مـــركـــز بـغـــداد للدراســـات والاستـــشـــارات
مدونة مركز بغداد للدراسات والاخبار والتقارير والوثائق التي تتعلق بالشأن العراقي وتقديم الاستشارات لمن يطلبها
الحزب الاسلامي العراقي بين الحقيقة والتضليل


الحزب الاسلامي العراقي بين الحقيقة والتضليل

حزيران 2004

يبدو أن الحزب الإسلامي العراقي وإن لم يكن قد اتخذت قياداته برنامج عمل خاص بها، أعدته من ذات عقيدتها الفكرية ونهجها السياسي المرسوم, ورغم قصر الفترة الزمنية منذ استأنف هذا الحزب نشاطاته السياسية في أعقاب انتكاسة بغداد في 9/4, إلا انه يمكن رصد بعض المؤشرات الدالة على إن قياداته تنفذ دورها وفق مراحل ثلاث أعدت من قبل آخرين بالاتفاق معها مقابل مكاسب مادية أو سياسية، مع أو دون اتفاق مباشر أو علم تام من تلك القيادات، وفي كلتا الحالتين فإن عملاً دؤوباً يجري باتجاه تنفيذ تلك المراحل، وقد تكون إدارة المشروع الصهيوريكي تستثمر نهج الحزب وتوجهه نحو ما يخدم مصالحها في العراق والمنطقة الوجهة التي تريدها، وسواء أكانت هذه الوجهة تتناقض مع عقيدة الحزب الفكرية أو تتطابق معها، فإن إدارة ذلك المشروع باتت تعمل على التأسيس لبناء أرضية صالحة مبنية على تنسيق وتعاون تامين مع قيادات الحزب الإسلامي، وهذه القيادات بدورها توحي بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأتباعها المنضوين تحت رايتها لتنفيذ إرادة إدارة المشروع الوارد ذكره آنفاً.

إن ما يمكن أن يؤشر على الأرض, أن هناك تنسيقاً مقصودا أو غير مقصود على مستويات عليا بين قيادات الحزب الإسلامي وإدارة المشروع، من شأنه أن يجعل من الحزب الإسلامي قوة دينية وسياسية فاعلة في الوسط السني يمكن لها مستقبلا أن تكون ممثلة للتيار الإسلامي بالكامل، وبالذات الاتجاه الإسلامي المقاوم للاحتلال( الخط ألجهادي ) وفق شروط معينة مفروضة من قبل إدارة المشروع، مقابل دعم لا محدود مادياً وسياسياً، وبناءً على إمكانية تحقق مثل هذا النوع من التمثيل، فإن كل من يناوئهم هو خارج عن الإسلام ويعامل كمرتد أو من هو في حكمه يستحق القتل وفق الأدلة الشرعية حسب تفسيرهم لها، وفي حال استعصى الأمر عليهم، فإنهم يجيزون اللجوء إلى أسلوب تسليم الآخرين للمحتل سرا إذا عجزوا عن قتله أو تصفيته جسدياً, أو تقويضه اجتماعياً عن طريق تلفيق ما يكفل تشويه صورته أمام مجتمعه, أو إسقاطه عن طريق اتهامه بالسرقة أو الطعن بالعرض أو الشرف أو العمالة للأجنبي وكل ما يتنافى مع القيم العربية والإسلامية والسياسية في أبسط مبادئها، وحين لم يكتب لهم النجاح، فإنهم يلجأون إلى تسليمه إلى العدو عن طريق الدلالة عليه، أو تقديم المعلومات التي تسهل إلقاء القبض عليه بتهم أهمها مناهضة الاحتلال أو تمويل ( الإرهاب ) أو إيواء ( الإرهابيين ) القادمين من وراء الحدود وقد تكون جميعها باطلة ملفقة, وهذا من وجهة نظرهم مبرر شرعاً لأن من وقع عليه الفعل هو مرتد عن الدين الإسلامي، وإن ضرورة التخلص منه هي حماية للمجتمع من الفساد ويعد واجبا شرعياً، وإن لم يكن هذا النهج مثبت في أدبياتهم, فإن ممارسات الحزب على الأرض تؤكد حقيقة ما أسلفنا.

إن جواز هذه الأفعال لها ما يبررها من وجهة نظرهم، ولا يترددون أبداً في سوق الأدلة الشرعية وتسويقها وفق فهمهم الخاص وتفسيرهم لها بما يخدم أهدافهم وغاياتهم، وهذه قد تنطلي على الغالبية ممن ينظرون إلى هذا النهج بثقة عمياء تعكس دقة الطرح الإعلامي المبرمج وعلميته وقدرته على خداع الآخرين وتضليلهم، ويعود هذا إلى حسن نوايا المتلقي تجاه الحزب الإسلامي، أما القلة القليلة القادرة على اكتشاف خداعهم وتضليلهم، وحقيقة هدفهم ومرادهم، فهؤلاء يدركون صعوبة إقناع الآخرين بما يؤمنون به, ليس لضعف الحجة أو الدليل وإنما لافتقارهم إلى المنبر الذي يتيح لهم إيصال خطابهم للآخرين, وصعوبة العمل على زعزعة قناعات الآخرين وتغيير الصورة الراسخة في عقولهم عن هذا الحزب وقياداته, ويدركون أيضا أن ذلك الطرح هو كلام حق أراد به الحزب الإسلامي باطلاً، رغم أن هذا الأخير يستند في ذلك إلى حديث نبوي مسند صحيح لا يشك في صحته أي مسلم كان (( من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من يكون )).

إن الحزب الإسلامي العراقي، وبعد مرور أكثر من عام على احتلال العراق، قد كشف عن خطة عمل بعيدة المدى ترتكز على ثلاث مراحل متداخلة بدأت تتجسد واقعياً بعد انتكاسة بغداد في 9/ 4، أولها زمنياً عدم تبني عقيدة الجهاد ضد المحتل أو مقاومته، بحجج واهية تبدأ بعدم الاستطاعة وعدم رجحان كفة المجاهدين، مروراً بالمفسدة والضرر والتهلكة, وانتهاءاً باحتمالات عودة صدام أو نظامه إلى السلطة، وفي حال فشلهم في إقناع أتباعهم بهذا, فإنهم يلجأون مضطرين هذه المرة إلى المرحلة الثانية، وهي تبني الجهاد بشرط قيادتهم للخط الجهادي المقاوم عسكرياً وسياسياً, والإمساك بزمام أمره وتوجيهه بالاتجاه الذي يضمن لهم تحقق كامل مصالحهم، والوصول إلى أهدافهم وغاياتهم والتي قد تكون متناغمة تماما مع أهداف إدارة المشروع الصهيوريكي وغاياته، ويتم لهم ذلك بسبب سلوكهم المحكوم بمبدأ تقلب الولاء وفق هوى واتجاه المكان الذي ينتشرون فيه، فهم صوفيون حيثما كانوا في الوسط السياسي والاجتماعي الذي يغلب عليه هذا الاتجاه، أو سلفيون أو معتدلون وفق ذات المعيار المذكور، وكما هو معروف عنهم، فإنهم يحسنون قراءة الاتجاه الديني والسياسي السائد والمسيطر، سلفياً كان أم صوفياً أم وسطيا معتدلاً، وهم في كل الأحوال يستخدمون أتباع هذه الاتجاهات كوقود للجهاد شرط أن لا يكون هذا الوقود من منتسبيه.

أما المرحلة اللاحقة لتلك المرحلتين، فهي تبدأ من النقطة التي يتحقق لهم فيها السيطرة على الخط ألجهادي وقيادة دفته، عندها يقومون بالسعي لإجهاض هذا الخط وتقويضه وتجييره لحساب العمل السياسي وفق النهج الصهيوريكي, وهم بذلك يأملون في الوثوب إلى السلطة كهدف نهائي, وحسب اعتقاد قياداتهم المرتبطة فانه لا يتم لهم هذا إلا بالتعاون مع التيارات القومية والعلمانية, رغم إن هذين التيارين غير مرحب بهما في الفكر الذي يحكم التيار الإسلامي عموما, بل قد يكون هذا التيار على طرفي نقيض وعلى خصام إن لم يكن عداءا مع التيارين المذكورين.

إن الحزب الإسلامي وقيادته بعد 9/4، قد انتهجوا سلوكا يستند إلى رؤية الاتجاه السلفي الصوفي ( تميزاً عن الاتجاه السلفي الأصولي أو الوهابي )، وتتلخص هذه الرؤية بعدم جواز الجهاد، أو الإمامة وحتى عدم جواز العمل في أي تنظيم مناوئ للسلطة القائمة وفق مبدأ التهلكة المعروف، وهذا الاتجاه السياسي هو أساساً ضد نهج الجماعات الإسلامية المنظمة، فالإمام – حسب رأي الحزب – موجود فعلا ومتجسد واقعا بصفته ملكا أو أميرا أو رئيسا، أو أي مسمى آخرا علمانيا كان أم مؤمنا، وما على الرعية سوى طاعة الإمام الذي هو ولي الأمر حسب عقيدتهم الفكرية، وإن أي كلام بسوء عن الحكام هو خروج عن الإمامة، ومن حق الحاكم أن ينتهج السياسة التي يراها تخدم مصالح الرعية، حتى لو كانت هذه السياسة متجهة نحو إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني ( العدو المزعوم ) والتعاون معه على اعتبار أن الإمام، هو أكثرهم فهما وعلما من الرعية، وهو العالم بمصلحة الرعية وأين تكون.

إن هذا الاتجاه السياسي لا يجيز قتال المحتلين، ومكافأة للحزب على هذا, فهو يلقى الآن دعماً وتفهماً كاملاً من المحتل وترتبط قيادات هذا الاتجاه بعلاقات مصلحية مع المحتل، ويحقق انتشاراً واسعاً في الوسط السني عراقياً وعربياً، كما يحقق نجاحاً ملموساً في كسب المزيد من السلفيين الأصوليين، عن طريق خداع البسطاء منهم وتضليلهم بأقوال حق يراد بها باطلاً، وهؤلاء يمثلون الفكرة السرية للقيادة العالمية للإخوان المسلمين، فيما يتبنى الحزب الإسلامي نهجاً علنياً مستقلا عن نهج جماعة الإخوان المسلمين، سواء وجدت آليات التنسيق بينهما أم لم توجد.

إن الحزب الإسلامي العراقي يدرك، أنّ الاتجاه السلفي الأصولي في العراق المحتل، له الثقل الأكبر في مقاومة الاحتلال منذ الأيام الأولى التي تلت 9/4، وتبعاً لهذا الإدراك، فإن تنسيقاً ما لابد أن يكون قد جرى بين الحزب الإسلامي من جهة وإدارة الاحتلال من الجهة الأخرى، ويهدف هذا التنسيق إلى توجيه دفة نشاط أهل السنة بما يخدم هدف المحتل في اختراق المقاومة ومعرفة أساليب عملها وأهدافها الآنية والمستقبلية, وعناصر قوتها وحقيقة برنامجها السياسي والعسكري مما يسهل احتوائها ومن ثم الانقضاض عليها لتسهيل عملية تمرير خطط إدارة المشروع مقابل امتيازات مادية ومكاسب سياسية ونفوذ اجتماعي.

إن قراءة دقيقة لما ورد في السطور السابقة وما يقرأ بينها، ترشدنا إلى حقيقة نجاح هذا التعاون والتنسيق إلى حد ما، فالمقاومة الآن، رغم اتساع رقعتها الجيوسياسية وتزايد مشاعر التعاطف الشعبي معها عراقياً وعربياً وعالمياً وازدياد مشاعر الكراهية ضد المحتلين حتى من قبل أولئك المصفقين له بادئ الأمر، إلا أنها تعاني فعلاً من عدم تلقيها أي دعم مالي أو عسكري خارجي، وقد تنفرد بهذه الصفة، كما أن صوتها الإعلامي يبدو خافتاً ومحدوداً إلا ما تفرضه صور ومشاهد عمليات المقاومة على وسائل الإعلام مكرهة، وحتى هذه الصور والمشاهد باتت عرضة للمتاجرة بها من قبل جهات وتيارات وهيئات أبعد ما تكون عن المقاومة، وهذا يعكس الخطر الحقيقي الناجم عن افتقار المقاومة إلى المنبر الإعلامي الخاص بها, في حين يمتلك الحزب الإسلامي مئات المنابر في المساجد كمنابر إعلامية وفرها له المحتل وفوضه الحق الكامل له أن يدعوا قولا بما يشاء ضد الاحتلال, وقد استغلت من قبله للترويج لمبادئه ومشاريعه ونهجه التضليلي المخادع.

لم تمض سوى عدة أيام على احتلال العراق حتى انطلقت المقاومة العراقية، وبمرور أسابيع عدة تمكنت من سحب البساط من تحت أقدام الحزب الإسلامي، ويوماً بعد يوم بدأ هذا الحزب يفقد شعبيته وتقل مصداقيته بمتواليات تناقصية، وتم تصنيفهم في أوساط المجتمع العراقي, بأنهم من القوى المساندة للاحتلال، حسب قراءة الأهداف التي تعرضت لعمليات عسكرية من قبل المقاومة، وفي ضوء هذا التصنيف تلقت قياداته ومقراته ضربات متتالية من المقاومة العراقية، وتم استهداف مقراتهم وقياداتهم في أغلب المدن التي يتواجدون فيها، ولم يسلم أمينه العام من عدة محاولات فاشلة استهدفته شخصياً.

في ضوء ما تقدم, فان الحزب الإسلامي العراقي يعد ركناً أساسيا من الأركان التي لا يمكن لإدارة المشروع الصهيوريكي الاستغناء عنه راهناً ومستقبلاً، وقد يبدو مثل هذا الطرح مزيجاً من المغالاة في الفكر ومن إطلاق التهم الباطلة، وأنه من الصعوبة بمكان إقناع الآخرين به، بسبب الانطباع الذي يتركه اسم الحزب تاريخيا ودلالاته في عقولهم، وبعيداً عن كل الرؤى الضيقة أو الذاتية، فإن هذا الحزب هو بالفعل ركناً مهماً، بل مهماً جداً من أركان الاحتلال ومحاولا ت تكريسه رسمياً لترتيب وضع مستقبلي دائم في العراق والمنطقة تنفيذا لمشروع بيريز السيئ الصيت لرسم خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، وفرض الدور المهيمن للكيان الصهيوني سياسيا واقتصاديا وفكريا، وهذا ما تؤيده مجريات الأحداث ومواقف الحزب على أرض الواقع قولاً وفعلاً، علنياً أو مستتراً، صراحة أو ضمناً.

يدعي الحزب الإسلامي العراقي، وحسب بعض قياداته وما تبشر به بياناته السياسية وما يقرأه الآخرون على صفحات جرائدهم، بأنهم امتداد تاريخي لجماعة الإخوان المسلمين، وهم إمتداد سياسي لفكر الشيخ حسن البنا مؤسس الجماعة أواخر العقد الثاني من القرن الماضي، وبغض النظر عن موجبات وجودهم، وخفايا انطلاقتهم وسر توقيت ظهورهم في ذلك التاريخ بالذات، إلا أننا قد نجد في دعوتهم وحسب ما جاء في فكر الشيخ حسن البنا المعلن ما هو طيب ونقي، لكنهم وعلى امتداد مسيرتهم التاريخية، كان هناك تناقضاً صارخاً ملموسا بين النظرية والممارسة، وهذا ما يدعو إلى القول بأنهم على ما يبدو قد هيأت لهم قيادات أختيرت بعناية فائقة من جهة ما، فاتجهت مسيرتهم إلى الاتجاه المناقض لما يصرحون به في تنظيرات ودعوات الأولين منهم، ولم يكن هذا واضحاً وجلياً حتى أواسط العقد الخامس من القرن الماضي، هذا ما كان من أمرهم في مصر، وقد لا يختلف كثيراً عن واقع أمرهم في العراق، حيث حلت الأحزاب والجماعات عام 1959 تنفيذا لإرادة عبد الكريم قاسم آنذاك، وإثر ذلك هاجر المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في العراق المرحوم محمد محمود الصواف إلى مكة المكرمة، متخذاً منها منطلقاً لدعوته الإسلامية في الدول الإفريقية حتى توفاه الله.

أما بعد السماح بتشكيل الأحزاب ثانية إبان حكم عبد الكريم قاسم نفسه، على شرط أن يتمتع الحزب المشكل بالاستقلالية المالية والفكرية، وعدم تبعيته لأية جهة في الخارج ، وفي ضوء هذا القرار ، أعيدت جماعة الإخوان المسلمين إلى الساحة السياسية تحت مسمى آخر يحمل اسم الحزب الإسلامي العراقي عام 1960 ، وبقي الحزب يمارس نشاطاته حتى أوائل السبعينيات، حيث تمت عملية تحلل لهيكلة الحزب وتم تفكيكه تماماً على يد النظام السابق كحزب وكقاعدة جماهيرية، ثم اثر ذلك انتهجت قياداته نهجاً آخراً يعتمد على التقرب من السلطة، وتم احتضان أغلب قياداته من قبل صدام حسين ونظامه، حتى انه لا يوجد في سجون صدام المتخمة بالمعتقلين السياسيين أي من قيادات الحزب، ولم يتم إعدام أي من كوادره المتقدمة، في حين كان الوطنيون والقوميون والإسلاميون يتعرضون لعمليات الاغتيال من قبل عناصر مخابرات وامن النظام، وكذلك فهم يسجنون ويعدمون دون محاكمة أحياناً .

أما إذا كانت هناك محاولات اغتيال أو سجن أو إعدام للإسلاميين عموماً، فهو ليس لكونهم ينتمون إلى الحزب الإسلامي العراقي، بل لكونهم إسلاميين ضمن ما يعرف بـ ( الوهابيين ) أو السلفيين في صفوف حزب التحرير وحركة التبليغ والهجرة، وغيرها من التنظيمات والحركات الإسلامية الأصولية، وكل ذلك يتم بين صفوف أبناء السنة، ولم يقتصر الأمر على هؤلاء، بل عانى الإسلاميون من أتباع المذهب الشيعي أيضا، كحزب الدعوة الإسلامية مثلاً، ما عاناه أبناء المذهب السني.

أما بعد أحداث الكويت فقد اختلف الأمر كثيراً ، حيث ابتدعت المخابرات المركزية الأمريكية مسلكاً خاصاً ، احتضنت فيه بعض الشخصيات العراقية ، وبدأت ترسم لها خطوطاً عريضة للعمل ، وخطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها ، إن تلك الأحداث أبرزت واقعاً جديداً وصيغة خطاب رسمي تبنى فيها صدام حسين خطاباً دينياً لقي تصديقاً وقبولاً من أغلب العراقيين ومن أبناء الأمة العربية ، بما فيهم بعض التيارات السياسية القومية والإسلامية، المصدقة أحياناً أو المخدوعة أحياناً أخرى، وتم كل ذلك تحت شعارات الحملة الإيمانية، ولسنا هنا بصدد الحكم عليها وتقييمها، ولكن ما له علاقة مباشرة بهذا الموضوع هو انه كان من نتائج ذلك، أن كثيراً من قيادات الحزب الإسلامي وتطبيقا للنهج السياسي المتبع من قبلهم، أضحت هذه القيادات لا تكف عن كيل المديح لصدام حسين ونظامه آنذاك, مقابل إمتيازات وبحبوحة عيش لا يحصل عليها إلا أعيان وأعوان النظام، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى تبوء قياداتهم لمسؤوليات رفيعة المستوى ليست بالضرورة أن تكون مناصب رسمية ، بل إن هذه القيادات كانت في أغلبها تشغل مقاعد التدريس في الجامعات العراقية ووصل الأمر إلى أن الكثيرين منهم كانوا من الممنهجين لكتب ( التربية الإسلامية ) المعتمدة كمادة منهجية في كافة المراحل الدراسية .

ومع تقدم السنوات ، كان هؤلاء يزدادون قرباً من النظام وتزداد ثقة النظام بهم يوماً بعد آخر، وظل الأمر على ما هو عليه حتى صدور قانون الكونغرس ( حرية العراق ) ، ومنذ صدوره حتى سقوط النظام ، كانوا يقبضون مبالغ نقدية بصورة شهرية منتظمة، وهذا ما رشح عن بعض قياداتهم في مجالسهم الخاصة , وفق ما أوردته بعض المواقع الالكترونية على الانترنت, وهناك معلومات أخرى نشرتها بعض الصحف العربية المعادية للنهج الأمريكي، تكشف عن حيازة الحزب الإسلامي على أرصدة مالية تقدر بستة ملايين دولار في مصرف أردني واحد ، أما ما خفي من حساباتهم في المصارف الغربية فقد يكون أعظم ، والسؤال من أين جاءتهم هذه المبالغ ؟ ومقابل ماذا ؟ فهل هم تجار أم سياسيون ؟ ووفق العرف السياسي والشرعي، لا يجتمع العمل التجاري مع العمل السياسي ، لأن العمل التجاري يفسد العمل السياسي والعكس صحيح أيضاً .

إن محاكمة الفكر أو الرأي الآخر , لا يمكن أن تفسر على أساس دوافع هذه المحاكمة بل على أساس إزاحة الستار عن الحقيقة وتبيانها بموضوعية مجردة من أية أغراض سياسية أو ذاتية, ووفق هذا المنهج العلمي في تناول الموضوع ترد بعض الملاحظات حول الفكر والممارسة, وعلى سبيل المثال لا الحصر, جاء في أهداف الحزب المادة الأولى منه، (( مشاركة القوى الوطنية لإقامة نظام نيابي تعددي عادل )) في حين أن ممارساته لا تنسجم مع هذا، فهم مع ما يسمى بقانون اجتثاث البعث فكرا ووجودا, وهم أصحاب السطوة العليا في إعادة هيكلة الإدارات المدنية في جغرافية إنتشارهم ، ويتم اختيار المناصب الحساسة والمؤثرة في المحافظات والأقضية ضمن تلك الجغرافية على أساس انتمائهم لهذا الحزب ، كإدارات التربية والمدارس والمعاهد والكليات، وهي ما يركزون اهتماماتهم عليها تحديدا لغايات نحن في غنى عن توضيحها الآن, وكذلك رئاسة وعضوية المجالس البلدية والمؤسسات الخدمية الأخرى وغيرها ، فأين مشاركة القوى الوطنية الأخرى مشاركة عادلة؟ كما جاء في أهدافهم ، سؤال موجه للآخرين ممن هم على تماس مباشر مع واقع ما يجري على الأرض في العراق .

وجاء في المادة الرابعة من مبادئ الحزب (( يرفض الحزب أشكال العنف والغلو والإرهاب كافة في الفكر والممارسة )) وانسجاماً مع رؤية إدارة المشروع الصهيوريكي وتفسيرها للإرهاب ، فإنهم يعتبرون حق الشعوب المحتلة في مقاومة المحتل إرهاباً وتخريباً ، ومقاومة الشعب العراقي لا تعدو كونها إرهاباً وقتلاً لأجل القتل قادم عبر الحدود، أو هي محاولات لإعادة نظام صدام حسين إلى السلطة، هذا بالضبط ما كان يطرحه الحزب الإسلامي أواسط آب وأوائل أيلول 2003 ، في حين إن القاصي والداني يدرك خبث ودقة المشروع الصهيوريكي في العراق ، وبما لا يقبل الشك فإن المقاومة ، ورغم مرور أقل من أربعة أشهر على بدايتها ، قد وضعت العصي في دواليب عجلة المشروع الصهيوريكي، وإنها أربكت المخطط وأوقفت تقدمه في هذه المرحلة .

أصبح معروفا لدى كل العراقيين الوطنيين ، إن ما يسمى بالفيدرالية في العراق ، هي الخطوة الأولى في المشروع الصهيوريكي باتجاه تقسيم العراق, ولا يمكن لأي كان أن ينكر حقيقة معاناة الأكراد في العراق بغض النظر عن المبررات أو الدوافع أو الأهداف التي من اجلها قام النظام بإطلاق ممارساته تلك طيلة عقود, وهذه المعاناة لم تقع على هذا المكون من مكونات الشعب العراقي فقط, بل إن كافة المكونات الأخرى لم تسلم من الألم والمعاناة، وان اختلفت حدتها وقسوتها من جراء ممارسات وسياسات النظام ، ومع ذلك فانه من حق المواطنين الأكراد كما هو حق كل العراقيين في التمتع بكامل حقوقهم الثقافية وخصوصيتها، ومشاركة المكونات الأخرى في صنع القرار السياسي وفي صياغة مستقبل الوطن والمواطنين، على أسس المواطنة وليس العرق أو الدين أو المذهب، وضمان حقوق كل العراقيين على نفس الأساس الوارد قبلا، وهذا يعكس مطالب وإرادة المواطن الكردي بصرف النظر عن توجهات قياداته وزعاماته, في حين يؤمن الحزب الإسلامي ، بل ويعمل على تحقيق الفيدرالية للمواطنين الأكراد على أساس زائف ومبطن ، مبني على حلف غير مقدس بين الزعامات الكردية وقيادات الحزب الإسلامي بثمن مقبوض سلفاً ، مقابل الترويج للفيدرالية فيما إذا ضمنت في بعض مواد الدستور القادم ، أو فيما إذا استفتي الشعب العراقي لإضفاء الشرعية على مشروع الفيدرالية ، فيما ( يسعى الحزب لجعل العراق وطن العراقيين جميعاً ، وصيانة وحدته واستقلاله )، كما جاء في نص المادة الثانية ، فأين هذا من ذاك ؟ .

لقد دخل أمين عام الحزب الإسلامي الدكتور محسن عبد الحميد، ضمن أعضاء مجلس الحكم الانتقالي المعين من قبل المحتل، رغم أن هذا المجلس يفتقر إلى الشرعية وفق مبادئ الميثاق الدولي، استجابة لحسابات عرقية ضيقة، حيث إن الأمين العام ينتمي إلى جذور أسرية تركمانية كردية، والتركمان لهم وفق تشكيلة المجلس المعين، مقعد واحد لا يمثله الأمين العام الذي أخذ مقعده ضمن حصة مقاعد العرب السنة الخمسة، وحين نطرح هذا فإنه لا يشرف أي عراقي كان، كما لا يشرف عربياً سنياً، أن يكون ضمن أعضاء المجلس المعين، ولكن يستشف من ذلك، حقيقة دواخل الدكتور عبد الحميد في الانحياز نحو العصبية القبلية، التي أمرنا محمد (ص) بأن ندعها لأنها نتنة، وخجلاً وترفعاً عن القول فأن الدكتور محسن عبد الحميد قد سرق مقعده منتحلاً انتماءًا عرقياً آخرا، فكيف له أن يقبل هذا؟ وهو الذي يدعي حمل راية الإسلام الصحيح في العراق، على حد ادعاءات أتباعه، وكأن الإسلام إسلام صحيح وإسلام غير صحيح !!! والسؤال الساذج الموجه إلى قيادات الحزب والدكتور عبد الحميد خاصة، كيف له أن يضع يده بيع الغاصب المحتل ؟ وهو المسلم المأمور بعدم جواز اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من دون الله، وهل سيصوت الدكتور عبد الحميد لصالح العلمانيين أو لصالح الاعتراف بالكيان الصهيوني وإقامة علاقات كاملة مع ذلك الكيان ؟ فوفق أبسط مبادئ الديمقراطية الغربية ، فإن رأي الأكثرية هو الغالب ، وعلى الجميع الالتزام به والعمل بموجبه، وحتى أولئك المصوتين بالضد، فهم ملزمون بالعمل على تطبيق القرار الصادر بالأغلبية والالتزام به، بغض النظر عن حقيقة رأي الأقلية المعارضة للقرار، وهذا وفق ديمقراطية الأسياد، فهل حينها سينسحب الدكتور عبد الحميد ؟ أم سيستقيل ؟ خياران أحلاهما مر؟، وما هو فاعل تجاه عملية إفراغ العراق وسرقة ثرواته تحت شعارات الخصخصة وإعادة اعمار العراق؟ هل سيكون مع الجوقة الناهبة أم ماذا ؟ .

إن الحزب الإسلامي العراقي يرفض في هذه المرحلة ( أيلول 2003 ) مقاومة المحتل، وحسب ادعاءات قياداته، بأنه لم يحن الوقت بعد، والسؤال هو، متى سيحين هذا الوقت ؟ هل بعد أن يتمكن المحتل من بسط سيطرته وكسب المزيد من المتعاونين معه ؟
عند ذاك، سيقولون لا يمكن مقاومة المحتل لأنه أصبح قوياً وترسخت قوته وتجذرت في أرض العراق، وعلى هذا فإن الحزب الإسلامي قد أوقع نفسه في خطأ تاريخي قاتل، حين دعى لعدم مقاومة المحتل وضرورة انتظاره على حد زعمه، حتى يفي هذا المحتل بوعوده للعراقيين في الانسحاب من العراق, وكأنهم لم يحسنوا الإصغاء إلى الكثير من تصريحات إدارة المشروع الصهيوريكي بأنهم ماجاءوا إلى العراق ليخرجوا, وان بعضهم صرح علنا بان مهمتهم تحتاج إلى خمس سنوات لإتمامها, وليس سرا القول بأن الحزب الإسلامي قد فقد مصداقيته وحب عموم العراقيين له في السابق، وقد يأتي الوقت الذي تقول فيه قياداتهم ( لات ساعة مندم )، وهو ليس ببعيد (أواسط أيلول 2003).

تدرك دوائر إدارة المشروع الصهيوريكي ، أن مبادئ الإسلام الحق الذي يعمر قلوب أهل السنة والجماعة هو الخطر الحقيقي الذي يتهددها في مشاريعها السيئة وبرنامج فرض هيمنتها ( وقيمها ) على هذه البقاع من الكرة الأرضية، واستمرار وجود كيانها الصهيوني البغيض ودرء الخطر الحقيقي الذي يتهدد وجوده ، في حال تمكن أبناء الأمة العربية من بسط مبادئ وقيم الإسلام الحق ، بالتآزر مع العروبة ، كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، في حين تمكنت هذه الدوائر من تحييد الإسلام الشيعي المعروف بثوريته التي تميزه خاصة في إيران والعراق ولبنان ولو بأثر محدود، وعلى اعتبار إن مجرد ضمان موقف قياداته السياسية ومرجعياته الدينية، كفيل بضمان موقف الأتباع، في حين إن أتباع المذهب السنّي ليست لديهم أية مرجعية دينية أو سياسية يحتكمون إليها لها حق إصدار الفتاوى وإلزام الأتباع بالالتزام بها طوعا، كجزء من مكملات صحة العقيدة وسلامة المذهب كما هو الحال عند أتباع المذهب الشيعي.

لقد تدارست تلك الدوائر نقاط الضعف والوهن في جدران بناء المجتمع، وأسهل نقاط الاختراق على مستوى الشخصيات أو على مستوى الفكر والقائمين عليه، فوجدت في الحزب الإسلامي خير من يحقق لهم ما يريدونه، وأقصر الطرق التي تكفل وصولهم إلى مبتغاهم، لسبب بسيط هو أن أوساط أبناء السنة تتميز بقبول واضح ومقنع لأفكار ومبادئ الحزب الإسلامي ومنهجه، بسبب إخفاق التيار القومي في أكثر من منعطف تاريخي، وقد لا يكون هذا صحيحاً في الواقع، ولكن هذا بالتحديد ما رسخ في عقول العراقيين، في هذه المرحلة بالذات، وقد ساهم الحزب الإسلامي في تأكيد هذا الترسيخ بكل ما أوتي من قدرة على الخداع والتضليل، وتبني تسويق ما جاء في أفكار إدارة المشروع الصهيوريكي ومن ورائهم المحافظين الجدد، ومشروعهم ضد العرب كأمة، وضد الإسلام كدين.

إن قراءة متأنية لوقائع ما جرى خلال الأشهر الخمسة الماضية، وإمعان نظر في ممارسات وطروحات الحزب الإسلامي، تنكشف حقيقة الدور الموكل إلى هذا الحزب والمتمثل في العمل على تحييد مقاومة التيار الإسلامي ضد الاحتلال، للمبررات الجغرافية والكثافة السكانية لتمركز أبناء المذهب السني، وما يؤكد هذا ومن خلال مراقبة ما يجري، يتبين وحسب ما يراه المحللون، أن الفئات العمرية للمقاومين بين 17-25 سنة، والذين يمكن أن تطلق عليهم تسمية الشباب المسلم المسيس، وهؤلاء عادة، شديدو بأس غلاظ على المحتلين يتسابقون لحمل السلاح ومقاومة المحتل، وبعد مضي أكثر من شهرين على الاحتلال وتزامن هذا مع المفاوضات التي جرت بين المحتل، وبعض القوى العراقية الفاعلة لإدخال الحزب الإسلامي في مجلس الحكم الانتقالي، والتي تكللت بدخول الدكتور محسن عبد الحميد ضمن أعضاء المجلس المذكور، ثم بعد ذلك مباشرة تمت عملية استقطاب ( الشباب المسلم المسيس ) وضمهم في صفوف الحزب الإسلامي على أوسع نطاق، وقد استغلت قيادات الحزب لهذا الغرض منابر رسول الله ( ص ) وبيوت الله، والجمعيات الخيرية الإسلامية مستغلا صفة الحزب الإسلامية التي أسبغها على نفسه، وجهل الآخرين بحقيقته, وقد استثمر ذلك في الاستئثار بإيرادات الجمعيات الخيرية واستحواذه عليها، وقيامه بالتوزيع غير العادل لتلك الإيرادات، وكل هذا لضمان ولاء الأتباع وإغراء الشباب للانضمام في صفوفهم, وهكذا استغلت قيادات الحزب الإسلامي العراقي عناصرها كأداة لتنفيذ الدور الذي أرادته بالاتفاق مع إدارة الاحتلال.

وتبعاً لذلك بدأ الحزب الإسلامي يمارس إرهاباً وتضليلاً فكرياً على أعضاءه الجدد، وغسلاً قسرياً لعقولهم من خلال المحاضرات المكثفة والدورات على أجهزة الحاسوب، وكذلك من خلال ممارسة النشاطات الرياضية والإنفاق بسخاء مادي تعجز عنه بعض المؤسسات الرياضية العريقة، مما حدا بالشباب المسلم أن يهزأ من الجهاد والمقاومة حسب توجيهات حزبهم، متذرعين بمقولات مثل (( لننتظر الأمم المتحدة فقد أعطت قوات التحالف مدة عام للانسحاب، قد تلتزم هذه القوات وتنسحب من العراق، وفق قرار الأمم المتحدة ))، متناسين بأن إدارة المشروع الصهيوريكي تردد (( لن ننسحب حتى نحقق أهدافنا كاملة ))، والسؤال هو كم عقد من الزمان تحتاج تلك الإدارة لتحقيق أهدافها ؟ وما هي حقيقة الأهداف المعلنة أو المضمرة, كما إن بعض أركان هذه الإدارة قد رفع السقف الزمني للاحتلال إلى عام 2030، وهذا ما يصرحون به علناً، وكذلك فإن بعض هؤلاء الشباب يقول، (( لا جهاد في هذا الوقت إذ لم تتوفر شروطه بعد، عليناً أولاً أن نبني أنفسنا عقائدياً وأن نتأكد أن كفة المجاهدين هي الراجحة على الأعداء حتى لا نكون كمن يلقي بأيديه إلى التهلكة، كما نهانا الله عز وجل، وحتى تكون الغلبة للمسلمين محققة، حينها سنخوض غمار الجهاد )).
والسؤال ثانية ، متى يصح الجهاد إذن ؟
ومتى يتم لنا بناء أنفسنا عقائدياً ؟ هل هي ساعات أم سنوات ؟
ثم كيف لهم أن يتأكدوا من غلبة المجاهدين ؟

ويقولون أيضاً (( أننا إذا إستمرينا بالجهاد، فقد نساعد على عودة صدام أو نظامه للحكم، وهذا ما لا نريده )).
إذا كان هذا الشباب المسلم لا يريد هذا الأمر، فإن غالبية العراقيين لا يريدونه أيضاً، وإن أي عاقل في الكون يدرك استحالة عودة صدام أو نظامه إلى الحكم.

إن قيادات الحزب الإسلامي، وفي نطاق حملتها ضد القومية العربية، تردد على صفحات مطبوعاتها وأفواه خطبائها، (( إن القومية العربية هي سبب كل النكسات، وإنها حركة صهيونية هدفها الأول هدم الإسلام )) ( وإنها والماسونية وجهان لعملة واحدة )) هذا بالتحديد ما تتقوله قيادات الحزب الإسلامي متفقة بذلك مع ما تروجه آلة إعلام المشروع الصهيوريكي ضد القومية العربية, وهذا يعزز إدراك إدارة هذا المشروع لخطر القومية العربية على مستقبل وجوده في المنطقة، وهذا التناغم بين أفكار وطروحات إدارة المشروع وبين الحزب الإسلامي العراقي، هو ما يتوجب على العراقيين إدراك خطورة ما يرمي إليه من كل ما سبق ذكره.

تقول كواد الحزب الإسلامي وكوادره أيضاً (( الأمريكان ليسوا أعداء لنا، لقد حررونا من ظلم صدام )).
أي منطق هذا ؟ وأي تشويه لمفاهيم وثوابت الشباب العربي المسلم ؟
ومتى كانت الاستعانة بالأجنبي عملا وطنيا محمودا لدى أية امة في التاريخ وحتى الأمم التي لا تملك أية قيم تعتز بها ؟ بل أي مخطط فكري رهيب جاء به هذا الحزب؟

إن قراءة متمعنة لما ورد تعطي انطباعاً بأن الأفكار الواردة وتوقيت نشرها، تصب في نهاية الأمر في خانة المؤامرة على الإسلام، هذا من وجهة نظر قيادات الحزب، وإذا كنا نستقرء بعناية طبيعة الاتجاه السياسي لدى قيادات الحزب الإسلامي، واستعرنا أسلوب التفكير الذي يحكم تلك القيادات التي عادة ما تردد مقولة مملة منذ أكثر من عام، بأن هناك مؤامرة على الإسلام في الوسط السني من قبل المحتلين، تهدف إلى خلق حالة من الصدام داخل التيارات الإسلامية السنية ذاتها، بدءاً بالتيار الصوفي وانتهاءً بالتيار السلفي ومروراً بالتيار المعتدل، وهم يمثلون هذا التيار حسب ادعائهم، وهذا الإلحاح المقصود في الدفاع عن هذه الفكرة، هو ما يدعو الآخرين إلى إدراك حقيقة الهدف من وراء ذلك، ونبش ما يمكن نبشه من حقائق وممارسات ظلت حكراً على قلة من العارفين ببواطن الأمور، سواء أكانت هذه القلة من داخل الحزب أو من خارجه، وبالتالي فإن ذلك يقود إلى استنتاج قد يكون صائباً وقد لا يكون، ولكن في كل الأحوال لا بد أن يرد مثل هذا الاستنتاج في فكر المراقب لمسيرة الحزب، ويتلخص الأمر في أن الادعاء بوجود مؤامرة هو المؤامرة بعينها، وهو ما تسعى قيادات الحزب الإسلامي إلى ترسيخه في عقول الآخرين، فليس هناك ما يدل على حقيقة وجود مثل هذه المؤامرة المزعومة, بل إن المؤامرة التي بدأت تتكشف خيوطها خلال وبعد حصار الفلوجة هي المؤامرة الحقيقية.

كي تكون القراءة منصفة وغير منحازة لا بد من القول، بأن الترويج لمنطق ولمخطط المؤامرة على التيارات الإسلامية السنية، هذا الترويج هو المؤامرة الحقيقية حسب القراءة الموضوعية لما جرى منذ بدء الحصار على الفلوجة وما تلاه من تداعيات وانعكاسات.

إن ما يؤلم أكثر، هو توجيهات قيادات الحزب الإسلامي لخطباء المساجد المحسوبين عليه، وهم الكثرة الغالبة في المناطق السنية، فهم لا يحدثون الناس عن مقاومة المحتل بتاتاً، وأنكروا على الإسلام حقيقة الحيز الذي يشغله الجهاد في تعاليمه، كونه فرض عين على كل مسلمة ومسلم.

والسؤال هو, هل جاء هذا الحزب بالإسلام الصحيح، كما يسمونه، والآخرون وأسلافهم على خطأ ؟ .
كما أن هؤلاء الخطباء حين يؤمنون في الخطبة الثانية، فإنهم لا يدعون الله لنصرة المقاومين في فلسطين أو في العراق أو في أية بقعة من أرض المسلمين المحتلة، حتى أن أكثر من واحد من هؤلاء يقول: (( لا يحق الجهاد لمن لا يداوم على صلاة الفجر يومياً في المساجد )).
والسؤال، إن كان هذا هو الإسلام حقاً ؟ فعلى العراقيين الطاعة والالتزام, أما إن لم يكن قد جاء هذا في الدين الإسلامي, فالسؤال من أفتى بهذا ؟ هل هو الدكتور عبد الحميد، أم إمامه بريمر ؟ .

إن تاريخ كتابة ما ورد أعلاه كان في آب وأيلول عام 2003 وهو رصد يمزج بين ما هو فكري وما هو واقعي، في أقوال وأفعال الحزب الإسلامي منذ اللحظات الأولى لظهوره على الساحة السياسية العراقية، أوائل حزيران وحتى أيلول عام 2003.

وإن نشر مثل هذا الكلام في السابق، قد لا يحظى بأي قبول من القراء على إختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الفكرية والعقائدية، ولكن بعد أن بدأت تتكشف حقيقة الدور الذي حاول الحزب الإسلامي لعبه في أحداث المقاومة في الفلوجة، التي أصبحت عاصمة للمقاومة العالمية ضد الأمركة وضد المشروع الصهيوريكي، حيث ادعى الحزب الإسلامي العراقي, بأنه مقبول من قبل فصائل المقاومة لأن يكون وسيطا بينهم وبين المحتلين, وهذا ما ثبت عدم صحته, حيث إن اغلب البيانات التي بثتها الفضائيات العربية والتي صدرت عن فصائل المقاومة خلال حصار الفلوجة أكدت على رفضها لقبول وساطة هذا الحزب, وأنكرت أية صلة أو علاقة لها مع الحزب الإسلامي, وان لا وجود لأية قناة من قنوات الاتصال بينهما, ووصل الأمر إلى الحد الذي اتهمت فيه بعض البيانات, الحزب الإسلامي العراقي بأنه طرف مساند للاحتلال في معارك الفلوجة, وانه يحاول فرض وجوده ضمن الوسطاء الذين يتفاوضون مع المقاومة, لغايتين الأولى هي سعيه المستميت لتحسين صورته المشوهة أصلا في عقول الآخرين ليقول ها أنا, والغاية الثانية هي، الشراكة مع المحتل في التآمر للقضاء على المقاومة, وهذا يفسر لماذا رفضت المقاومة قبول وساطتهم, وان كان هناك من لقاءات تمت بينهم وبين بعض الفصائل, فهي تمت أولا عن طريق آخرين وثانيا بعد إن تمكن البعض من الوجهاء والقوى الاجتماعية الفاعلة في الفلوجة من الحصول على ضمانات لحماية حياة الوسطاء من الحزب الإسلامي, وهذا يفسر دخولهم المتأخر جدا والذي أرادوه أن يكون إعلاميا فقط, لذلك نشاهد الهالة الضخمة التي أحيطت بها تحركات حاجم الحسني نائب الأمين العام للحزب والرجل الفاعل والمؤثر في سياسة الحزب, والتي لم يكن لها أي تأثير في صفوف المقاومة تستحق أن يفقد حياته من اجلها, ( يبدو انه كوفئ على دوره في حكومة إياد علاوي الأخيرة).

وعلى حد ما ورد في بعض المواقع الإخبارية على شبكة الانترنت, وكذلك في إحدى الفضائيات العربية، فإن البعض من الذين لازالوا يأملون من الحزب الإسلامي خيرا, بالقول انه كان يأمل حقا أن يصطف هذا الحزب في خندق واحد مع المقاومة, وليس وسيطا أو مفاوضا مبعوثا من قبل المحتل, وفي ضوء هذا, فان محاولته أن يلعب مثل هذا الدور قد يهدف منه تحقيق غايات قد لا تدركها عقولنا الآن, بل قد يحتاج الأمر إلى سنين للتأكد من تلك الوساوس التي تغزو أفكارنا الآن, رغم انه لا تصح مثل هذه الأشياء في مجال السياسة، ولكن هذا حقيقة ما يجري ولسنا نعلم الغيب ولا ندعيه.

وخلاصة القول إن إمكانية قبول مثل هذه الأفكار المستندة إلى واقع ما يجري في العراق، رغم إنها كتبت أواخر أيلول 2003, قد تلقى الآن قبولاً من الآخرين وهذا ما نسعى إليه.

رائد الحامد
حزيران2004




أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
مربع اشتراك لصفحتك على الويب مجموعات Google اشتراك في كلنا للعراق البريد الإلكتروني: زيارة هذه المجموعة
مجموعات Google
اشتراك في كلنا للعراق
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة