيدي ...
فعن طريق المراس والتجربة المثابرة والإلحاح على العقل, وكذلك الرغبة المخلصة ...تمكنا من التغلب على كل الصعاب في تلك الأيام المعدودة …
أنا معك يا سيدي في استنتاجك ...إذ لو لم يكن الألف ألفاً والباء باءاً لتغيرت لغتنا لأصبحت يا صديقي اكرم على سبيل المثال (( يلخش ))...
ألست تراه اسماً مضحكاً يا سيدي ؟...
لكن لو ولدنا في قوم آخرين ، بحيث أن حروفهم ليست مطابقة لحروفنا لأصبح الأمر اعتيادياً جداً أن يكون اسمك ( يلخش )...دون أن يثير الضحك أو يشعر الاخرين بالغرابة …
السلام عليكم ياسيدي ...
عدت إلى صاحبي وقد نشر أمامه صحيفة لا أدري ما تحويه... كل ما عرفته أنه يبدد بها ضجره وسأمه ...
أجل يا سيدي أنه موضوع واسع جداً...
فالحب موضوع كلما أكثرنا النقاش فيه وجدناه أكثر اتساعاًَ … أنا معك يا سيدي في استغرابك من وقع هذه الكلمة في نفسك …
كما تقول ياسيدي أن الحب من أسمى اشكال العلاقات البشرية ... ولكن لا اتفق معك أن في علاقات الحب علاقات غادرة أو مصلحية ...أو أن هناك أشياء خسيسة تنضوي تحته كالخيانة مثلاً …
يا سيدي لو تجردت العلاقة من سموها...
من صدقها ...
من إخلاصها...
من نزاهتها...
لكنت في موقف المجرم الذي تجنى على قيم وأخلاق وعلاقات لها قدسيتها ...
في هذه الحالة يا سيدي ...
لاحق لك في أن تطلق لفظة الحب على علاقة من هذا النوع ، أنا أعرف أنك مررت بتجربة حب صادق ...
اسمح لي ياسيدي أن ألصق صفة الصدق مع الحب … تقول أنه أمر اعتيادي أن تقول حباً صادقاً ...
كلا ياسيدي لا تذهب بعيدا في هذا الفهم ... فحين تقول كلمة حب بتجردها فإنها تعني الفضيلة وما ينطوي تحت ردائها ...
أي أننا ياسيدي نمنح الحب القيمة التي يستحقها ... قيمة الفضيلة المطلقة... أما إذا ألحقناه بصفة من صفاته العديدة فإننا أحلناه إلى قيمة نسبية... وهذا ما أوافقك عليه ياسيدي ...
لنعد إلى تجربة الحب التي مررت بها .. ألم تشعر بأنه أي ( الحب ) قد شحذ ذكاءك ؟...
ألم تشعر بأنه قد زادك استقامة في الخلق وكرماً وشهامة ؟ مع اعتذاري ياسيدي فأنا لا أقصد أنك قليلها من قبل ...
هل تذكر ياسيدي... عباس البناء الذي أحب وهو في خريف عمره ؟...
حسن جداً ياسيدي … كم كان قاسياً على أبنائه ؟...
كم كان شرساً مع عماله ؟ ...
أنه بفضل الحب الذي توج بالزواج تحول إلى إنسان أكثر لطفاً وليناً … وحتى قسمات وجهه أشرقت وأضاءت بفضل نار الحب …
وذلك السمكري الذي اشتهر بجبنه ...كم تحول إلى إنسان يستصغر عظائم الأمور؟...
لا يخاف أحداً … ولا يهتم بأحد … أليس ذلك بفضل الحب الذي قلب موازين الأمور إلى الوجه الصحيح ؟...
ها أنت تعود ثانية إلى عباس البناء وتنتهي بتناقض !! ..
نعم ياسيدي... كما قلت لك ذات مرة عليك التركيز على كلامي جيداً ...
ياسيدي ، عباس البناء إنسان كأي إنسان لايمكن للطف والفضيلة واللين أن تموت فيه... وهذا ما دعاني لأن اقول أكثر لطفاً وليناً رغم قذفي أياه بالشراسة والقساوة اللتين لا تتفقان مع اللطف واللين ...
وقلت أكثر من هذا ياسيدي ...الإنسان يا سيدي ...كما قلت لك لا يمكن للفضيلة أن تموت في داخله ... لكنها كانت تنام بين جوانحه وهي بحاجة إلى من يذكي شعلتها ويوقظها من سباتها فسخر لها الحب خير شرارة …
لقد أسهبنا في حديثنا...لكن دعني أقول لك مقتنعاً, بأن هنالك ما هو أسمى من الحب ؟ …
تقول لا يوجد ما هو أسمى من الحب ؟ …
حسن ياسيدي الحب فيه أخذ وعطاء …
نحن متفقان على ذلك ...ولكن هناك ما فيه عطاء دون أن يكون هناك أخذ …
أليس ذلك يدل على التضحية والوفاء والنبل ؟ ...
أتقول أنك تهفو لمعرفة ذلك ؟...
حسن ياسيدي … إنها الصداقة …
ألا زلت على غير قناعة من أن الصداقة أسمى من الحب ؟...
الحمد لله ...أخيراً بعد صمت وتفكير اقتنعت بما قلته لك ، رغم احتجاجك على أن الصداقة فيها أخذ كذلك ... ولكنني أقول لك يا سيدي... أن ما تسميه أخذاً هو دين في رقبة صديقك آن الآوان كي يؤديه إليك …
نعم يا سيدي حتى لو انك طيلة حياتك لم تسد له موقفاً كصديق … لكنه مدان لك وأنت مدان له منذ أن تعاملتما كصديقين …
أرجوك يا سيدي لا تدع الحابل يختلط بالنابل والأسود بالأبيض ...
لا بد أن تعرف أن هناك مراحل متعددة في العلاقات... لنتجاوز بعضا منها وأذكر لك البعض الاخر, وحسب درجات سموها...
إنها علاقات المعارف ، ثم صلة الرحم ثم الحب وفوق كل هذا وذاك تقف الصداقة بقدسية ورهبة ...
أنه أمر مضحك ياسيدي أن تفكر بأن يخون الصديق صديقه...
ياسيدي ... لو أن أحدنا اقدم على خيانة الآخر فإنها جريمة لا تغتفر أن تفكر مجرد التفكير بأن العلاقة بيننا هي صداقة ... إذ لو صح أن أحدنا خان الآخر لانتفى الإحساس بالصداقة من أساسه... أي أننا حقيقة لسنا بأصدقاء بل نحن معارف...
إنظر يا سيدي إلى ما كتبه المحرر في صحيفته...( الأطفال الصغار – الكبار )...
تقول ليس في الأمر شيء ؟...
أنني أنفي عقله يا سيدي...
إنني أرثيه قبل أن أنتقده … وإليك السبب يا سيدي ...
كيف يجرؤ أن يصنف البشر صغاراً وكباراً...
لماذا يصف الأطفال ( بالصغار) ؟...
إنني أعذره لو قال :ـ (( الأطفال الصغار )) والحق ذلك بكلمة (( السن )) ... كلا يا سيدي...
إن كلمة الصغار المجردة تعني الكثير ... إن هؤلاء الأطفال هم الكبار ونحن الصغار ...
إنهم يعلموننا النبل والبراءة التي نفتقدها...
نعم يا سيدي .. أذكر ذلك الطفل البريء أحمد جريمته الوحيدة أنه ولد (أعورا) ... كان مثار سخرية واستهزاء الأطفال الآخرين به... ولكن هؤلاء الأطفال يا سيدي ... بفطرتهم النبيلة يستهزؤون بهذا لطفل لكونه أعوراً !!...
لابد أنهم قد تعلموا ذلك ممن اسماهم المحرر بالكبار …
أنت تعلم يا سيدي بأن الأطفال يتعلمون كل ما يلقنهم إياه (( الكبار ))...
كلا يا سيدي ليس بالضرورة أن يقصد (( الكبار )) تعليمهم هذه الصفة أو تلك ولكنهم دقيقوا الملاحظة ...
فهم متلهفون للاستزادة من المعرفة بما حولهم... نعم كما قلت يا سيدي إنها غريزة حب الاستطلاع ...
يؤلمني جداً يا سيدي ...أن أرى الأطفال يتهمونك بأنك ستعرج في حديثنا بعيداً عنهم ...وقد يكون ذلك أجدى لنا …تصبح على خير انشاء الله...
إذن كما أردت بالامس يا سيدي... رغم شناعة القفزة وبعد الموضوع الذي نتناوله عن سالفه … سنتحدث عن (( القتل )) ...
أرى الدهشة ترتسم على وجهك فلا زلنا نعيش يا سيدي في أجواء النبل والبراءة... وما ابعد موضوعنا الراهن عن ذلك... ورغم ذلك سأعتصر ذاكرتي وأذكي عقلي لأجلك …
نعم يا سيدي … تسألني لماذا لم أتكلم ؟ …
ماذا تريدني أن أقول؟ …
لقد شهدت حادثة قتل مروعة قبل خمسة أيام... إنها الراقصة (( ليلى )) سأحدثك يا سيدي عن هذه الحادثة ...
كنت من بين الذين حضروا حفلها الساهر تلك الليلة …
رقصت القلوب طرباً ونشوة أمام هذه الكتلة الجليدية المحتفظة بكيانها رغم حرارة الرقصة ودفء النشوة …
تصور ياسيدي الراقصة ليلى تباع بالمزاد العلني … تقول كيف لا تباع وهي مومس ؟...
كلا يا سيدي لا تقل ذلك بحقها … دعني أحدثك من تكون ليلى كي تبرر لي الدفاع عنها …
كما حدثتك ذات مرة أنها جارتنا أيام الطفولة .. أنا أكبرها بسبع سنوات … كنت في المرحلة الإبتدائية حين استيقظت ذات صباح ربيعي مشمس على صوت عويل وصراخ ينبعث من بيت جارنا وكأي من أبناء الاحياء الشعبية هرولت مندفعاً تحو بيتهم … إنها الإبنة البكر لأبيها …
خرجت من رحم أمها ذلك الصباح كتلة بريئة من لحم ودم … تقول لماذا أهملت ذكر العظام ؟ …
يا سيدي إن منظر العظام يذكرني بالقتل ...فقد شاهدت عظام جمجمتها متناثرة على المسرح … ولا أود أتذكر ما يقززني ويسبب لي الغثيان .. .
على كل حال يا سيدي .. ذلك الصباح كانت ترى النور لأول مرة فيما كان الموت يفرش جناحيه السوداوين ليظلل بهما روح أمها ...
عاشت بلا أم حتى بلغت الرابعة حين تزوج أبوها ليتركها على قارعة الطريق ...نعم يا سيدي كما قلت كانت زوجة أبيها ترفض أن تأويها ...
كبرت .. وكبرت وهي تنتقل من بيت إلى آخر تقوم على خدمة أسيادها مقابل أن يوفروا لها ما يعينها على استمرارية الحياة ... وكما ترى يا سيدي إنها بارعة الجمال ... فاتنة العيون ... ذات ابتسامة قاتلة ...
إنها مرهفة الحس حادة الذكاء ... كانت تحتج على القدر الذي حرمها من منابع الدفىء والحنان... وما لبث أن تحول هذا الاحتجاج إلى تمرد على المجتمع الذي أبى إلا أن يعاملها معاملة اللقيطة ...
وكما تعلم يا سيدي .. إن الشرف أكثر ما يعتز به أبناء جلدتنا … فكيف لها أن تنتقم من أبيها الذي أنكرها وهي تحمل اسمه في بطاقتها الشخصية ؟ ! .. .
مرة أخرى يا سيدي لا بد لشيطان التمرد والانتقام أن يستغل فرصته ويحطم قيوده فكانت الليلة التي هيأ لها القدر … ذات القدر الذي عاملها بكل قسوة ... هيأ لها من يدخلها عالم البغاء مستغلاً عوزها بخسة ليملأ يديها بالدراهم الذهبية … وكيف لا يا سيدي وهي من أطلق عليها جمهورها ليلى الفاتنة … حقاً إنها فتنة …
برفاهية وسعادة باهتة اعتلت خشبة المسرح... في تلك الليلة التي هوت فيها صريعة طيش السكارى ونزاعهم للفوز بها ...
بعد كل هذا يا سيدي … هل هي مجرمة ؟...
هل سنسمي من عاشت ظروفها مومساً ؟...
من المومس في هذه القضية ؟...
لا أظن مومساً أكثر انجرافاً في طريق البغاء أكثر من أبيها .. .
إنه المجرم الأول …
ها أنت تسألني يا سيدي عن المجرم الثاني …
حقاً أنه القدر الذي حرمها من أمها ولكن ذلك امر لا بد منه … لأنه القدر !!... ومن لا سلطان لك عليه دعه يفعل ما يشاء...
أما من نفذ فعل القتل فهو ليس ملوماً ...
هدء من سورة غضبك يا سيدي سأشرح لك كل شيء ...
هذا المتهم هو منفذ لنزعة مكنونة في داخل الإنسان ألا وهي نزعة القتل وهذا المنفذ يا سيدي ، أسير لتلك النزعة …
وعلى ذكر القتل يا سيدي سأروي لك حادثة أخرى سمعتها من صديق قديم من عائلة ثرية تتكون من أخوين اثنين … توفي أحدهما وزوجته في شهرها السادس وما لبثت أن أنجبت " قصي " …
وويك للمغلوب …
أم قصي إمرأة مغلوب على امرها... طيبة جدا... لم يعد يحلو لها بعد موت زوجها مال ولا حلال... بل انكبت على حزنها وغلبها ...
بدأت تعمل في أحد المصانع وهي راضية بما أوتيت دون أن تفكر بأن لزوجها الراحل ميراث من عقارات ومصالح تجارية تكفيها لأن تعيش من ايراداتها عيشة ميسورة … ولكنها تعرف من يكون عم قصي ؟... وتعرف كيف ينظر إلى الحياة ... وكيف يضع المادة معياراً لكل سلوك أو تصرف ...
بإباء وكبرياء رفضت أن تطالبه بحقها الشرعي من الميراث ...وهذه فرصة مؤاتية له كي يستأثر لنفسه بحصة أخيه الراحل ... فسرعان ما ضم أملاك أخيه الراحل إلى أملاكه معتمداً على تزوير وثائق تؤكد تنازل أخوه عن كل أملاكه ... كل ذلك قد جرى دون علم ام قصي او درايتها...
لقد احتضنت قصي بعيداً عن ادران عمه … قال صديقي... أن حجتها في ذلك هي الخوف على أخلاق قصي إذا نشأ في بيت عمه …
على كل حال يا سيدي … مع الأيام كان قصي شاباً قوي العود قويم الأخلاق … لابد أن يسأل عن أبيه وأقاربه ... لكن أمه صارحته بوفاة أبيه ...
أما عن أقاربه فقد أنكرت أن يكون له أقارب من جهة الأب ...
شاءت الصدف أن يزورهم صديق قديم … وعرف منه قصي كل شيء ولم يكن ذلك عن قصد سيء من هذا الصديق …
تصور يا سيدي أن عمه أنكره وأنكر حتى أن يكون له ابن أخ …
تكررت زيارات قصي لبيت عمه … وكأي شاب طموح في مقتبل العمر يريد أن تكون له أسرة بدأ يطالب عمه بحقه في حصة أبيه من الميراث … لكن عمه كان أعمى القلب والعيون التي لا يرى بهما سوى الأفدنة والدراهم … حتى جاء ذلك اليوم حيث كان وقصي يتناولان طعام الغداء...
تحول الحديث إلى الميراث ثم تطورالامر إلى مشادات كلامية .. ثم إلى تهديد ...وعراك بالايدي... وأخيراً كانت رصاصة عادلة تنطلق من مسدس قصي لتستقر في قلب العم .. إلى هنا تنتهي وقائع واحداث هذه القصة ...
قد لاالقاك قبل اسبوع ...اراك بخير...
كما ترى ياسيدي انا الان اكثر شوقا اليك...لذلك بادرت لزيارتك فور عودتي من العاصمة...
كانت رحلة طيبة رغم ما الم بي من مرض طارىء نغص علي متعتي بعض الشيء...لكنني اراك شارد الذهن كما انا...
تريد العودة ياسيدي الى تلك القصة بالذات...
أرى أنها استأثرت باهتمامك إلى درجة الشرود الذهني ؟ … تستغرب كلمة رصاصة عادلة ؟... ما وجه الغرابة ؟...
يا سيدي أن قصيّ ليس ملوماً على فعلته اطلاقا … إنه مثل اليد الخفية كما تقول يا سيدي ..
بعد أن يسلك أحدنا كل سبل الخير ... وبعد أن يكتشف ذلك المقابل على حقيقته البشعة .. ماذا سيفعل لو كان بدلا من قصي ؟...
لا أظنه سيفعل أقل مما فعل قصي خصوصاً وهو يقضي أكثر من عامين في زياراته لبيت عمه بما فيها من توسل ورجاء وذل …
إن قصي قد خلص المجتمع من عضو مريض وفاسد...
ليس المجرم هنا قصي كما أنه ليس سلمان … رغم كون الأخير هو من أوجد المبرر لفعلة قصي … بل أنها القوة التي زرعت في نفس قصي نزعة القتل... وهي ذات القوة التي زرعت في نفس سلمان نزعة الطمع والجشع ...والأدهى من كل ذلك أنها هي التي قتلت الرقيب لدى سلمان ...
أجل يا سيدي كما تقول إنها الايدي الخفية في وجهها الاخر … ومن وراءها المجتمع الذي عجز عن تدمير هذه القوة الشريرة …
لكن من يكون المجتمع .. أليس هو أنا ؟ …
أليس هو أنت ؟ …
أليس هو سلمان وقصي ؟...
استنتج من ذلك يا سيدي... أن جهة ما هي المجرمة الفعلية التي يتوجب عقابها … ولكن كيف نعاقب تلك الجهة إذا كانت عناصرها المادية عناصر بلا إرادة... أما عناصرها الروحية فهي ذاتها النزعات والغرائز ...
عذراً يا سيدي أحس وكأنني أنفخ في قربة مثقوبة ... إذن المجتمع يا سيدي هو المجرم الوحيد …
وبما أن المجتمع هو المجموع المتشكل من الإفراد … وبما أن النفس المسيئة هي التي تستأهل العقاب ... آسف يا سيدي ...آسف جداً أظنني عاجزعن التوضيح ... ولكن على أية حال … إن قصي هو المتوجب عقابه كإنسان ضعيف تغلبت عليه قوة العاطفة على قوة الإرادة وليس كمجرم أو كقاتل...
أما سلمان فهو مستحق للعقاب لذات السبب …
حتى أم قصي هي الاخرى مستحقة للعقاب … لا تستغرب الأمر يا سيدي … إنها ارتكبت جريمة كبرى بحق قصي حيث أخفت عنه الحقيقة …
الحمد لله ... الحمد لله ... أخيراً ابتسمت راضياً وقد شعرت وكأنك على قناعة بكل ما قلت …
كلا يا سيدي لا أظنك ستراني غداً … سأمكث في صومعتي اداري همومي التي تراكمت على نفسي مذ بدأنا الحديث عن هذه التي تسمى الحياة ...
كان يوماً رائقاً إلى الحد الذي لا يوصف...
لقد خلوت لنفسي ساعات بعيداً عن الناس والعالم المحسوس …
لأول مرة في حياتي يا سيدي أجد نفسي حامدة شاكرة ...أن ذلك مرده إلى الخيال والخيال وحده ...لقد عشت به أحلى لحظات عمري...
لاتظنني هارباً من الواقع يا سيدي … فأنا أعيش بين ثناياه رغم مرارته ومآسيه ... لاتسألني ياسيدي كيف عشت طيلة يوم أمس وحيداً...
صدقني يا سيدي أن لا ضجر ولا ملل .. حتى الزمن كنت اشعر به أقرب إلى التلاشي والعدم … عمل واحد يا سيدي قمت به بالامس ...
أجل يا سيدي … لقد كتبت قصة قصيرة لأول مرة في حياتي...
أفقت إلى نفسي وبدأت أردد كلماتها وأقرأها بصمت مرة وأخرى ... حتى عجزت عن التصديق بأن الأنامل التي طرزت طلاسمها هي أناملي …
حقاً يا سيدي أن في الإنسان طاقات كامنة وقوى خفية لو عرف أحدنا كيف يستغلها ويفجرها لأصبح كل منا إنساناً مبدعاً … كلا يا سيدي لا أظن أن انسانا في العالم يخلو منها … ولكن المبدع والناجح من عرف كيف يشعل ويفجر فتيل هذه القوى الكامنة …
أجل يا سيدي كما قلت لصالح الخير والإنسانية …
يوم أمس يا سيدي من الأيام الخالدة في حياتي حيث لم يكن كباقي الأيام في رتابته وضجره …
حسناً إذن أنت تستدرجني للحديث عن الكتابة … سأروي لك يا سيدي العلاقة بيني وبينها … من خلال قصة طريفة عشتها بنفسي ولست مطالبك بالحكم عليها في النهاية … بل سأدعك تحتفظ بذلك لنفسك إذا شئت …
لا تستعجل الأمر يا سيدي ...
دعني أتنهد ...
دعني أشهق نفساً عميقاً ... إذ ليس من السهل على الإنسان أن يستدعي ذكرياته وقت يشاء وتحت أي ظروف … وأظن ان الصمت الملازم للتركيز كفيل بأن يحقق لك ما تريد في هذا الشأن … يا سيدي … كنت حينها في الصف الثالث الإعدادي حين لحظت كتاباً جديداً في مكتبة البيت … وكأي شيء جديد لا بد أن يثير حب الاستطلاع في نفسي مددت يدي بلطف .. كان يحمل عنوان (( الغريب )) إنها رواية لالبير كامو .. لم أكن قبلها أقرأ كتب خارج نطاق المنهج الدراسي .. ولكن لا أدري لماذا أحسست بقربي الشديد من الرواية ؟ ...
أحياناً يعجب الإنسان بشيء لمظهره الجميل وما يوحي له هذا المظهر في نفسه ... وقد يكون ذلك اكثر ما شدني إليها ؟ ! .. وقد يكون العنوان ؟!!! …
فأنا يا سيدي أحس بالغربة في الوسط الذي أعيش فيه على اختلاف مراحل حياتي... كما تقول يا سيدي حتى لو غمرت بالحنان .. وقد غمرت به فعلاً ... ولكن مشاعر الغربة عن الواقع ... عن الناس ...عن الحياة ...ليس بمقدور أحد أن يجتثها من قلبي ... ما أغرب المفارقة !!!...
في خلوتي أمس حدثت نفسي عن الغربة كما أضحكني يا سيدي شعوري بالأمس … لا بأس يا سيدي سأنقله إليك على شكل كلمات .. مع يقيني بأن الكلمات تبقى عاجزة عن ترجمة المشاعر بدقة ...
أنا معك يا سيدي... أن الشاعر والفنان بإمكانه ذلك أكثر من غيره ، لما يمتلك من إمكانيات خيالية وتعبيرية إلا أنه لا بد مقصر ... لو لم نتدارك الأمر سنقع في مهاوي الشطط ...
سأعود يا سيدي إلى مشاعري ... كنت أحس بأنني قذفت من كوكب آخر إلى أحضان المجتمع الذي لم يفهمني ولم أفهمه...
فهو لا يفهم ما أريد ولا أنا أريد ما هو يفهم ...
تخيلت الموقف المرتسم أمام عيني بصورة جلية ... ولكن عمق الخيال وبعده أنساني المشاهد التي عشتها بالأمس … نعم يا سيدي قد أكون أبعد الناس عن الواقع … ولكن لا بد أن تضع أمام عينيك ... إنني أبعد الناس عن الواقع في خيالي فقط ... أما في حياتي العملية فإن الأمر يثبت العكس …
لتسمها يا سيدي ما شئت … سمها ازدواجية …لابأس ولكن دعني أقول لك في هذه المناسبة يا سيدي … أن الأمر لم يعد يقتصر على الإزدواجية في الشخصية بل هناك الثلاثية والرباعية وحتى ابعد من مئوية الشخصية … مع نفسك … مع حبيبتك … مع أبيك مع أخيك … مع أقرانك … مع كل من هؤلاء وغيرهم تعيش شخصية تختلف عن تلك التي تعيشها مع الآخر …
المقياس يا سيدي ...هو اختلاجات نفسك وسلوكك في التعامل مع كل من هؤلاء على حده … أجل يا سيدي لو فكرت قليلاً لاكتشفت هذه الحقيقة … لا عليك من هذا يا سيدي …
احتضنت الكتاب بفرغ غامر ... جلست أتصفحه بنهم ومالبثت أن التهمته في أيام معدودة بعيداً عن رقابة الأهل الذين يزعجهم انصراف ابنهم المحسود من زملائه على ذكائه …
نعم يا سيدي .. يزعجهم انصرافه عن قراءة الكتب المدرسية الى الكتب الخارجية وهذا اصطلاح لا بد أنك سمعت به كثيراً ...
ماذا تقول يا سيدي ؟... أتقول أنك لم تسمع به ؟ ...
حسن... الكتب الخارجية يا سيدي هي الكتب البعيدة عن الكتب المدرسية أي بعيدة عن كتب المنهج الدراسي ...
كما أن آباءنا يا سيدي... محافظون في عاداتهم وتقاليدهم ودينهم إلى درجة التعصب في كثير من الأمور ، رغم ان الشك لا يرقى إلى اليقين إطلاقاً ... ولكني شككت بأن أبي يخاف فساد أخلاقي من قراءة الكتب الخارجية … رغم أنه يلتهم ما شاء له الالتهام منذ صغره … قد يكون أحس بتأثير سلبي عليه وخشي تكرار الأمر مع ابنه ؟...لاادري قد تكون هذه يا سيدي حالة خاصة …
على كل حال يا سيدي … كنت أدسه في حقيبتي المدرسية خلسة بعد أن تتم لي أمي إعدادها من لوازم مدرسية وبعض الطعام الناشف … كان درس التربية الرياضية يعتبر درساً شاغراً في الصباحات الماطرة … وكان ذلك فرصة لي كي أخرج كنزي وأستكشف أسراره...
شاءت الصدف ... عفواً يا سيدي – فليس هنالك شيء اسمه الصدفة بل لنقل شاء التوافق …او شاءت الموافقة أن تقع عين المدرس على الكتاب … فناداني مرة ثم أخرى … ولكني لم أكن لأسمعه … فليً عالمي الخاص الذي أحياه في تلك اللحظات … غضب الأستاذ مني وصاح بي بصوت مزمجر أعادني إلى عالمهم …لم تهدأ سورة غضبه حتى مزق الكتاب إرباً إرباً ...
تقول لماذا يا سيدي ؟...
أنسيت أن اصطحاب الكتب الخارجية محرم على طلبة المدارس ؟...
ما هذا يا سيدي ؟... تقول الأجدر بي أن لا أجلب كتباً إلى المدرسة ؟...
قلت لك أن هناك أشياء لا أعرف كنها في نفسي... كالشيء الذي شدني إلى هذا الكتاب … كما لاتنسى يا سيدي الطبيعة الإنسانية التي ترغب إليك بالمحظور من الأشياء...
من بين هؤلاء المدرسين كنت على علاقة وطيدة بمدرس اللغة العربية …
وويل للمغلوب على أمره … إلتجأت ألتمسه المساعدة وأشكوه زميله .. فوصل هذا المدرس إلى تسوية عادلة بيني وبين زميله … نعم يا سيدي .. توجب بموجبها قيام زميله بشراء نسخة من الراوية يقدمها لي بدلاً من تلك ...ولكن الأمر كان اشد وقعاً على نفسي رغم انتصار مدرس اللغة العربية لي...
ولكن لماذا ؟...
أنت تعلم يا سيدي أن لاوجودا في بلدتنا لما يسمى بمكتبات البيع … والأمر هكذا ... اذن عليّ أن أنتظر حتى تتسنى لمدرس التربية الرياضية فرصة السفر إلى المدينة وإن لم ينسى أو يتناسى سيحضر لي الرواية ... والحق يقال يا سيدي .. أيام قليلة مرت حين أحضر الأستاذ المذكور ما يبكيني ؟ …
نعم تقول لماذا يبكيني ؟... أنه لم يحضر لي نسخة مترجمة بنفس الحجم بل كانت مختصرة جداً وموجزة جداً ، إلى الحد الذي يتعذر معه الاستمتاع بقراءتها بل أنها فقدت روحها وروعتها …
نعم ياسيدي أقول ذلك رغم حداثة عهدي بالقراءة … لأني أدركت ومنذ الوهلة الأولى أي أسر للنفس وأي سلطان للكتب على رعاياها …
على كل حال يا سيدي … أشكرك إذ نبهتني إلى استهزاء واستخفاف زملائي بي وهم يرون أني أبكي على كتاب !!!...
قبل عام واحد فقط كنت ألتقي ذات المدرس وأعاتبه على فعلته … أجل يا سيدي أنه الآن متقاعد … ورغم كبر سنه إلا أنه اعترف بجريمته ...
لادخل لي بالأمر ياسيدي... إنه ذاته الذي أطلق على تلك الفعلة صفة الجريمة … ولكنه أخجلني حين قدم اعتذاره وأبدى أسفه ... تصور يا سيدي أنه يقول أن تلك الحادثة من تلك الحوادث النادرة الوقوع في حياة الإنسان وأنه على حد قوله … يتعذر عليه نسيانها قبل أن يضمه الموت في عنايته ...
تسألني يا سيدي هل الموت عناية ؟ .. نعم في حالة معينة … هنالك للموت أربعة أجنحة … جناحان سوداوان … وجناحان بيضاوان .. إذا فرش الموت الجناحين البيضاوين فإنه يعبر عن حالة عناية … أظنك لا زلت بعيداً عن إدراك مغزى ما أقول … دعني أوضح لك الأمر يا سيدي...
من خلال حادثة شهدها صديق لي بأم عينيه ... في عام أسود مر بقريتهم وخلال أسبوع واحد كانت الأمطار تهطل بغزارة حتى أحالت الوديان إلى بحيرات مائية وأنهار هادرة … ولم تستطع بيوتهم الطينية الصمود في وجه الهجمة الشرسة ( الوحشية ) فانهار العديد منها على من فيها... وأنت تعلم يا سيدي أمراً كهذا لا بد أن يخلف ضحايا …
من بين هؤلاء شاب سعيد وحيد لأبويه … متزوج وله أطفال .. ينتمي إلى أثرى العوائل في القرية … محبوب من جميع أبناء القرية … على كل حال يا سيدي … إنه يعيش حياة مرفهة سعيدة إلى أقصى حالات السعادة … هذا يا سيدي من بين الضحايا...
فالموت يكون إحدى حالتين...اما ألم .. اوانعتاق من الألم ... كان موته من النوع الأول ...
أليس الموت قد بسط جناحيه السوداوين على هذا الشاب السعيد ؟...
أنت تقول نعم ؟ … وتطالب بالنقيض ؟ حسن يا سيدي ...
عجوز بلغت من الكبر عتياً وليس هنالك من يحنو عليها … ابنها الوحيد توفي قبل خمسة أعوام … والحق يقال كانت زوجة ابنها العاقر ترعاها وتحترمها بقدسية اكراما ووفاءاً لزوجها الراحل... مالبث الموت أن امتد إليها ليضمها أيضاً بين جناحيه السوداوين...
ظلت هذه العجوز المسكينة تداوي أحزانها وهمومها وحيدة في هذا العالم رغم أن أحداً من أهل القرية لم يقصر في حقها... إنهار بيتها الآيل للسقوط في اليوم الثالث من ذلك الأسبوع الأسود...
كان أبناء القرية منهمكين في إزالة أنقاض بيت منكوب جوارها... سمعوا أنيناً يخرج من بين الأنقاض... بدأوا يرفعون الأنقاض حتى وجدوها في حال يرثى لها ... الدماء تنزف منها وهي جالسة القرفصاء في احدى زوايا الغرفة وقد شكل لها السقف المنهار مظلة هرمية حمتها من الموت...
والآن يا سيدي... ألم تر أن للموت جناحين بيضاوين ؟... اذ لو أنه احتضنها بعنايته... لكان الموت بالنسبة اليها يعبر عن حالة انعتاق من الألم...
آه ياسيدي.. كما تقول ...
أن الموت نعمة لا يطالها المعذبون...
ما هذا يا سيدي... أنت تشفق عليها ؟...
كلا يا سيدي من منحك حق الإشفاق ؟ …
إنك بهذا يا سيدي تنتقص من قيمتها الإنسانية ...
لا حق للإنسان أن يشفق على الإنسان...
الاصلح لنفسك لو قلت أنني أتألم لأجلها اوأعطف عليها … على كل حال يا سيدي أرجو أن لا يضايقك إحجامي عن ذكر الدليل على صحة رأيي … ولكن لا أدري لماذا أمقت أن أسمع كلمة الشفقة تطلق على الإنسان ؟ …
ما يؤلمني وأنا أعيش معك هذه اللحظات المتناقضة في أحاسيسها ، أن يفوتني ذكر ما كان عليه ذلك الشاب السعيد من موهبة فطرية في الأدب... وماله من نظرات جميلة ورؤى نقية عن الحياة …
سأروي لك بعض ما قاله لي عن السعادة … يختلف كل منا عن الآخر فيما يؤمن به من المبادىء والقيم ... وكذلك في نهجه الذي يسير على هداه في الحياة... وباختلاف طرق التفكير والرأي والنظرة إلى الحياة .. تختلف معها وجهة نظر كل منا عن الآخر حول السعادة...
فمنهم من ينظر إلى السعادة بأنها المزيد من الصحة الجسدية والنفسية...
ومنهم من ينظر اليها بانها المزيد من الغنى وزوال الفقر... فمع زواله تزول الأمراض في الغالب... وهذا ليس قاعدة لذلك تراه قال " في الغالب " ... ويضيف ، حين يحس المرء بأنه بحالة صحية جيدة فانه بذلك يكتسب جزءاً مضافا من السعادة ... في هذا الكلام كنت أختلف معه يا سيدي …
في رأيي الشخصي... أن السعادة وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة... لا علينا من هذه الأمور المهم يا سيدي … أنه أضاف أن زوال الفقر يعني انتفاء عنصري الحاجة والعوز الماديين وبذلك يتيسر وجود السكن اللائق والمتطلبات الحياتية الكمالية وهذه أيضاً من متممات السعادة...
هذه الأمور أبرز ما على الصعيد المادي … أما على الصعيد الآخر فيرده ألى موضوع شامل وجميل يتلخص في عبارته الآتية...
أن أشعر بأن الآخرين يحبونني بصدق وأنا أحبهم بصدق...
أما عن حبه للآخرين فتلك حقيقة توصلت إليها من خلال هذه الواقعة... كنا نقوم بزيارة لأحد أدباءنا الكبار... كان الأمر بالنسبة لي اعتيادياً جداً ... أما هو فقبل أن نطرق باب الأديب أخذ العرق يتفصد من جبينه بغزارة … ولما سألته عن السر في ذلك قال... أنني أحترم الآخرين إلى درجة الخجل من الوقوف أمامهم فكيف والأمر يتعلق بأديب كبير...
على كل حال يا سيدي... دخلنا صالة الاستقبال يرافقنا الأديب بنفسه ويشير علينا بالجلوس إلى مقعدين متقابلين... لا زلت أذكر تلك الكلمات البديعة التي أثرت في نفسي وتغلغلت في ثنايا أعماقي...
قال ما نصه... بعد أن أستفسر منه الأديب عن حاجته أو عن أي كلام يود قوله... (( يا سيدي الأديب ما عساي أن أقول وأنا أمثل بين يديك... ما عساي أن أقول وأنا في حضرتك … أحاول لملمة شتات أفكاري علِّ أخرج بعبارة تفيك حقك وتعبر عما يجيش في خاطري من مشاعر تجاهك … ولكن دون جدوى … فقد وجدتها صفراء باهتة … وجدتها تقتل بين شفتي كما تقتل عذراء بجريمة الزنا ... عذراً يا سيدي... عذراً ولتأذن لي بالصمت ))...
أي أن سعادته في احترامه للآخرين وحبه لهم وفي احترامهم وحبهم له... أما سر خجله فهو عن فائض الاحترام …
الفشل يا سيدي في موقف معين لا يعني نهاية الدنيا … وما أدراك بطعم النجاح لو لم تذق طعم الفشل …
إن هذا من طبعك يا سيدي... فقد قلت لي ذات مرة أن الإنسان لا يحس بالسعادة الحقة ويتذوقها ما لم يمر بحالة شقاء... وذلك ينطبق على كل المشاعر ونقيضها … الفشل يا سيدي... هو ايضا مرحلة من مراحل النجاح … ولكنه المرحلة الدنيا... كما هو الحال في اللذة والألم إذ لا يمكنك الإحساس باللذة عن طريق الطفرة …
ففي كل المتناقضات يا سيدي... هناك تواصل حسي بينها أي هناك انتقال تدريجي ... وعليه يا سيدي... فإن الألم هو أدنى مرحلة من مراحل اللذة والشقاء...وقد يكون اعلاها... وعلى العكس من ذلك فإن السعادة هي أعلى مرحلة من مراحل الشقاء... واللذة هي أعلى مرحلة من مراحل الألم … أي بعبارة أخرى الألم واللذة والشقاء والسعادة وكل المتناقضات في حياتنا ... يشكل كل نقيض منها مع نقيضه وحدة واحدة متكاملة ...
لا يزعجني أن تصف كلامي هذا بالهراء اواللغو ولكن أطالبك بالبديل … واراك عاجزاً عن تقديم البديل فلا بأس أن تحول مجرى الحديث إلى موضوع أنت تختاره... ولكن ليس الان ...فانا اشعر بقرف من اي ّ كلام الان ... قد اراك بعد يوم او اكثر...
عذرا ياسيدي... بالامس كنت قد اغفلت رغبتك في ان تسالني عن موضوع ما... اكرر عذري ياسيدي... ولك الان ان تسال ماشئت... ساحاول ان أجيب على أسألتك ما أمكنني ياسيدي...
الحرية ؟ !!! ...
لاغرابة في الامر ياسيدي... أنه ذات الموضوع المرسوم في مخيلتي تصور يا سيدي لو أطلت الصمت دقيقة أخرى لكنت بادرت الحديث عنها ...
أرجوك يا سيدي ألا تسيء فهمي إذا قلت لك...
في هذه اللحظة تأكدت من أنك صديقي حقا... تسألني كيف ؟ ...
يا سيدي في ذات اللحظة كنا نفكر معاً في نفس الموضوع دون سابق إتفاق أو إشارة فالأمر لا يعدو أن يكون قد سبر أحدنا أغوار فكر الآخر … إنه تخاطر العقول يا سيدي …
إن العلاقة بين اثنين في مستوى كهذا لا بد أن تكون علاقة صداقة... على كل حال يا سيدي سنعود صاغرين إلى موضوع الحرية ... ولكن ماذا نقول فيها ؟...
من وجهة نظري الخاصة أن لا حرية مطلقة للإنسان طالما هو أسير رغبات وأهواء نفسه...
نكون أحراراً فقط حين نملك إرادة الاختيار بصورة تامة...
لاعرف ... لا قانون ... لا دين... ولا أي مؤثر يؤثر فينا …
كلا يا سيدي … إن هذه ليست فوضوية بل إن القانون الفطري سيحكم بني الناس دون أن يكون هناك مشرع أو حاكم ... تصور معي كيف يحدث ذلك...
نحن متفقان أن الحرية المطلقة تتحقق في حين يمتلك الإنسان إرادة الاختيار بصورة تامة... وحجتك تدور حول القانون الملغي والمستعاض عنه بالقانون الفطري... وهذا القانون الفطري بتعبير آخرهوالرقيب الذي يعيش بين جوانح الإنسان … الرقيب الذي لا ينام...
إنه الضمير يا سيدي … إنه وازع الخير …
ما الذي يدفعك لأن ترتكب جريمة السرقة إذا كانت حرية الاختيار المطلقة تسمح لك باقتناء أي شيء لا يؤثر سلباً على الآخرين؟... وإذا كان بمقدورك الحصول على أية رغبة أو حاجة دون أن نسلب حقوق الآخرين...
ان سلب حقوق الآخرين ... اوالتأثير سلباً على الآخرين هومن الأفعال التي يردعك عنها الضمير...
لكل منا ما شاء وعلى كل منا الالتزام بأحكام الضمير...
ساعة من الزمن واكون ثانية هنا ياسيدي...
علي ّ ان اودع صديقا لي سيغادر الى بلد اجنبي ليكمل دراساته العليا هناك...
تحياتي ياسيدي...
يا سيدي... قبل ساعة من الان كنا نلف وندور دون أن نصل إلى شيء...
بعبارة موجزة يا سيدي لو أننا اتبعنا الحكمة التي تقول...
لا تفعل مع الآخرين ما لا ترضى لهم فعله معك...
لو توصلنا إلى الإيمان بالحرية المطلقة وهي تسود المجتمع... تسألني أين دور القانون الفطري؟...
يا سيدي هذه الحكمة هي القانون الفطري من التزم بها أصبح عنصر خير في المجتمع ومن لم يلتزم بها فله الجزاء الذي يستحق...
نعم كما تقول يا سيدي الموت … إذ ما الذي يدعوه لايذاء الآخرين أو سلب حقوقهم إذا كانت حقوقه مضمونة وليس هناك من يتسبب له بالأذى؟...
إن إنساناً كهذا لا بد أنه مريض!!!... ليس المقصود بالمريض هنا الشخص المعتل جسدياً... إنما المريض في نفسه وفي أخلاقه المرتكزة على تلك الحكمة...
وفي مجتمع تحكمه تلك الحكمة أو القانون لا مكان للمريض بين أبنائه … إنه دخيل عليه يا سيدي … ولضمان استمرارية سلطة هذه الحكمة... على المجتمع أن يتخلص من ادرانه أي من مرضاه …
نعم ياسيدي... إن ذلك صعب التحقيق كما تقول...
ولكن ما الذي يمنع كل الناس من الالتزام بها طالما وفرنا لهم أجواء المساواة في فرص العيش وفي تلبية الحاجات وفي كل شيء وكل وفق ما يقدم للمجتمع من فكر أو عمل أو جهد... عندها ستكون المنافسات الشريفة لأجل التفوق والإبداع...
وبذلك لا يكون هناك وجود لعقدة الامتياز وعندها سيتجه العقل كلية إلى الخير...
إذ ليس هناك ما يدعو لأن يفكراحدنا في مخالفة القانون الفطري...
أنت يا سيدي؟...
لو أن جميع حاجاتك ورغباتك الشخصية في متناول يديك ساعة تشاء هل ستوجه عقلك إلى التفكير في كيفية الحصول عليها؟...
أجل كما قلت يا سيدي... عندها سيخلو العقل من التفكير في كل هذا... وحيث لاوجود لبغض أو كراهية أو انتقام وجميعها مردها إلى الحاجات... عندها لا بد أن يتجه العقل إلى الخير والفضيلة لأن القانون الفطري ساهراً دائماً وأبدا...
يا سيدي إنني أتمنى... فقط أتمنى...
كنت أعيش في حلم وردي جميل … آه ليتني لم أفق منه طوال حياتي ... ليته كان حقيقة مطلقة... ليته كان...
هناك حقيقة يا سيدي تقول... أن النفس الإنسانية ميالة إلى الحرية... نابذة للعبودية... لأنه مع الحرية تكون الإرادة... ومع العبودية ينتفي وجودها...
القاك مساء اليوم حتما ياسيدي...
كما وعدتك... ها انا افي بوعدي والتقيك ثانية ياسيدي...
ذات يوم قابلت سيداً تخاله من العصور الوسطى... لا يزال يؤمن بضرورة تواجد العبيد في بيته... ما أضحكني يا سيدي أنه قال...
أن العبيد كأثاث البيت وأشياءه... لايمكنني الاستغناء عنهم ابدا...
سألته باستخفاف عن جريمة هؤلاء العبيد كي يعاملوا كصنف بشري أدنى... إذا افترضنا جدلاً وجود أصناف بشرية عليا ودنيا... لكنه لم يحر جواباً …
تأملت أحدهم ياسيدي... كان يحمل مظلة تقي سيده حرارة الشمس فيما هو يسبح بعرقه واقفاً تحت لهيبها بينما سيده يتحدث إلى أحد معارفه...
تألمت كثيراً يا سيدي لحال هذا المسمى عبدا... ولأن السيد على مرتبة إنسانية أعلى كما يتوهم أو يوهم نفسه... فإنه أقصى بعبده جانباً حين كان يسر لمحدثه بكلام لا يود للعبد الاطلاع عليه...
انتهزت هذه الفرصة لأسأل العبد عن حاله...
تصور ياسيدي... لقد قال كلاماً هز كياني واقشعر له بدني خجلاً ... قال أنا بائس فهم يعاملونني يا سيدي … وكرر كلمته هذه ثلاث مرات دون أن يضيف عليها اية كلمة اخرى...
استغرب الأمر فهونت عليه وقع سؤالي الذي جرح مشاعره وثلم كرامته على ما أظن... ولشغفي في المزيد من المعرفة عما يخالج هذا الإنسان … رفضت ما قال... ناداه سيده فهرع إليه مهرولاً وهو ينحني حتى كاد يقبل التراب من تحت حذاء سيده...
أي خنوع وأي خضوع هذا ؟...
ما لبث أن عاد ليقول لي بعد ان ابعده سيده عنه ثانية...
نعم أنا مجرم بجرمين اثنين...
أولهما أنني ولدت أسودا...
وثانيهما أنني لم أختر ولم اقرر رغم انني عبد لايحق لي الاختيار... لكن كان بامكاني ان افكر واقرر في نفسي... وان اختار متمردا فاما الانعتاق وإما الموت... وكلا الحالين أهون على نفسي...
لكن الجريمة الكبرى ياسيدي... الجريمة التي لن أغفرها فهي جريمة أبي... فما الذي يدعوه للإنجاب طالما انه يعرف سلفاً أن أبناءه على خطاه في العبودية سائرين...
هل من اجل لحظات لذة خرقاء اتى بنا الى هذا العالم؟...
هل يريد أن يقذف بالمزيد من المعذبين إلى هذه الأرض؟...
لذلك فقد قطعت عهداً على نفسي ألا أتزوج ما حييت...
وتصغر جريمة أبي يا سيدي... ولا زال الكلام له... إذا كان هو أيضاً مجني عليه...
هنا لم أعد أطيق سماعاً فقاطعته...
ومن المجرم اذن؟...
قال جدي... وتصغر جريمته لتكبر في جد ابي...
هكذا يكون المجرم الأول والأكبر هو جد العبيد...
هنا استشطت غضباً ياسيدي... فقد أوقعني في حيرة فكرية رهيبة...
قلت له من المجرم الحقيقي ؟...
أجابني وهو يولي الأدبار نحو سيده...
القدر والمجتمع...
عندها أراح فؤادي فقد اتفقت معه أخيراً يا سيدي...
اتركك الان كي تنام فقد قارب الفجر على الانبلاج...
اراك بخير ياسيدي...
لا أدعي جزافاً أن الكتابة إلهام كما قلت ياسيدي ... فجر هذا اليوم وانت تودعني امام باب بيتكم...
لكني أقول ذلك لكوني غير قادر على الكتابة وقت اشاء...
يا سيدي تمر بي حالات أعجز عن الوصول إلى حقيقتها تدفعني للكتابة شئت ذلك أم أبيت...
لا أجد نفسي إلا في الكتابة... لست أهزأ ببعض الكتاب الذين يرسمون الخطوط العريضة لعملهم الأدبي قبل شروعهم في الكتابة... بل أجد نفسي أجلهم وأحترمهم كغيرهم... فهم كتاب كبار يطوعون الكلمة لخدمة الفكرة وليس العكس...
لا بد لك يا سيدي من ملاحظة البون الشاسع بين هذا الصنف من الكتاب...ليس من حيث القيمة الجمالية أو التقدير والاحترام للكاتب وعمله... وبين الصنف الاخر من الكتاب الذين تطرق خيالاتهم الأفكار فيما تراهم يستغرقون في ترتيب الكلمات السود... أي أن الفكرة تولد أثناء الكتابة... وهؤلاء أقرب إلى الشعراء من غيرهم...
لأن الفكرة مولودة من الكلمة...
كذلك يا سيدي... فإن هؤلاء الكتاب يلعب عنصر الموهبة لديهم الدورالأكبر في صناعة العمل الأدبي... أي أنهم ليسوا حرفيين...
أن هؤلاء يكتبون حالما تتملكهم حالة الإلهام ، تسألني ما الذي يعنيه هذا يا سيدي؟...
يمر الإنسان بحالات من الشعور بالتخمة الفكرية... عشرات الأفكار ومئات الكلمات تحتبس في صدره مما يؤدي به إلى حالات من الاكتئاب تتوقف قوتها على عمق الحس لديه... أي رهافة حسه كما قلت يا سيدي... وأيضاً على مستواه الثقافي واتجاهه وتطلعه ونظرته إلى المستقبل وطموحه وأخيراً على وضعه النفسي... سأقول لك كيف يتخلص منها يا سيدي...
البعض منا يتخلص منها بالحديث عنها مع نفسه...
البعض الآخر بالتحدث والإفضاء بها إلى صديق حميم...
أما الكتاب يا سيدي... فهم مبتلون بالخواطر التي تجيش في صدورهم... ليس من السهل عليهم التخلص منها عن أحد الطريقين المذكورين... بل لا بد لهم من إفراغ هذه الشحنات على الورق من خلال أناملهم وما تطرز...
تقول ليس في الأمر من صعوبة يا سيدي؟...
أنا لست كاتباً على الإطلاق ... ولكن أنا أملك بعض إحساس الكاتب... حتى الآن ملأت المئات من الصفحات بالقصص القصيرة والرواية والخاطرة وليس المهم لدي نشرت أم لم تنشر... وليس مهما ان نامت على الرفوف او التهمتها النيران او حتى لو كانت حاويات القمامة ملاذها الاخير...
لكن لا بد أن أكتب ياسيدي... وكثيراً ما ساورتني الشكوك بأن حالتي هذه حالة مرضية...
لم تفهم بعد يا سيدي ؟ !!!...
قررت ذات يوم ألا أكتب مهما كان الأمر... وبالفعل تمكنت من الصمود أيام معدودة...
ازدادت أحاسيسي بالانقباض والضيق حتى سئمت نفسي وكرهتها وأضجرت بذلك أصدقائي... اذ ليس من المعقول أن يحتمل الآخرون دوماً مزاجك العصبي...
نعم كما تقول يا سيدي... حينها لم أحسن التعامل مع اصدقائي... حتى أنني لم أحافظ على ذات الصورة التي يحتفظون بها عني...
عدت أفرغ شحناتي وهمومي على الورق حتى عدت إلى ما كنت عليه...
عندها أيقنت بأن الكتابة هم وعادة... نعم يا سيدي .. إنها عادة من العسير على الكاتب الإقلاع عنها...
ارجوك ياسيدي ان تتركني عدة ايام ازور بها العاصمة... واعدك ياسيدي بانني ساواصل الحديث معك عن نفس الموضوع فور عودتي...
وداعا ياسيدي... وارجو ان تقبل اميرتي الصغيرة احس بشوق لسماع تاتاتها ولكنتها المبهمة المحببة الى نفسي...
أرجوك سلفاً يا سيدي... لا تتهمني بالغرور ولا تسيء فهمي فيما سأرويه لك الان...
وانا في غرفتي الصغيرة بالفندق الشعبي... حرارة الطقس اقسى من ان تحتمل دون اية وسيلة للتكييف...
صدقني ياسيدي... ان انشغالي بما حملته معي من كتابات انستني تلك الحرارة الجهنمية... واكتشفت انني في بعض الأحيان حين عودتي إلى كتاباتي بعد الانتهاء منها مباشرة... لا اصدق نفسي بأنني قد كتبت هذا... بل أخاله شيطان الكتابة هو صاحب تلك السطور...
أقول ذلك من وجهة نظري الشخصية خدمة للحقيقة ليس إلا …
لندع موضوع الكتابة المضجر جانباً يا سيدي... فلدي طبخة شهية ومتعبة في آن الوقت...
سأقدمها لك باردة كما يقدم اليابانيون الشاي... للكن رائحة الخمرة الصينية الحارة تفوح منها...
ليس في الأمر تناقض ياسيدي... للكن الموضوع في أساسه عبارة عن جملة متناقضات شكلت وحدة متجانسة لتعبر عن القانون في حالة من حالاته...
آه من القانون يا سيدي... السجناء دخلوا زنزاناتهم تحت طائلة القانون... في داخل تلك الزنزانات تجد ما يشيب له الرأس الأسود الفاحم هولا...
هناك مجرمون حقيقيون وهذا اعتيادي بل ومطلوب... لكن هناك مجرمون من وجهة نظر القانون وأؤلئك يا سيدي هم المجرمون الأبرياء …
نعم يا سيدي لا بأس أن نطلق عليهم تسمية كهذه طالما أنهم كذلك في حقيقة الأمر...
عذرا للغة فقد ضمت المصطلحين في عبارة واحدة ... ولكن لاتستغرب الامر ياسيدي...
ساروي لك حادثة غريبة اشترك في رسم خطوطها العريضة... القدر... الموافقة... وسوء طالع صاحبها...
في احدى الأمسيات كان صاحبنا يتنزه كعادته في حديقة عامة تقع حذاء لشاطىء النهر...
قبل دقائق وقعت جريمة قتل... فاعلها إنسان شرير وأداتها خنجر مسموم...
الدم لا يزال ينزف من المجنى عليه... جلس صاحبنا مذهولاً عند الجثة لا يقوى على شيء...
دقيقتان مرتا حين التفت صاحبنا ليجد شرطياً يخرج من بين الأشجار كأنه شيطان مارق أو شبح مخيف... دون وعي لابعاد قراره فرّ صاحبنا مذعوراً...
هرول الشرطي خلفه حتى تمكن من الإمساك به...
القاتل الحقيقي لم يتم التعرف عليه إطلاقاً والقانون دائماً يتشبث بخيط مهما كانت هنته ليصل إلى المجرم الحقيقي عن طريق الأدلة والقرائن والشهود...
حيث لادليل ولا شاهد ولا قرينة ضد المجرم الحقيقي...
ألبسوا رداء الجريمة روح صاحبنا ولم يجد إنكاره مع القانون نفعا... فكان وكانه قد أمسك بالجرم المشهود... كان فراره من رجل الشرطة أقوى الأدلة المنطقية من وجهة نظر القانون... حكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً لا بجريمة ارتكبها ولا بذنب اقترفه سوى أن القدر ساقه إلى ذلك المكان في تلك اللحظة لكي يرتكب جريمة بحق نفسه وبحق القانون الذي أثبت من وجهة نظر صاحبنا على الأقل عجزه عن الوصول إلى الحقيقة...
أثبت إدانته لإنسان بريء وعلى إيمان مطلق ببراءته لأنه وحده الذي يعرف حقيقة نفسه كاملة …
أليس هذا مجرماً بريئاً ؟...
تقول نعم يا سيدي … حسناً سأروي لك كيف جاء القدر ليصنع بعد أربع سنوات أمضاها مجرمنا البريء في دياجير ظلام السجون...
استعار رجل بائس لاعلاقة له بالامر من قريب او بعيد...
استعار هذا ضمير المجرم الحقيقي ليدلي بشهادته وهو بكامل قواه العقلية أمام المحكمة ليدخل السجن وتبرأ ساحة صاحبنا ويحكمون له بتعويض مادي جراء الضرر الذي لحق به...
ولكن أي مال يمكن أن يساوي أربع سنوات في السجن تحت آلام الشعور بالظلم والعجز القاتل عن رفع الظلم؟...
كما تقول يا سيدي... لا أظن أن أموال الدنيا تنصف بريئاً عومل كمجرم بما تعنيه الكلمة من معنى طوال هذه السنوات... ولكن يا سيدي دعني ألوم صاحبنا قليلاً... هناك اللحظة الحاسمة... هذه اللحظة التي تنكشف فيها الحجب عن المرء ليتخذ القرار الصائب …
لو أنه وقف إلى أن جاءه الشرطي لهان الأمر ولكانت المحكمة قد شككت بادىء الأوان بكونه هو المجرم...
لاعليك يا سيدي... ليس كل المجرمين بلهاء بل أن الغالبية العظمى منهم أذكياء بل واذكياء جداً …
كثير من المجرمين يعمد الى تضميد جراح ضحيته بدافع إنساني كما يبدو للآخرين... ولكن في حقيقته دافع لابعاد الشبهة عنه … هكذا يجعل المحكمة تشكك في صاحبنا وتستجوبه كمتهم بالقتل ولكن في النهاية لا خوف عليه كما أن صاحبنا تصرف بما يجافي القيم الإنسانية … قد ينقذ حياة الضحية لو استمر في تضميده حتى وصول الشرطي ليأخذ دوره أيضاً … ولكن هربه من مسرح الجريمة جعل الشرطي يلاحقه لاعتقاد الأخير أن واجبه الأساسي هو الإمساك بالمجرمين وتناسى أن يكون واجبه الأسمى هو خدمة الإنسان...
لقد حرمت الضحية من فرصة الانقاذ والاسعاف على يد صاحبنا وعلى يد الشرطي ايضا...
على كل حال يا سيدي … لم يستثمر صاحبنا اللحظة الحاسمة الصالحة …
اللحظة الحاسمة هذه هي الفاصل بين صاحبنا المجرم من وجهة نظر القانون والمقصر من وجهة نظر الإنسانية... وبين صاحبنا البريء من وجهة نظر القانون والمنصف للقيم الإنسانية...
إذن اللحظة الحاسمة تومض في العقل لتنير الطريق أمام الإنسان … وتبقى قدرة هذا الإنسان وتصميمه على جعلها تومض ومدى درجة وميضها... وكل هذا يقع على عاتق الإنسان ياسيدي...
أما إذا تخطينا حدود الموضوع... فأنا أكاد أجزم بأن لكل متناقضين لحظة حاسمة تفصل بينهما...
الحب والكراهية...
السعادة والشقاء...
الألم واللذة...
في أدنى درجات الإحساس بالألم تكون اللذة في أدنى درجات الإحساس بها أيضاً... لو تطور الإحساس بالألم لدينا أكثر من تلك الدرجة درجة حسية واحدة باتجاه اللذة إذا افترضنا جدلاً إمكانية تقسيم الإحساس إلى درجات حسية ... لكنا قد أصبحنا أيضاً في أدنى درجة حسية للذة والفاصل بين هذه الدرجة الحسية الدنيا قبل تخطيها في الألم وبين الدرجة الحسية الدنيا قبل الوصول إليها...
اللذة عبارة عن لحظة وهذه هي اللحظة الحاسمة وتبدأ الصعود في سلم الاحساس باللذة حتى تصل إلى الدرجة الحسية العليا للذة...
وما أن نتجاوز هذه الدرجة الحسية حتى نكون قد وصلنا إلى أقصى درجة حسية من درجات الألم وتكون الفاصلة بين الدرجتين الحسيتين هي اللحظة المطلقة...
هكذا يبدو كل متناقضين وحدة واحدة كلية تنقسم إلى مرحلتين ويدور الإحساس ضمن محيط هذه الدائرة ويصل في أقصى حالات التناقض إلى أقصى حالات نقيضه... وفي أدنى حالاته إلى أدنى حالات النقيض...
تصبح على خير وقد ظللت افكارك وشتت رؤيتك للامور في هذا الحديث المتناقض المتعب فكريا...
عذرا لك ياسيدي...
طاب مساؤك ياسيدي...
ارجو ان لاتفرض علي ّ الليلة موضوعا ما... فلدي ما أريد قوله...
لا تستعجل الأمر يا سيدي... ليس هذا ما اريد قوله ياسيدي...
بل اريد ان اقول لك... حين يتطور الإنسان صعوداً في درجات الإحساس باللذة إلى أقصاها تتسامى هذه الأحاسيس لتتحول إلى الإحساس بأقصى درجات الحس بالنقيض...
لكن اللحظة المطلقة تستمر لأكثر من درجة وأكثر حتى تعود إلى ذات النقطة التي بدأ فيها التطور صعوداً بالنسبة للذة ونفقد الإحساس بالألم ... وهكذا الحال بالنسبة للألم وبالنسبة لكل نقيض...
حين يتطور الإنسان نزولاً في درجة إحساسه باللذة فإنه سيصل الى الألم ماراً باللحظة المطلقة دون أن يحس بها...
كلا يا سيدي أنا لا أقصد أن الصعود هذا كما تقول تسلق أو ارتقاء جبل أو ما شاكل ولا أقصد بالنزول هنا هبوط دركات السلم أو هبوط وادي... بل أقصد أن الإحساس يمر عبر درجات الحس بصورة إيجابية... أي كدوران عقرب الساعة على سبيل المثال والعكس صحيح...
وهو ما نطلق عليه الإحساس السلبي... أي هناك نقيض إيجابي وآخر سلبي وهذا يعتمد على الشعور والإحساس بالنسبة للمرء وهو يختلف من واحد إلى آخر...
قد يرى أحدنا أن اللذة إحساس إيجابي... وقد يرى آخر وخاصة ممن يدعون إلى تسامي الغرائز واللذات انها إحساس سلبي...
ويرى احدنا ان الالم احساس سلبي ... وقد يرى اخر وخاصة من البوذيين والمتصوفين ... ان الاحساس بالالم احساس ايجابي يعبر لديهم عن التضحية والتطهير من أجل الله مثلاً ( أي من أجل مثلهم العليا )...
على العموم فلكل منا تفسير يرتأيه وفق فلسفته ومبادئه وقيمه...
آه … عذراً يا سيدي... لقد أطلت عليك فالساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً ولا أرى أننا قلنا شيئاً … تصبح على خير... ولكن قبل أن تقول وأنت بخير أريد لك سماع الآتي دون نقاش يا سيدي... رغم كل مشاعر الإحباط والفشل ورغم أن الدنيا سوداء مظلمة في عيني ورغم كل شيء فأنا لست حزيناً على ذلك بل أنا حزين … حزين حد الموت فقد فقدت روحي حين فقدت القدرة على الإحساس بالألم … إذ ما قيمة اللذة بدون الم ... أظن لا قيمة لها ولا لي...
اشعر بأنني فقدت إنسانيتي حين فقدت الإحساس بالألم … فالسعادة في الحياة لا تستقيم بلا ألم …
إنه الضياع الإنساني الرهيب حين مات الألم إنني اشعر يا سيدي بالتعاسة والمآساة فقد فقدت جمال الحياة حتى يعود لي الإحساس بالألم...
على كل حال أقول ثانية تصبح على خير ...
وقد يكون هذا لقاؤنا الاخير فانا اوشك على مغادرة هذه الدنيا الى دنيا اخرى قد تكون اجمل وقد لاتكون...
اكرر وداعي الاخير لك ياسيدي... وقد اكتب لك من هناك اذا كان هذا ممكنا... اتمنى ان يكون ممكنا ياسيدي...
رائد الحامد








