مـــركـــز بـغـــداد للدراســـات والاستـــشـــارات
مدونة مركز بغداد للدراسات والاخبار والتقارير والوثائق التي تتعلق بالشأن العراقي وتقديم الاستشارات لمن يطلبها
الارهاب .. المصطلح والمفهوم.. رؤية فكرية

الارهاب .. المصطلح والمفهوم.. رؤية فكرية      

 رائد الحامد

  لم يكن مصطلح الإرهاب شائعاً  أو متداولاً على ألسنة الناس منذ زمن بعيد ، رغم أنّه موجود في التراث الصهيوني ، بدءاً بالتوراة المحرّفة ، ومروراً ببروتوكولات حكمائهم ، وانتهاءً بالمحافظين الجدد . وكان على ما يبدو مرتبطاً بشكل أو بآخر بالعنف والجريمة المنظمة التي تستهدف أناساً أبرياء بقصد الحصول على مغانم ماديّة ، من خلال بثّ الرعب في نفوس الآخرين ، وزرع شعور عميق بالخوف آنياً ومستقبلاً ، وتوقّع مفاجآت خطرة تقع عليه، أو على آخرين على صلة به ،  وهذا الشعور ينتاب أيضاً شهود العيان كما الآخرين الذين تصلهم وقائع مثل هذه الأفعال بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، آنياً  أو بعد حين.

إنّ بعض المتغيرات التي أعقبت الثورة الصناعية وانعكاساتها ، وما ظهرت على الساحة العالمية من مستجدات غير مألوفة لدى الناس في أغلب مناطق العالم ، وخاصة في بعض البقاع التي استمرت فيها التوتّرات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي اثر النزاعات المسلحة في المناطق التي تثير شهية الآخرين بالأرض ، أو تتميز بغناها الطبيعي وما يستجلب ذلك من أطماع للدول الأكثر قوة على وجه الخصوص ، في مثل تلك الأجواء برزت أشكال مختلفة من المقاومة من قبل  حكومات الدول المعتدى عليها  أو من  شعوبها ضد القوى الغازية للأرض أو الطامعة بالثروات ، وقد اتخذت مقاومة تلك الحكومات والشعوب أساليب وصيغ استهداف معيّنة . وفي ظلّ غياب فهم يتّفق عليه الطرفان – المعتدي والمعتدى عليه – صار الأمر محصوراً في رؤية كلّ طرف للموضوع من وجهة نظره بما يخدم مصالحه وأهدافه وغاياته . وفي ظلّ هذه الصورة الشائكة كان الخلط ، وكان سوء الفهم حتى من الأطراف الأخرى المحايدة . هذا من حيث الفهم النظري ، أما من حيث سبر أغوار الفكر الإنساني أصولاً وجذوراً ، فيبدو أنّ الإرهاب لا ينتمي إلى اتجاه فكري أو ديني معين ولا يرتبط بجماعة أو منظمة دون أخرى باستثناء بعض ما يشير إلى وجود مثل هذه الأفكار والمفاهيم في بعض الكتابات التلمودية في عصورها السحيقة والمعاصرة أيضاً ولا مجال هنا لذكره .

   إنّ كلاً من هذه المكونات باتت تستغل تلك الأفكار والمفاهيم للاستعانة بها على تحقيق مآربها وغاياتها ، وصارت تلجأ إلى أساليب عمل تتميز بالعنف الخارج عن إطار النظام الاجتماعي المتعارف عليه أو أنظمة الدول والحكومات بعد ظهورها ، من أجل الوصول إلى أهداف وغايات يتعسّر على الفاعلين بلوغها عن طريق اللاعنف ، أو عن طريق الحوار مع الخصم، وغالباً ما تكون هذه الغايات والأهداف غير مشروعة ، ولا يقرّ بها الخصم ، وهذا يفسّر لجوءهم إلى مثل هذه الأساليب القسرية ، وهذه الاساليب تختلف زمنياً ومكانياً وتتطوّر في مراحل انتقالية متناسقة أحياناً ومتناقضة أو مرتبكة في أحيان أخرى .

إنّ بعض تلك الأساليب التي عدّت مشروعة في زمن ما ، وفي جغرافية ما ، تعدّ إرهاباً باختلاف المرحلة الزمكانية ، كما أنّ فهم الآخرين الواقفين خارج حلبة الصراع هذه أُعدّت عقولهم على قبول بعض المفاهيم ورفض البعض الآخر دون إعمال للفكر ، و دون بذل أيّة محاولة للفهم العميق من أجل التوصّل إلى حقائق الأمور واتخاذها أسساً صالحة للبناء عليها مستقبلاً .

إنّ أسلوب الفعل ودوافعه وغاياته أحياناً تساعد إلى حدّ ما على تشكّل فهم جزئي لتلك المفاهيم لدى الطرف الثالث ( المحايد ) ، من خلال الإدراك العقلي لغايات المعتدي وحقوق المعتدى عليه ، وهنا تبرز إشكالية أخرى تقف عائقاً أمام الفهم السليم وأمام قبول الطرفين برؤية الطرف الثالث لحقيقة الغايات والحقوق بينهما ، فغايات المعتدي لها ما يبرّرها ويسوّغها من وجهة نظره للقيام بانتهاك حقوق المعتدى عليه .. بل إنه غالباً ما نراه يقدّم تضحيات مادية وبشرية في سبيل ذلك. أما الطرف المعتدى عليه فيرى ضرورة وقدسية الدفاع عن حقوقه ضد ممارسات وانتهاكات الطرف المعتدي ، أما الطرف الثالث   ( المحايد ) ، فإنّه يدور في نفس الدائرة المفرغة ، من حيث عدم القدرة على الفهم الدقيق أحياناً ، أو توفّر هذا الفهم مع عجز واضح في القدرة على الحركة والفعل ، رغم سهولة تحديد غايات الطرف المعتدي ولا مشروعيتها من وجهة نظره ، وكذلك حقوق المعتدى عليه ومشروعية الدفاع عنها من وجهة نظره هو كطرف محايد ، ,وإضافة إلى ذلك العجز فإنه أيضاً غير قادر على الاسهام في العمل بالاتجاه الذي يعيد الأشياء إلى موقعها الطبيعي وفق نواميس السماء والأعراف الإنسانية المتوارثة  والمعاهدات والقوانين التي أقرتها المجتمعات المدنية وقبل المدنية على مدى التاريخ الإنساني ، ورغم أنها لم تحدد تعريفاً واضحاً لهذه المفاهيم ، فإنه لا بد من أن يكون ملزماً لغالبية الناس بسبب وجود ضوابط تلقائية متعارف عليها وملزمة للجميع, رغم أنها لم تكن قد ضمنت في أية تعاهدات أو اتفاقيات مبرمة .

إن الأفعال التي لا تدخل في نطاق مفهوم الجرم البشري المتعارف عليه سماوياً وإنسانياً, والذي يتقصد إيقاع المزيد من الضحايا بين الأبرياء الذين ليست لديهم أية صلة مباشرة بالفعل أو بغاياته وأهدافه وهذا النوع من الفعل المقصود يهدف أيضاً إلى تحقيق نوع من السهولة في الوصول إلى غايات أخرى هي أساساً عند أطراف أخرى وهو يعتقد أنه من خلال هذا الفعل سيجعلهم أكثر استعداداً لتسهيل مهمة الطرف الفاعل والاقتراب نحو الهدف ، ولم يتأت هذا الاستعداد عن رضا أو قناعة لكنه غالباً ما يكون على سبيل تجنب وقوعه تحت التأثير المباشر لفعل العنف أو الفعل الإرهابي مستقبلاً ، وفي كلتا الحالتين هو ضحية مثل هذا الفعل ، الذي غالباً ما يكون فعلاً مستتراً ، أو مفاجئاً يصعب التنبؤ بموعد زمني لحدوثه ، أو تحديد وسيلة تنفيذه لتسهيل محاولة تجنّب الضرر والأذى الذي قد ينجم عنه ، أو لتهيئة الوسائل والأساليب الفعالة للتصدّي لهذا الفعل على أحسن تقدير .

إنّ هذه الأفعال المرتبطة بغايات شخصية أو مجموعاتية تتمثّل في الحصول على مكاسب غالباً ما تكون مادية ، تعود بالنفع المباشر أو غير المباشر على هؤلاء الأشخاص أو المجموعات ، وتقع ضد طرف لم تسجل عليه أية انتهاكات أو اعتداءات ضد الطرف الآخر الفاعل، حتى لو كان هذا الطرف الفاعل يعتقد أنّه سيحقق مكاسب سياسية مشروعة متعارف عليها ، وايضا حتى لو كانت هذه مكاسب مضافة تخدم أهدافه ومبادئه جراء فعله ، طالما أنّ الطرف الآخر لم يكن قد أضرّ أو عوّق أو منع تحقيق مكاسبه السياسية ، كقيمة أصلية أو مضافة ، وعليه لم يكن إطلاق صفة الإرهاب على أفراد أو جماعات أو دول لـه ما يبرره ، طالما أنّ هذه الصفة لم تحدد لها صورة واضحة مؤطرة بالإطار الذي ترتضيه كلّ الأطراف ، فليس ملزماً لأيّ من هذه المكوّنات  القبول بهذا الوصف إلاّ في حالة واحدة لاغير ، عندما يكون مفهوم الإرهاب واضحاً ومحدداً لدى الطرفين ، وهما متفقان أصلاً على فهم واحد مشترك . إما في الحالة الأخرى حين يكون كل  فرد أو جماعة أو دولة لها مفهومها وفهمها الخاص فإنها  تعتبر نفسها مسؤولة عن كلّ ما يبدر منها مخالفة لهذا الفهم قولاً ، كإرهاب فكري، أو عملاً كإرهاب عام ، أما أن يحاول الطرف الآخر أن يفرض على الآخرين فهمه الخاص للإرهاب ويتعامل معه على اساس هذا الفهم ، فهذا التحديد هو جوهر الخلاف بين الطرفين ، فكلّ فرد أو جماعة أو دولة ملزمة قولاً وعملاً بعدم الدخول إلى دائرة تعتبرها إرهاباً ، وكذلك يتوجّب على هذه المصنّفات أن تحترم فهم الطرف الآخر للإرهاب وأن تلتزم قولاً وعملاً بعدم الدخول إلى دائرة فهم ما يعتبره الطرف الآخر إرهاباً ، وما يصح على الطرف الآخر يصحّ أيضاً على الطرف الأول والعكس صحيح .

أما من الناحية اللغوية والشرعية ، فإنّ هذا المصطلح ( الإرهاب ) يكاد يكون واضحاً ومفهوماً بين عموم العرب المسلمين خاصة ، من خلال ما ورد في القرآن الكريم ، بدلالة الاستعداد للمكلفين بالقتال وباقي المؤمنين بالاستطاعة التامة ,وكلّ ما يزيد  الموجه إليهم الخطاب الرباني قوة وحشداً لملاقاة الأعداء وتخويفهم بشدة ، والمرابطة على ما يطلق عليه (الثغور) حفاظاً على أرض وأمن المسلمين وباقي الطوائف من الأديان الأخرى والأعراق التي تتعايش معهم جنباً إلى جنب ضمن الرقعة الجغرافية ، وإخافة               ( أي إرهاب ) الأعداء وزرع الخشية والرعب في نفوسهم للالتزام بتقديم مستحقات الخلافة الإسلامية كالجزية مثلاً ، وعدم التفكير مستقبلاً في غزو بلاد المسلمين ، أو التعاون مع الامبراطوريات والقوى الأخرى التي تشنّ حرباً أو تباشر غزواً ضد بلاد المسلمين .

والإرهاب قديماً وحديثاً يختلف مفهومه زمن السلم عن زمن الحرب ، فما يُعدّ إرهاباً زمن السلم ، قد لا يعدّ كذلك زمن الحرب ، فهناك من الفعل ما يبرره الزمان ، ومن الفعل الآخر ما يبرره المكان ، ويندرج هذا الفعل أحياناً تحت اسم العنف ، ويتعلّق الأمر بطبيعة وأهداف الفعل والطرف المستهدف منه ، فإذا كان الطرف المستهدف هو غازٍ للبلد أو طامع بالثروة أو معتدٍ أو محتل مغتصب للأرض أو منتهك للعرض ,عُدّ هذا  مقاومة ، أما إذا كان هذا الفعل يستهدف أطرافاً ليست على صلة بالطرف الذي تمّ تحديد صفته آنفاً ، لغرض الحصول على مكاسب يتعسّر عليه الحصول عليها بالأساليب المشروعة ، ويستخدم لتحقيق ذلك وسائل تلحق أذى مادياً ومعنوياً بأطراف أخرى غير مباشرة ، أو قد يستهدف  فقط  زرع الخوف لدى الآخرين دون تمييز في أغلب الأحيان, عد هذا الفعل عنفاً وارهابا حتى لو كان الطرف الفاعل فرداً أو جماعة أو دولاً وحكومات .

يتميّز العنف بأنّه البذرة التي أنبتت الإرهاب ، وفكرة العنف الأزلية ، كما هو فعلها ، هي الدافع والمحرّك الأساسي لكلّ ما تلى ذلك من أفعال تنضوي تحت مسمّى                 ( الإرهاب )  مصطلحاً أو مفهوماً ، وكلّ حسب فهمه الخاص وتحديده لماهيته وأسس مكوناته ، وهناك الكثير من السمات التي تظهر الاختلاف الواضح بين العنف والإرهاب وأهمّها أنّ العنف عادة ما تحكمه دوافع وغايات لا تتميز بنظرة مستقبلية وبعد نظر وحرص على مصالح الآخرين ، وقد تكون بعض أنواع هذا العنف ذو دوافع نفسية أو دينية أو عرقية أو حتى أنّها قد تكون إجرامية ، وفي أحيان قليلة يكون ذا دافع شخصي عن طريق آخرين معه ، فالعنف والقائمين به عادة ما يميز عملهم كونه  جماعياً ومنظماً لـه أهداف وغايات معينة ، ولكن ليس شخصياً بحتاً . فالصفة الشخصية التي تغلب على دوافع العمل عادة ما تكون لحاجة ما في نفس أحد أفراد هذه المجموعة وليس بالضرورة أن تكون هذه الحاجة معلنة ، بل قد لا يعرف بها أيّ شخص بمن فيهم المنفذ, عدا الذي يوجّه هذا الفعل بهذا الاتجاه ، تحت مبررات يسوقها للآخرين  ويحاول إقناعهم بها,بل عليه أن ينجح في إقناعهم كشرط أساسي يدفعهم لتنفيذ العمل ، أما بعض أنواع العنف ذات الهدف السياسي الصرف فلا يستهدف الممارسون  لهذا الفعل التأثير المباشر ، بل يتوخّون آثاراً ونتائج غير مباشرة تخدمهم في التقدم صعوداً نحو غايتهم ، كما يتصوّرون ، لفرض صيغ سياسية لا يريد من وقع عليه الفعل وجودها طواعية ، ويحاول منع فرضها من قبل الطرف الممارس للعنف أو يستخدم أساليباً عدة لتحقيق مثل هذا المنع ، منها المناورة حيناً اوالحوار والنقاش في أحيان أخرى، وحيث لم يتحقق أيّ نجاح في مثل هذه الأساليب ، فإنّ عليه إما أن يرضخ وينفّذ إرادة الطرف الممارس للعنف أو أن يتصدى له أو يبادله   بعنف مضاد مماثل أو أشد منه فعلاً وقوة ,حتى وإن اختلفت أساليب ووسائل الفعل والفعل المضاد .

وقد يلجأ طرف أو آخر إلى ممارسة العنف على أهداف مادية أو اعتبارية يكون أثر الأذى الواقع عليها أكثر تأثيراً من حيث حالة الخوف ، كأثر نفسي يدفع بهذا الطرف إلى الرضوخ والعمل مكرهاً على تحقيق مطالب الجهة الفاعلة وتحقيق مصالحها ، بصورة مباشرة أوغير مباشرة ، من خلال تقديم تضحيات أو تنازلات مفروضة تجنّباً للمزيد من الإحساس بالخوف وعدم الأمان واحتمالات التعرّض للأذى ، ويهدف هذا الطرف أيضاً إلى تجنّب حدوث أعمال قتل أو انتهاكات للكرامة الإنسانية ، وإن كان الذي يخشى وقوع الفعل عليه حكومة أو دولة فقد يهدف من وراء هذا الرضوخ إلى الحفاظ على الممتلكات العامة أو السكن الخاص بالتابعين وأمنهم الشخصي والعام ، وقد تقدم مثل هذه الحكومات أو الدول على  مثل هذه التنازلات حتى قبل وقوع فعل العنف ، أيّ من خلال التهديد فقط ، ولذات الأغراض والمقاصد الواردة آنفاً .

حزيران 2004

انتهى



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
مربع اشتراك لصفحتك على الويب مجموعات Google اشتراك في كلنا للعراق البريد الإلكتروني: زيارة هذه المجموعة
مجموعات Google
اشتراك في كلنا للعراق
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة