برنامج المقاومة العراقية
إشارات أولية
تتردد الآن بعض الأفكار والطروحات على الكثير من المواقع الالكترونية أو على صفحات الجرائد والمجلات, تدور في اغلبها حول الانتقادات التي توجه إلى المقاومة العراقية والادعاء بعدم امتلاكها لبرنامج سياسي معلن تعمل في ضوءه, فيما تحاول الوصول إلى أهدافها وغاياتها دون حاجة إلى الإعلان عنها, فهي تعلن عن نفسها من خلال ما تستهدفه عملياتها العسكرية اليومية على امتداد الأرض العراقية مرحليا, وقد لا تكتفي هذه المقاومة بهذا المسرح لصراعها مع المشروع المعادي, بل قد تنقل مسرح عملياتها إلى ساحات صراع أخرى بأساليب أخرى قد لا تقتصر على الأساليب العسكرية وإنما تتخذ أشكالا وأساليب قد لا تخطر على بال إدارة المشروع الصهيوني المعادي, وهذا كلام سابق لأوانه وقد يحتاج إلى عقد زمني قادم ليصل إلى هذه المرحلة من الصراع, ولكنه صراع قائم الآن ويمتد زمنيا, فيما تتطور أساليبه وتتعاظم أهدافه وتتجدد باستمرار.
وقبل طرح البرنامج السياسي للمقاومة العراقية بكل اتجاهاتها الوطنية والقومية والإسلامية المستهدفة من قبل إدارة المشروع الصهيوني مجتمعة أو كل ّ منها على حدة, لابد من التذكير بان هذه الإدارة باشرت بنقل مشروعها من نطاق الفكر المجرد إلى حيز التطبيق العملي والعلني فور وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول 2001, والتي لا يستبعد أن تكون مفتعلة من جهات تنتمي إلى تيار المحافظين الجدد, المهيمنين على القرار الأمريكي تحت ستار مشروع الشرق الأوسط الكبير, الذي يعتبر امتدادا فكريا لمشروع بيريز القاضي بفرض الهيمنة الكاملة للكيان الصهيوني على كامل المنطقة عسكريا واقتصاديا وسياسيا وحتى فكريا, وكل هذا يصب في استهداف المشروع العربي الممتدة جذوره في العمق الروحي للإسلام المستهدف الآخر من قبل المشروع الصهيوني ذاته.
إن الأفكار المطروحة الآن من قبل اتجاهات متداخلة وطنية وقومية وإسلامية على الساحة العراقية تحديدا, بحاجة إلى وحدة في الأسس الفكرية والرؤية البعيدة المدى لحقيقة ما تريد إدارة المشروع الصهيوني أن يكون عليه العراق والمنطقة مستقبلا, مما يؤهلها لمعرفة المصلحة الوطنية على المدى البعيد, فهي الآن تطالب بخروج قوات الاحتلال الأمريكي من العراق ( الآن أصبحت متعددة الجنسيات بعد إن كانت قوات ائتلاف وقبلها قوات التحالف ) وإنهاء الاحتلال العسكري المباشر, فيما يتم غض الطرف مرحليا عن الاحتلال الآخر بصوره المختلفة السياسية منها أو الاقتصادية أو الفكرية, فخروج القوات أو نقل السلطة أو السيادة لا يلبي طموحات المقاومة العراقية الآن, حيث إن على هذه الأخيرة أن تدرك إن الصراع الحقيقي بين المشروعين قائم الآن عمليا, ونتائج مثل هذا الصراع لا تقبل أكثر من خيارين اثنين هما, إما إن تكسب الصراع وبذلك تحافظ على مقومات وجود الأمة ومستقبلها, أو إن تخسر هذا الصراع وبذلك لن تكون امة بعد الآن, وقد لا تستعيد وجودها إلى الأبد, فالكثير من فصائل المقاومة وبالذات الإسلامية منها, حقيقة لا تريد انسحابا عاجلا لقوات الاحتلال بكامل قوتها وعناصر هيمنتها، فما يحدث الآن يشكل لها فرصة تاريخية قد لا تتاح ثانية لإفشال وهزيمة المشروع الصهيوني في المنطقة، وهي ترى أن الأرض مهيأة إلى حد ما الآن وليس غير الآن, وان استمرار عملياتهم ضرورة ملحه في الوضع الراهن، كخط دفاع أول عن الشعب العربي في مختلف أقطاره، وعن الإسلام المستهدف من قبل إدارة المشروع الصهيوني، حسب ما يرد عبر بيانات المقاومة على جدران المحلات والمساجد في بغداد وباقي مناطق العراق, أو على صفحات المواقع الالكترونية.
وفي ضوء هذا فان على المقاومة العراقية مهمة صعبة لها نتائجها وانعكاساتها ليس على العراق فحسب, بل على المحيط الإقليمي والدولي, وعلى هذا الأساس فان المقاومة تدرك خطورة الصراع ومدياته, وهي مصممة على كسب هذا الصراع بأي ّ شكل كان وبأية وسيلة كفاحية أو نضالية تملك زمام قيادها وعناصر قوة استطاعتها عدة وعددا, خاصة وان مؤشرات هزيمة طرف الصراع الآخر موجودة فعلا على ارض الواقع وفي العراق تحديدا.
إن المؤشرات أعلاه هي من الوضوح بحيث لا تحتاج لأكثر من منبر إعلامي موضوعي ينقل حقائق الأرض في العراق, وهذا ما لا تسمح به الحكومة المؤقتة أو قوة الاحتلال, ورغم هذا فان العراقيين يدركون أكثر من غيرهم حقيقة الخسائر المادية التي تتكبدها قوة الاحتلال يوميا وعلى امتداد الرقعة الجغرافية للعمل المقاوم, وكذلك الإعداد الكبيرة من الخسائر البشرية التي لم يعلن منها إلا ّ نسبة قد لاتصل إلى 15% من الحقيقة, كما انه بات معروفا لدى الرأي العام الأمريكي خصوصا تدني مستوى معنويات أفراد قوة الاحتلال إلى الدرجة التي تعد فيها جاهزية الفرد القتالية غير مسموح بها للاستمرار في القتال وفق قوانين الحرب والجيوش, وقد سجل نسبا تصاعدية في عدد حالات الانتحار وعدم الالتحاق ثانية إلى وحداتهم العسكرية بعد تمتعهم بأجازاتهم الاعتيادية, إضافة إلى مئات حالات الهروب عبر الحدود العراقية المشتركة مع بلدان الجوار, ناهيك عن دلالات مضامين الرسائل التي يتبادلها الجنود مع ذويهم, والتي لا تخفي خوفهم ورعبهم من استمرار بقائهم في العراق.
وكما ورد انفا فإن فصائل المقاومة العراقية تجمع على عدم رغبتها في انسحاب قوات الاحتلال من العراق في الوقت الحاضر, حيث ترى رجحان كفتها على كفة المشروع المعادي وفق المؤشرات التي سبق ذكرها, رغم عدم جواز المقارنة بين طرفي الصراع من حيث التفوق العددي وآلة الحرب, كما إن تلك الفصائل لا ترى في إنهاء الاحتلال هدفا كبيرا أو غاية عظمى, بل إنها ترى ضرورة إيقاف عجلة تقدم المشروع الصهيوني آنيا, كمقدمة لهزيمته عسكريا وهو بلا شك هدف مهم, ومن ثم هزيمته سياسيا وهو الهدف الأهم, ومن خلال البيانات التي تصدرها اغلب فصائل المقاومة العراقية, فان هذه المقاومة ترى أيضا, إنها الآن تشكل خط الدفاع الأول في التصدي للمشروع المعادي وإيقاف زحفه شرقا نحو إيران وهو أمر مستبعد جدا في مخططات إدارة المشروع الصهيوني, وقد لا يكون واردا في الوقت الحاضر لطبيعة الملفات العالقة بين إيران والطرف الآخر والتي تلتقي في الكثير من الأهداف البعيدة المدى وتشترك معها في الكثير من المصالح, رغم الخطاب الإعلامي المتبادل الذي يعطي انطباعا مغايرا لما أوردنا, وكذلك تعمل المقاومة العراقية على إيقاف تقدمه غربا باتجاه سورية, وهو الأقرب للتحقيق, ويحتل الخطوة التالية بعد العراق في فكر المشروع المعادي, وهو أمر محتمل بل محتمل جدا زمنيا وجغرافيا, وعلى هذا الأساس فان المقاومة العراقية قد استوعبت مرامي المشروع المعادي, وهي تعمل على خلق حالة من الإرباك وعدم الاستقرار الأمني من خلال استمرار عملياتها ضد قوات الاحتلال ومسانديها وأدواتها, إذ يبدو لها واضحا إن الاستقرار الأمني يعطي إدارة المشروع الفرصة المؤاتية للتقدم صعودا باتجاه المرحلة التالية.
تدرك إدارة المشروع الصهيوني في واشنطن وتل أبيب إنها تغوص فعلا في ما اصطلح على تسميته بالمستنقع العراقي, وهذا ما اعترف به مناصري المشروع وخصومه على حد سواء, حتى إن بعضا من هؤلاء يرى إن الغرق في هذا المستنقع ليس أمرا بعيدا عن التحقيق واقعا أو زمنا, فهؤلاء يدركون حقيقة ما يجري على ارض العراق, حيث تتعرض قوات الاحتلال إلى ما يزيد عن أربعين عملية عسكرية خلال اليوم الواحد في أنحاء العراق, في حين لا تعترف قيادة الاحتلال بأكثر من عمليتين أو ثلاث عمليات, ورغم نكرانها لباقي العمليات فأنها أيضا لا تقدم صورة واقعية عن حجم خسائرها المادية أو البشرية التي تتكبدها يوميا, يضاف إلى ذلك إن الكثير من القوى التي ساندت الاحتلال أو سهلت له مهمته, بدأت الآن تدرك زيف الدعاوى التي استدعت استقدام كل تلك القوات إلى العراق, وأخذت توجه المزيد من اللوم والنقد إلى إدارة الاحتلال وبدأت تحاول الانسحاب تدريجيا والتنصل من التزاماتها تجاه المحتل بعد عام ونصف من الاحتلال وعدم تحقق أي ّ من تلك الوعود التي أغراهم بها الاحتلال.
وبالإضافة إلى ما تقدم، تهدف المقاومة على الصعيد المدني لإقامة حكومة وطنية منتخبه من قبل الشعب، وان يتحكم الشعب بكامل ثروته وفق خطة اقتصادية مدروسة قادرة على النهوض بالوطن واعماره وبناء مؤسساته وإعادة تأهيله مدنيا، بما يضمن حياة حرة وكريمة لكل العراقيين على اختلاف انتماءاتهم، وكذلك الحفاظ على عروبة العراق ومبادىء الاسلام وعقيدته إضافة إلى ترسيخ الوحدة الوطنية والحفاظ على العراق وطنا واحدا لا مجزأ يتعايش فيه كل العراقيين في كل العراق, هذا على الصعيد السياسي لإدارة العراق المحرر, فيما يتواصل هدفها الأكبر في تعقب المشروع الصهيوني في المنطقة والعالم, بمساندة ومؤازرة كل القوى الأخرى المتصارعة مع أو المستهدفة من قبل المشروع الصهيوني في ساحات أخرى من ساحات الصراع على امتداد جغرافية العالم..
وخلاصة القول, فان ما يمكن استخلاصه من قراءة متأنية لبيانات الفصائل المقاومة أو طبيعة الأهداف التي تستهدفها هذه الفصائل في هجماتها, نجد إن المقاومة تصر على أن هناك الآن فرصة نادرة الحدوث وعليها اغتنامها لهزيمة المشروع الصهيوني وكسب الصراع, وان هذا لا يتحقق إلا من خلال دعم المقاومة المسلحة بالعدة ( المال والسلاح ) والعدد ( المقاومين ), وان على الأنظمة العربية والإسلامية إن أرادت أن تنجو من عواقب المشروع المعادي, عليها أن تأذن لأولئك الراغبين في الالتحاق بالمقاومة العراقية بزج أنفسهم إلى الصف المقاوم, وعليها أيضا أن تقدم لهم كل ما يعزز عناصر قوة المقاومة ويحافظ على استمراريتها ومقومات وجودها, وهذا ما يبرره قيام الطرف الآخر بالحشد واستعداء الآخرين وحتى بعض القوى العربية والإسلامية في صراعها مع المشروع العربي والإسلامي, فالصراع الآن اختارته مكانيا إدارة المشروع لان يكون ساحة الصراع المفتوحة بين هذه الإدارة وبين ( الإرهاب ) كما أعلنت ذلك مرارا تحت مسميات مبطنة من قبيل الحرب على الإرهاب والحرب الاستباقية وما إلى ذلك, وفي الوقت الذي تقوم هذه الإدارة بحشد كل ماامكنها من مواقف ومعلومات ومن تعاون حكومات ومنظمات حول العالم وبالأخص في محيط منطقة الاستهداف الأساسية, وهي المنطقة العربية, وحتى حشد القوة العسكرية وتهيئة وسائل الدعم اللوجستي, وارتكاب أبشع الجرائم بحق المدنيين وتبريرها بحجج واهية تقوم جهات عربية مرتبطة باختلاق الأعذار لها وتسويغها, وهي تستخدم في ذلك أحدث آلات الدمار والفتك وحتى المحرمة دوليا, يجري كل هذا في ذات الوقت التي تتردد جهات واتجاهات عربية وإسلامية مؤثرة في الدخول إلى حلبة الصراع المفروض عليها, وكأنها لم تتيقن بعد من هزيمة الجندي المعادي نفسيا ومعنويا, وبان قوات الاحتلال تتكبد خسائر كبيرة قد لا يسمح الرأي العام الأمريكي بقبولها وتحملها على المدى القريب, رغم الأهداف الكبرى لإدارة المشروع في العراق والمنطقة, مما يعني إن مزيدا من هذه الخسائر لابد أن تكسر حاجز التضليل والتعتيم الإعلامي ومحاولات حجب كامل الحقيقة لما يجري حقا في العراق الآن, وكان تلك الجهات والاتجاهات أيضا, لازالت تجهل حقيقة المشروع الصهيوني الذي يستهدفها مباشرة منطلقا من العراق, وعليها أن تتدارك أمرها حماية لعقيدتها الإسلامية المستهدفة كدين وكمنهج حياة رباني, كما يستهدف المشروع العربي المستمد أصلا من ذات العقيدة الإسلامية.
رائد الحامد
دمشق في أيلول 2004








