مـــركـــز بـغـــداد للدراســـات والاستـــشـــارات
مدونة مركز بغداد للدراسات والاخبار والتقارير والوثائق التي تتعلق بالشأن العراقي وتقديم الاستشارات لمن يطلبها
ماذا بعد انتخابات التجديد النصفي تغير في الاستراتيجيات ام في التكتيك

ما بعد انتخابات التجديد النصفي

تغير في الاستراتيجيات أم التكتيكات

 

رائد الحامد 22/11/2006

لن ننسحب قبل إتمام المهمة ، عبارة كثر ترديدها على لسان أكثر من مسؤول أمريكي ، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي ، ولكن ما هي هذه المهمة ؟

المراقب للسياسات الأمريكيّة منذ وضع مشروع تحرير العراق موضع التنفيذ مروراً باحتلال العراق وحتّى اليوم يلاحظ شكلين من أشكال المهمة : أحدهما معلن ينادي باستبدال الأنظمة الديكتاتورية بأنظمة ديمقراطية تحترم الحريات وحقوق الإنسان ، وفق مفاهيم التنمية البشرية في نشر الديمقراطية وشيوع المعرفة وتمكين النساء لعموم دول الشرق الأوسط.. والآخر غير معلن بصورة مباشرة يتمثل في وضع المصالح  الحيوية الأمريكيّة العليا فوق كلّ اعتبار ، ويتلخص في تحقيق أمن إسرائيل والسيطرة على الثروات النفطية ، وتأمين خطوط نقل الطاقة العالمية ، والقضاء على الإرهاب وفق الفهم الأمريكي ، وليس وفق فهم القوى التي تقف في وجه مشروع الشرق الأوسط الكبير كجزء من المشروع الأمريكي.

كان واضحاً تركيز الإدارة الأمريكيّة في هذا الجانب على إعادة صياغة التحالفات الإقليمية في المنطقة لإخراج الأنظمة والحركات المعادية لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل خارج معادلة الفعل ، ويأتي احتلال العراق خطوة في هذا الاتجاه ، وفي المقابل إعادة صياغة سياسة أنظمة الحكم الأخرى بما يتفق مع ما تريده الولايات المتحدة أو تنادي بـه كالإصلاح السياسي والحريات وحقوق الإنسان ، وهذا لا يعني بالضرورة جدية مسعاها ، فالمهم لديها هو ما تقدمه هذه الأنظمة من خدمات تصب بالتالي في خدمة أهدافها الحيوية .

يمكن أن يكون العراق منطلقاً لرسم شرق أوسط جديد وفق ما يريده المحافظون الجدد في وضع حدود لكيانات سياسية وفق أسس يريدون اعتمادها كالدين والعرق والمذهب حسب نظرية عدم إمكانية التعايش للمجتمعات المتباينة دينياً أو قومياً ضمن مكوناتها في حدود كيان سياسي واحد .

بناء على ما ورد يمكن تلخيص الإستراتيجية الأمريكيّة في المنطقة في تحقيق هيمنة عسكرية واقتصادية وأمنية وسياسية كاملة بالشراكة مع إسرائيل ، ودفع الأنظمة جميعاً إلى الدوران في فلك السياسة الأمريكيّة وخدمة أهدافها ، أي جعلها تحت الوصاية الأمريكيّة إضافة إلى ضرب خيار مقاومة الاستراتيجيات الأمريكيّة وفق مبدأ الحرب على الإرهاب .

وعودة إلى المهمة الأمريكيّة في العراق ، فهي متغيرة ومتجددة تبعاً للواقع الذي تفرضه المقاومة العراقيّة التي تصدت للاستراتيجيات الأمريكيّة ووضعت العراقيل في طريقها بل وأفشلت معظم الخطوات التي يرى صانعوا القرار الأمريكي أنّها تقرّبهم من تحقيق أهدافهم ، ويبقى أنّ الإدارة الأمريكيّة لم تحدد بالضبط ما هي هذه المهمة ، بل نرى أنّها مرت بعدة مراحل سبقت وأعقبت الاحتلال ، فكانت نزع أسلحة الدمار  الشامل وإسقاط النظام الذي يهدد جيرانه ، ثمّ تحقيق الديمقراطية ، ثمّ القضاء على الإرهاب ، والآن البقاء حتّى تتمكن القوات العراقيّة من السيطرة على الوضع الأمني وتمكنها من القضاء على الإرهاب ، أي إلى أن تمتلك القوات العراقيّة القدرة للحلول تدريجياً في الحرب كبديل عن القوات الأمريكيّة ، وهذه السياسة في بناء القوات العراقيّة يفسّر السرّ في احتياجها لهذه الفترة الزمنية الطويلة ، لأنّ المهم لدى الإدارة الأمريكيّة بقاءها حسب عقيدة محاربة الإرهاب لتكون مستقبلاً رأس الحربة في خدمة المصالح العليا للولايات المتحدة وليس العراق .

يمكن اعتبار الانتخابات النصفية التي جرت في السابع من الشهر الحالي منعطفاً مهماً في سياسة الإدارة الأمريكيّة في العراق ، إذ شهدت فقدان الحزب الجمهوري للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ ، أي أنّ الرئيس الحالي سيمضي السنتين القادمتين في البيت الأبيض في ظل أقلية جمهورية ، ووسط استياء شعبي أمريكي وعالمي حيال سياسته في العراق.

 ضمن السياسات الإستراتيجية الأمريكيّة أدخل الرئيس بوش سياسة إستراتيجية النصر في العراق ، وهي التي لم يتمّ الأخذ بها مأخذ الجد من قبل الآخرين خارج الولايات المتحدة ، خاصّة وأنّها سبقت الانتخابات النصفية بأسابيع قليلة ، وهي في حقيقتها تستهدف إنقاذ شعبية الرئيس بوش التي تدنّت إلى أدنى مستوياتها في تاريخ رؤساء البيت الأبيض ، بسبب عدم وجود رؤية واضحة أو إستراتيجية عسكرية وسياسية لإدارة عراق ما بعد الاحتلال بعد تدمير مؤسساته وبناه التحتية ، مما أدى إلى فشله في خلق عراق قادر على الوقوف على قدميه ويحكم بأيدي شعبه ، بل جعل من العراق ساحة صراع مفتوحة بين الولايات المتحدة وبين الإرهاب ، مما خلق منه بؤرة انطلاق لمزيد من المجندين الجدد لتنظيم القاعدة حول العالم ، ويبقى أنّ عدم الانسحاب من العراق خلال سنين قادمة هو الثابت الاستراتيجي الأساس للسياسة الأمريكيّة في العراق بذريعة الخشية من تحول العراق إلى ملاذ للإرهابيين والمتطرفين ، أو وقوع العراق في أتون فوضى عارمة وحرب أهلية قد تهدد استقرار دول الإقليم .

ويخطئ من يعتقد بوجود خلاف جوهري في الرؤية بين الجمهوريين والديمقراطيين حول الأهداف العليا للسياسة الأمريكيّة في العراق والمنطقة ، وإن كان ثمة ما يطفو على السطح فهو يدخل في باب الحملات الانتخابية والمناقشة السياسية بين الحزبين للحصول على أكبر عدد من أصوات الناخبين في انتخابات الكونغرس الأخيرة ، ولكن قد تشهد السياسة الأمريكيّة في العراق تغييراً في الأساليب والآليات أي في ما يعرف بالتكتيك فيما تبقى الاستراتيجيات الأمريكيّة دون تغيير ، ويمكن أن نختم بما يمكن أن نشهده من تغييرات في السياسات الأمريكيّة وليس في الأهداف بما يلي :

- اهتمام أكبر بدور المؤسسات الدوليّة وفي مقدمتها الأمم المتحدة التي ظلت خارج دائرة الفعل طيلة السنوات الست من حكم الرئيس بوش.

- التقليص من سياسة اللجوء إلى الحروب الاستباقية أو الوقائية.

- التخفيف من حدة الضغوطات على سوريا وإيران مقابل أن تلعبا دوراً ترى الولايات المتحدة قدرته على الدفع باتجاه الحدّ من الفوضى الأمنية في العراق .

- إعطاء الحكومة العراقيّة الحالية أو التي ستخلفها المزيد من الصلاحيات خاصّة في الملف الأمني للتخفيف من الخسائر التي تتكبدها القوات الأمريكيّة لمنحها المزيد من حرية الحركة والمناورة باتجاه تحقيق الأهداف الحيوية العليا للولايات المتحدة .

- احتمالات تقليص دعم الولايات المتحدة للحكومة الحالية وتركها تواجه مصيرها بعد أن أثبتت عدم قدرتها على الإيفاء بوعودها خلال الأشهر الستة الماضية بتحقيق الاستقرار أحد أهم عوامل نجاح مشروع الاحتلال ، واحتمال التفكير الجدي بحكومة بديلة خاصّة بعد أن يتمّ الإعلان عن توصيات لجنة بيكر التي يعتقد اعتمادها مستقبلا في إدارة الأزمة بالعراق .

- الاتجاه أكثر نحو الحل السياسي في العراق بعد قناعة الإدارة الأمريكيّة بفشل الحل العسكري ، وهذا ما عبرت عنه جولات اللقاءات المستمرة مع أطراف من المقاومة العراقيّة وأطراف سياسية خارج العملية السياسية .

- إعادة النظر في تحالفات الولايات المتحدة مع القوى العراقيّة خاصّة تلك التي تحالفت معها قبل الاحتلال وشاركتها مشروعها بعد الاحتلال .

- إعطاء دور سياسي أكبر للعرب السنة في السلطة في محاولة لاستمالة أطراف مقاومة يعتقد أنّها تمارس عملها احتجاجاً على ما تراه تهميشاً لدورها في صياغة مستقبل العراق .

- العمل الجدي على حلّ المليشيات كضرورة آنية ملحة من وجهة نظر كلا الحزبين .

ويبقى أنّ مشروع الاحتلال قد فشل وفق كلّ المعايير على يد المقاومة العراقيّة بدءاً من الخسائر البشرية المتصاعدة مروراً بارتفاع تكلفة الحرب إلى مئات المليارات من الدولارات وانتهاء بالفشل السياسي وفقدان الولايات المتحدة لهيبتها .

 

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
مربع اشتراك لصفحتك على الويب مجموعات Google اشتراك في كلنا للعراق البريد الإلكتروني: زيارة هذه المجموعة
مجموعات Google
اشتراك في كلنا للعراق
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة