تساؤلات لم يحن وقتها بعد !!
رائد الحامد
كنا عدة أصدقاء تضمّنا غرفة صغيرة باردة في بيت أحدنا ، لا يجمعنا سوى عراقيتنا وفانوس كئيب ومذياع صغير يضيع صوته بين هرجنا في أغلب الأحيان ، كانت الغرفة تضمّ عادة بين خمسة أشخاص إلى ثمانية ، ومنذ الساعات الأولى للاحتلال الأمريكي ، كان محور حديثنا دائماً : هل ستنطلق مقاومة عراقية شبيهة بالمقاومة الفيتنامية أو الفرنسية أو الجزائرية أو الثورة الفلسطينيّة ؟، أم ستكون مقاومة لها خصوصيتها ولا تشبه غيرها ، أم أنّها ستكون شبيهة بالعمل الفدائي الفلسطيني الذي كان يضمّ عرباً من مختلف الأقطار؟ ، وكانت عملياته تشدنا إلى البي بي سي ، رغم أنّ أكبرنا سناً لم يكن قد بلغ حينها الخامسة عشرة.
في تلك الجلسات كنا نختلف على كلّ شيء إلاّ على عدم مقاومة الشعب العراقي أو ترحيبه بالاحتلال ، وإن أسماه أحدنا تحريراً ، تراجع بعد ذلك ليصرّ على تسميته تغييراً ، لم يكن بيننا من يحمل توجهاً فكرياً متفقاً مع الآخر ، فهذا بعثي فقد السلطة ولم يكن بعثياً بل كان حزبياً ، وهذا بعثي كان بعثياً وظلّ بعثياً ولا أدري هل استمر أو سيستمر ، وهذا ناصري حكم عليه بالإعدام وأفرج عنه ، وهذا قومي يصف نفسه بأنّه ناصري مستقلّ ، وهذا من الأخوان المسلمين قبل أن يظهر الحزب الإسلامي العراقي ليكون واجهته فيما بعد ، حيث أمضى فيه ربع قرن ، وكان أحسن حالاً في علاقته مع النظام وفي وضعه الوظيفي والاجتماعي من الكثير من البعثيين ، وهذا شيوعي تائب عن عدائه للقومية العربيّة ، حتّى بدا وكأنه قوميٌّ وعروبيٌّ أكثر من القوميين أنفسهم ، وآخر منا لا يحمل فكرا دينيا أو دنيويا ، لكنه ملتزم بأداء الفرائض ، وآخر تاجر يفكر فقط في هل أنّ وجود مقاومة مستقبلاً سيؤثر على العمل التجاري والكسب المادي؟، وكانت صدمته كبيرة حين استخلص بنفسه من خلال ما سمع ، بأنّ المقاومة ستؤثر على عمله التجاري ، وفي تلك الليلة قرّر التفكير في تصفية حساباته وترك العراق للعمل في بلد عربي مجاور أكثر أمناً ، وكان يتردد إلى مجلس سمرنا أيضا ً ، رجل مشغول بأبنائه الثلاثة عشر، خاصّة طفلته ( بغداد ) التي رأت النور في الخامس من نيسان 2003 .
ما يعنينا هنا أنّنا اتفقنا باكراً على انطلاق مقاومة عراقية مبكرة ، لكن ليس منا من توقّع انطلاقتها خلال أقلّ من أربع وعشرين ساعة على الاحتلال ، حيث شهدت مدينة حديثة في محافظة الأنبار عملية ضد آلية أمريكية ظهر العاشر من نيسان 2003 ، لكننا اتفقنا على خذلان الأنظمة العربيّة لها ، واتخاذها إجراءات قاسية تحول دون ممارسة المواطن العربي حقه في الدفاع عن أبناء أمته ونصرتهم ، وحقه في قتال المحتلين على أرض العراق ، واتفقنا أيضاً على أنّ المقاومة ستكون خطّ الدفاع الأول عن الأقطار العربيّة التالية على قائمة الاستهداف ، ولم نتفق على نجاحها في عرقلة المشروع الأمريكي الوافد مع الاحتلال ، وخاصّة صديقنا من الأخوان المسلمين ، والآخر الذي وصف نفسه بأنّه ناصري مستقل ، فيما لم يبدِِ التاجر رأياً في الأمر ، إذ كان مشغولاً عنا في تدبير أمر رحيله عن العراق ، وحيث لم نتفق على هذا ، فإنّنا لم نتفق أيضاً على هويتها ، رغم أنّ أربعة منا على الأقل اتفقوا على أنّها ستكون وطنية الهوية ، فيما رأى آخرون أنّها ستكون بعثية ، لأنّ البعثيين هم أصحاب القاعدة الجماهيرية العريضة لأكثر من ثلاثة عقود ، ولأنّهم كوادر الجيش والأمن والدولة والتعليم ، ورأى آخرون بأنّها ستكون إسلامية لأنّها بحاجة إلى أرضية فكرية ينطلق منها المقاومون مغايرة لما جرّبها العراقيّون خلال حكم البعث الذي فقط السلطة مع الاحتلال ، وأجمعنا على عدم مشاركة الأكراد فيها ، لكني لا أتذكر ما الذي أوصلنا إلى ذلك الإجماع ، في حين لم نتطرق إلى مشاركة السنّة فيها كسنّة أو الشيعة كشيعة .
لم تكن الأسابيع التي تلت الاحتلال تسمح باستمرار جلسات السمر ، إذ بدأت قوانين حظر التجوّل تأخذ مداها من الخيط الأسود إلى ما بعد الخيط الأبيض بساعات ، فتحوّلت لقاءاتنا إلى ثنائية أو ثلاثية عابرة ، وأحياناً في أحد المقاهي بين ضجيج ضاربي النرد وأصوات مولد الكهرباء المركون عند باب المقهى ، ومع ذلك كنا نستذكر رهاناتنا وتوقعاننا ، خاصّة فيما يتعلّق بوقوف جدي لقوى التحرّر العربيّة والإسلاميّة في الوطن العربي إلى جانب المقاومة العراقيّة على اعتبارها فرصة تاريخية لها ، كحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين وحزب الله في لبنان وعلى اعتبار أنّ العدو واحد والمشروع واحد ، وبديهياً أن تكون المقاومة واحدة . ولم نكن نفقه عن تنظيم القاعدة ما يجعلنا نعول عليه أكثر من قولنا ، هل سيقف أسامة بن لادن إلى جانب المقاومة العراقيّة ؟، وكما لم نتفق على وقوف المذكورين من عدمه ، فإنّنا لم نتفق أو نراهن على التعاطف الشعبي المقرون بالفعل للشارع العربي أو المسلمين في العالم ، وكان التشاؤم هو الأقرب إلى تفكيرنا وقناعاتنا ، وهكذا كان.
ما يتعرّض لـه لبنان الآن ليس بعيداً عن موضوعنا ، وهو بالتأكيد يفوق قدرة الإنسان على الوصف ، بلد قطعت شرايينه الخمسة ، المطارات والمرافئ والمصارف والاستثمارات والسياحة ، وذبح من الوريد إلى الوريد ، أكثر من ألف شهيد وآلاف الجرحى وأكثر من مليون نازح ، عبر الهاتف الدولي الجوال قال لي أحد الأصدقاء من ضاحية بيروت الجنوبية في اليوم التاسع من العدوان الصهيوني ، صدقني أنّ جثثاً لنساء وأطفال بلا رؤوس ، وإنّ أشلاء أهلنا تختلط بالحجر ولا نميّز بين يد من هذه ؟ ورأس من هذه ؟، صدقني إنّ ما يقال وما تراه في وسائل الإعلام لا يعكس ما نسبته عشرة بالمائة من حجم الدمار الحقيقي ، لقد فاق دمار الصهاينة خلال هذه الأيام ما دمّرته الحرب الأهلية خلال خمسة عشر عاماً .. لكن الحمد لله معنوياتنا عالية ، وإجماعنا على الصمود والتصدّي إجماع مطلق ، وختم : قرأت هتلر وأمثاله لكن أولمرت وبوش والحكام العرب أكثر إجراماً منه ، قال هذا معتبرا أو هكذا بدا لي.
مع كلّ المرارة التي أحسستها في كلام صديقي البيروتي ، إلاّ أنّني وأنا أتابع حملة التبرعات على فضائيات الإمارات العربيّة يوم الجمعة ، وما يشهده الشارع الشعبي في مصر وغيرها ، أجدني في أمل جديد بأنّنا لا زلنا بخير ، وأنّ شرق أوسط رايس الجديد سيبدأ ولكن بمعايير مغايرة لما تريده سمراء البيت الأبيض .. وأنّ ذلك التعاطف لابدّ أن يثمر آليات عملية تفعّل خيار الأمة في مقاومة أعدائها ، وفي كسر خذلان أنظمتنا وإرغامها على اتخاذ مواقف تعكس رغبات أبناء أمتنا الحقيقية . وتساءلت لماذا لم تحظ َ المقاومة العراقيّة بمثل هذا التعاطف والدعم الشعبي ، رغم أنّ العدوّ واحد في فلسطين ولبنان والعراق ، ولماذا كل ّ النشاطات لنصرة المقاومة في فلسطين ولبنان ، ولدعم الشعب العربي في فلسطين ولبنان ، وتساءلت: أين المقاومة العراقية ، وأين الشعب العراقي؟، وصرت أسترجع ما قاله قبل ثلاث سنوات صديقنا الناصري المحكوم بالإعدام ، المهمّ أولاً وثانياً وثالثاً : كيف للمقاومة العراقيّة إذا انطلقت أن تكتسب شرعيتها وتحافظ عليها ؟، وكيف لها أن تحظى بالتعاطف الشعبي العربي والإسلامي المطلوب ؟، لا أخفيكم مدى الرعب الذي أعيشه الآن ، وأنا أتساءل مع نفسي : كيف ينظر المواطن العربي للمقاومة العراقيّة ؟، وهل باتت الحاجة ملحّة وعاجلة لأن يكون لها مكتباً أو مجلساً سياسياً يتولى مهمة التحرّك لحشد الدعم السياسي والمالي المفقود؟، وهل ستبقى المقاومة العراقيّة هي المقاومة الوحيدة اليتيمة عبر التاريخ التي لم تتلقََّ دعماً من أحد ؟!!، وهل الشعب العربي في العراق أصبح الآن خارج اهتمام أبناء أمته في الأقاليم الأخرى؟ تساؤلات قد تبدو في غير زمانها لكنها تبقى مجرد تساؤلات...
04/08/2006








