ثابت في تارياخ الأمم والشعوب أنّ أيّ احتلال عسكري لا يمكن إنهاؤه دون مقاومة مسلّحة يؤازرها عمل سياسي منقاد لها، وإنّ أيّة تسويات خارج نطاق العمل المسلّح لا يمكن لها أن تنجح قبل أن يكون هذا العمل المسلح قد أصبح ذا أثر ضاغط ومؤثر على المحتلين ، وثابت أيضاً أنّ لا قوة عسكرية لبلدٍ قادرة على غزو بلد آخر واحتلاله والبقاء فيه دون مساندة من قطاعات واسعة من الشعب تسهل مهمة الغازي مقابل مكاسب مادية أو سياسية أو غيرهما ، وما حدث في 9/4 يؤيّد صحة هذا ، إذ لم تقتصر مساندة القوات الغازية على الحركات السياسية أو الدينية بل إنّ زعامات هذه الحركات تمكّنت من إقناع قطاعات واسعة من العراقيين أو تضليلهم بأنّ القوات الأمريكيّة والأخرى المتحالفة معها ستقتصر مهمتها على إسقاط النظام القائم آنذاك، ومن ثمّ ستغادر العراق فورا بعد ان تقوم بتسليم زمام الامور للعراقيين
قد يرى البعض من العراقيين في هذا المنطق ما يبرّر قبولهم بالتغيير عبر آليات غير وطنية ، بسبب ما تعرّضوا لـه من كم هائل من الضخ الإعلامي المكثف باتجاه عدم تمكن العراقيّون بمفردهم من إسقاط النظام ، وكذلك ضخامة ما تمّ التركيز عليه من جرائم يرتكبها النظام ضدّ العراقييّن بغض النظر عن حقيقتها من عدمها ، أمّا بعد مضيّ أكثر من ثلاثة وثلاثين شهراً على الاحتلال ، وما شهده العراق من عنف لم يسلم منه مكوّن عراقي وما تعرّض لـه العراقيّون من جرائم قامت بها قوات الاحتلال والأجهزة الأمنية للحكومة (العراقيّة ) والقوى والتنظيمات المحلية والوافدة وغيرها ، بعد كلّ هذا ، لم تعد خيارات العملية السياسية وخداعها قابلة للفهم ، خاصّة بعد استمرار تأكيد إدارة الاحتلال ومنذ الأسبوع الأول للاحتلال وحتى الآن ، بأنّ قواته ستغادر العراق ما ان تنهي مهمتها، ويفهم من خلال متابعة ما يرشح عن المسؤلين في الادارة الامريكية بان هذه المهمة متجددة ومتغيرة حسب الظرف السياسي في العراق، والواقع الذي تفرضه المقاومة العراقيّة، واتجاهات الراي العام الامريكي، وطبيعة التنافس بين الحزبين الامريكيين الجمهوري والديمقراطي ، وكذلك حسب مصالح إدارة الاحتلال وأهدافها الحيوية وهو العامل الأهم .
إنّ أموراً كالتي وردت وغيرها ستساهم في زعزعة القناعات وتسرع في إعادة صياغتها على النقيض من مرتكزاتها التي تمّ التأسيس عليها خلال مراحل تكوين الدولة العراقية الحديثة وتشكل خصوصية المجتمع العراقي، فلم تعد جدلية الرفض التلقائي لمبدأ الاستعانة بالأجنبي قائمة ، وهو ما يؤدي لأن يكون القبول بـه حاضراً ومستقبلاً وإلى أمد غير محدد مستقبلا أمراً مستساغاً ومقبولاً ، أي أنّ مفاهيم السيادة والحرية والاحتلال والعبودية والاستقلال وغيرها ، إما أن تكون اصلا قابلة لأكثر من تفسير، أو أنّ فيها مرونة لا متناهية في فهمها ، أو أن نكون قد أسأنا فهمها كما الأجيال المتعددة التي سبقتنا، أو أن تكون تلك الأجيال قد نظرت لهذه المفردات بعيداً عن واقعها آنذاك، ثمّ حاولت الأجيال المتتالية إثبات تلك التنظيرات وتجربتها لتأكيد صحتها وواقعيتها، وعلى ما يبدو فإنّها قد سجلت فشلاً في هذه المحاولات .
إنّ الفهم الجديد لواقع موقف العراقييّن الآن من الوجود الأجنبي والعملية السياسية يؤشر إلى :
- تنامي أعداد المنخرطين في العملية السياسية الجارية الآن ، وبالذات من القوى والمكونات التي تبنت العمل المقاوم المسلح منه أو السياسي أو كليهما معا، مما يعني أنّ مبدأ ما بني على باطل فهو باطل قد تمّ تفويضه ، وأنّ فهماً خاطئاً للباطل كان سائداً ، أي أنّ الاحتلال – أيّ احتلال – هو عمل مشروع ، وهو ما يفسر القبول الطوعي لايّ شعب بأغلبيته عملية بنيت على أساس الاحتلال وفي ظل وجوده ، وعليه يعتبر هذا الأساس أساساً صائباً وحقاً لا باطلاً، لهذا يمكن القول ان هناك وهما اسمه الباطل فيما يتعلّق بالاحتلال الأجنبي ومفاهيم أخرى سبق ذكرها.
- تخلّي بعض العشائر العربيّة في العراق عن قيمها وأخلاقها ناهيك عما يوجبه عليها الالتزام بمبادئ الإسلام وتعاليمه، وذلك بوقوفها إلى جانب القوات الأجنبية والقوات العراقيّة المتعاونة معها ضدّ المجاميع العراقية التي تتبنى الخيار المسلح ضدّ الوجود الأجنبي الذي لم تصح بعد اطلاق صفة الاحتلال العسكري عليه.
- تراجع الخطاب الإعلامي للقوى والشخصيات العراقيّة التي كانت تؤيّد المقاومة المسلحة ضدّ الوجود الأجنبي، وتصاعد لهجة الخطاب الإعلامي لقوى وشخصيات اخرى لم تؤيّد المقاومة المسلحة أو غيرها يوماً ما، بل عرفت بموقفها المعادي للمقاومة، وقد يكون خطابها هذا لأغراض إعلامية على صلة بالانتخابات أو لاغراض تهدف الى كسب ثقة قوى المقاومة المسلحة لاختراقها والاضرار بها، وقد ساهم مؤتمر الوفاق الوطني الذي رعته جامعة الدول العربية في خدمة هذا الاتجاه اكثر من اية جهة اخرى عن طريق تمكن القائمين على شؤونه من استدراج تلك القوى الرافضة والتغرير بها، وبالتالي اقناعها بالمشاركة في انتخابات الجمعية الوطنية الاخيرة.
- صدقاً أو غيره ما ردده السفير الأمريكي والرئيس العراقي الانتقالي حول اتصالهما بجماعات من المقاومة المسلحة، أو أنّ هذه الجماعات هي التي اتصلت بهما ، فإنّ أمراً كهذا لابدّ أن يكون لـه أساس ما من الصحة ، سواء تمّ تضخيم الأمر أم لم يتمّ ، الا انه لو صح هذا فان هؤلاء قد ادركوا أنّهم اعتمدوا خياراً خاطئاً حين حملوا السلاح ضدّ القوات الأجنبية، مما يعني إن الشعوب الأخرى التي حملت السلاح قبلهم كانت على خطأ أيضاً، وان الذين حملوا السلاح ويحملونه الآن من العراقيين يبحثون عن مكاسب سياسية أو غيرها ليس الاّ، كما هو حال الجماعات المسلحة التي تجري مفاوضات مع أعداء الأمس، أي تاصل حالة غياب مفهوم الوطنية والتحرر والسيادة الذي آمنت به الامم والشعوب لقرون لا حصر لها.
- اتجاه الشعب العراقي نحو ممارسة الاحتجاجات والاعتصامات والتظاهرات السلمية للمطالبة بالمواد الغذائية والبطاقة التموينية والوقود والاحتجاج على نتائج الانتخابات الاخيرة وما قيل عن رصد حالات تزوير أو تلاعب وغيرها باستثناء المطالبة بخروج القوات الاجنبية، وهو ما يثير الاستغراب في امر الشعب العراقي الذي يدرك أن منْ تسبب في جوََّعه وحرمانه من الوقود والأمن والماء والكهرباء ، هو ذاته الذي يسانده الآن من خلال العملية السياسية ، وهو ذاته الاحتلال والحكومة العراقيّة الموالية له، وهكذا يبدو إن اغلبية الشعب العراقي ترى إن العمل السياسي في ظل الوجود الاجنبي مبررا ومشروعا ومستساغا.
- زيادة ثقة العراقييّن المؤمنين بالعمل المقاوم بالدول العربيّة الأخرى وخصوصاً قبولهم بالانخراط بالعملية السياسية ، وهي العملية التي سبق وان قاطعتها هيئة علماء المسلمين في كانون الثاني 2005 ، وهيئة علماء المسلمين كتشكيل يعكس وجهة نظر ومطالب العرب السنة حسب رؤية الحكومات العربية والاقليمية، في حين لا تصح هذه الرؤية على الارض في العراق، حيث لا تحظى بذلك التأييد والانصياع الذي يمكن إن يكون مؤثرا وفاعلا كما ترى تلك الحكومات، وكانت هذه الهيئة قد دعت العراقيين الى المشاركة في عملية الاستفتاء على الدستور في 15/10/2005 والتصويت بـ ( لا ) في محاولة منها لاسقاطه، في الوقت الذي يدرك ابسط قراء السياسة الامريكية والايرانية، إن لا قوة سياسية أو شعبية في العراق قادرة على اسقاطه، فهو مفروض لمصالح امريكية ايرانية مشتركة، وبذلك اصبح دستورا شرعيا اقرته الاغلبية من العراقيين، وهذا القرار افقد شرعية عمل المناهضين للوجود الاجنبي والحكومة العراقية القادمة التي ستجيء عن طريق صناديق الاقتراع وفق الدستور الشرعي للشعب العراقي.
اما موقفها من الانتخابات الاخيرة التي جرت في 15/12/2005 فقد التزمت رسميا موقف الصمت، ولم تحدد موقفا واضحا وصريحا منه، وهي اهم مفصل في العملية السياسية بعد عملية كتابة الدستور، فقد دعا اكثر من الف عالم دين من السنة باسمهم الى المشاركة في الانتخابات، وهؤلاء هم حكما اعضاء في الهيئة المذكورة، وبذلك يكون الموقف الرسمي غير المعلن للهيئة هو المشاركة في الانتخابات، وهذا الموقف ليس دهائا سياسيا أو حكمة، بل هو ضعف في اداء الهيئة وعدم قدرتها على اتخاذ القرار الحاسم المطلوب في المنعطفات المهمة في تاريخ الامم والشعوب بعد أن رأت في نفسها وصية على مكون مهم من مكونات الشعب العراقي، ولم يكن هذا الموقف المخاتل الا بايحاءات من جامعة الدول العربية ومن حكومات عربية مؤثرة في الواقع السياسي العراقي الراهن.
لم تمض سوى شهور قليلة على على الاستفتاء الشعبي على قيادة صدام حسين للسلطة وبيعة العراقيين له، بصرف النظر عن واقعية النتائج التي اسفر عنها، حيث شارك فيها كل العراقيين بمن فيهم الاكراد الذين يعيشون خارج منطقة الملاذ الامن الذي شرعته الولايات المتحدة بعد 1991، وحال الاعلان عن سقوط النظام في 9/4 انقلب العراقيون على اعقابهم وخلعوا البيعة وتنكروا للاستفتاء ولاصواتهم، وهذا ما يؤشر الى تقلب الولاء لدى العراقيين وعدم ثباتهم، وسهولة العبث في عقولهم وافكارهم وزعزعة قناعاتهم وتبديل ولاءاتهم بين صبيحة يوم وعشيته، كما شهدناه يوم 9/4 .
الفرز الواضح بين مكونات الشعب العراقي العرقية والمذهبية من حبث الفعل المقاوم، اذ اقتصر الامر على العرب السنة، وهذا ما تؤكده مسميات المدن التي تشهد عملا مقاوما ضد الوجود الاجنبي والمسانمدين له، وفي المقابل تؤكده ايضا، ما تقوم به القوات الاجنبية ضد تلك المدن التي هي في اغلبيتها مدن عربية سنية، وقد يرد هذا الى قناعات تولدت في عقل المواطن الكردي والعربي الشيعي مفادها، ان انتصار المقاومة المسلحة وهزيمة القوات الاجنبية معناه عودة صدام حسين وبالتالي عودة حزب البعث الى السلطة، أو بمعنى اخر عودة العرب السنة الى السلطة من جديد، على اعتبار ان فهما بمذهبية السلطة وعرقيتها ظل سائدا طيلة عقود عند البعض، وطيلة قرون تعود الى سلطة الامويين والعباسيين والعثمانيين عند البعض الاخر، وبالتاكيد فان هذه قراءة خاطئة للتاريخ تمكنت قوى مستفيدةو من الواقع الراهن من اقناع الاكراد والشيعة بها، ولا يفهم مما ورد ان العرب السنة هم ضد الوجود الاجنبي بالمطلق ، بل ان وقائع الارض تؤكد ان نسبة منهم لاتقل عن 70 بالمئة هم مع هذا الوجود ومع العملية السياسية، وهم يستثمرون ورقة المقاومة للحصول على مكاسب سياسية ليس الاّ، وهؤلاء في حقيقة الامر هم ضد المقاومة قولا وفعلا، وهم يمارسون اعمالا تضر بمصلحة المقاومة العراقية وتصب في خدمة الوجود الاجنبي والقوى الموالية والمساندة له.
25/12/2005








said:

said:



من المغرب