مـــركـــز بـغـــداد للدراســـات والاستـــشـــارات
مدونة مركز بغداد للدراسات والاخبار والتقارير والوثائق التي تتعلق بالشأن العراقي وتقديم الاستشارات لمن يطلبها
ايران والموقف الازلي

إيران والموقف الأزلي

 

رائد الحامد

ما يجري الآن من تغيرات في المنطقة عموما وفي العراق الجار الأكبر والأقوى خصوصا ، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون سورية خارج الكيانات أو الدول المستهدفة ، بل المستهدفة أولا رغم إن بعض المراقبين يرون إن إيران تتصدر الأولوية في قائمة المستهدفين ، وقد يكون في هذه الرؤية بعضا من عدم الدقة في تناول الموضوع ، لذا نرى ضرورة النظر إلى هذا الأمر من زاوية أخرى ، قد لا تكون بعيدة عن دفع سورية إلى الاستكانة للتطمينات المستلهمة تلقائيا من كونها ليست المستهدفة مباشرة ، وبالتالي عدم استعدادها الرسمي والشعبي لمواجهة التهديدات والتحسب لها ، وبالتالي أخذها على حين غرة كما أخذنا نحن العرب مرات ومرات بذات الطريقة المخادعة دون أن نتعظ أو نأخذ العبرة من الماضي ، ولم تكن إيران أبدا بعيدة عن السير في خدمة هذا التوجه الصهيوني الأمريكي ، رغم ما يطفو على السطح من علاقات سورية إيرانية تبدو في حال حسن ، لكنها تبقى علاقات تحكمها مصالح آنية ، أما إذا عدنا إلى حقيقة ما تراه إيران وما تتمناه لأية دولة عربية بما فيها سورية ، فلابد إذن أن تكون الصورة على وجه مغاير تماما لما تبدو عليه للعيان ، أو بكلام آخر لما تحاول السياسات الإيرانية أن تظهر عليه أمام الآخرين ، حيث تنطلق من خلفيتها العدائية التي تحكم علاقاتها التاريخية مع العرب ، وليس آخرها موقفها من تسمية الخليج العربي وتهديدها بمقاطعة دورة الألعاب الرياضية التي ستقام في قطر ، وما لهذا من دلالات على الصلف والخبث الفارسي والحقد على العروبة والإسلام.
 
إن عودة سريعة إلى الأحداث التي رافقت أو أعقبت حرب الخليج الثانية 1991 ، وتحديدا إلى التفاهم الأمريكي الإيراني في جنيف قبل بدا العدوان العسكري على العراق في 17/1/1991 ، وبموجب هذا التفاهم تم عقد صفقة بين الطرفين تتضمن قيام الطرف الإيراني بتسهيل مهمة دخول عشرات الآلاف من عناصر فيلق بدر الذراع العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ، ومئات من عناصر الأجهزة الأمنية التابعة للحرس الثوري الإيراني الذي يسيطر عليه الاتجاه المحافظ من رجال الدين الإيرانيين ، إلى العراق عبر الحدود المشتركة ، ومهمتها تتركز أساسا على القيام بتصفية كبار العسكريين لحسابات على صلة بالحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي ، لاعتبارات تتعلق بالتركيبة النفسية والأخلاقية الفارسية ، وكذلك القيام بتصفية كبار القيادات البعثية ورجال الدين شيعة وسنة من المحسوبين على النظام العراقي القائم آنذاك ، وخلق حالة من الفوضى الشعبية تسهل مهمة الإدارة الأمريكية في الوصول إلى أهدافها في إسقاط النظام واحتلال العراق عسكريا ، تنفيذا لمشروع بيريز في إنشاء منطقة شرق أوسطية جديدة تكون الهيمنة العسكرية والاقتصادية المطلقة فيها للكيان الصهيوني ، ووفق ما هو مرسوم يتم تسليم السلطة إلى نظام جديد يرتبط بإيران والولايات المتحدة ، ويكون بمثابة أداة تنفيذية تخدم مصالح طرفي التفاهم معا ، وفي المقابل السماح بنفوذ إيراني فاعل فكريا وامنيا في العراق عموما ، وجنوبه خصوصا لاعتبارات تتعلق بالجوار الجغرافي والمعتقد المذهبي الواحد ، إلا أن خشيتهما من عدم ضمان وقوف العشائر العربية الأصيلة في الجنوب ، وهو سر نجاح مخططهما ، أربك الإدارة الأمريكية وجعلها تفكر ألف مرة قبل الإقدام على الخطوة العملية اللاحقة ، وعلى الأخص بعد أن رأت بأم عينها ما حل بالمدن الجنوبية من حرائق على يد الحرس الثوري الإيراني والقوى العراقية التابعة له لمؤسسات الدولة المدنية ، وبالذات سجلات دوائر الأحوال الشخصية ، ومراكز التجنيد ودوائر التسجيل العقاري والمكتبات العامة وغيرها ، وما رافق ذلك من حوادث قتل للعسكريين المنسحبين من ( الكويت ) ، وإعدامات على يد محاكم شكلية تعتمد أسسا مذهبية أو حزبية في إصدار الأحكام ، ويقوم عليها رجال دين إيرانيين أو عراقيين قادمين من إيران.

 

بعد بروز تطورات هذه الأحداث على الساحة الإعلامية ، ومواقف بعض الدول العربية استجابة لضغوط الشارع العربي الذي تمرد على سياسة التخلي الشعبي العربي التي فرضتها الأنظمة الحاكمة ، وبعد خروج الشعب العربي عن صمته الذي استمر منذ فجر 17/1/1991 ، وكذلك تعالي أصوات القوى الدولية المحذرة من دخول المنطقة في دوامة عنف وفوضى لا نهاية لها ، أدركت عندها الإدارة الأمريكية خطورة ما يجري على الأرض في العراق ، ورأت تأجيل الفصول اللاحقة من مشروعها إلى حين توفر الظرف الزمني والموضوعي للشروع به ثانية ، وهذا ما استدعى إعطاء الإذن للجيش العراقي بمعالجة تلك الأحداث ، وبالذات السماح للطائرات العراقية من ذوات الأجنحة المتحركة بالطيران وقصف المدن والقصبات لاستعادة الأمن والنظام إلى تلك المناطق ، وقد أدى ذلك إلى إيقاع المزيد من الموت بين أوساط المدنيين العراقيين ، فيما تمكن الإيرانيون القادمون من وراء الحدود ومن معهم من العراقيين ، من العودة ثانية إلى إيران والنجاة من الموت بقذائف الدبابات والمدفعية البعيدة المدى وصواريخ الطائرات العراقية ، وهذه من حقائق ما حدث آنذاك ، وحتى يومنا هذا فان القوى الداخلة آنذاك من إيران والإيرانيين أنفسهم ، يتهمون الإدارة الأمريكية بالتخلي عن الشعب العراقي ، ومساندة نظام صدام حسين في قمع ما يسمونه بالانتفاضة ، في حين لابد من تكرار ما سبق من القول بان الإدارة الأمريكية لم تقف إلى جانب النظام ولم تتخلى عن شركائها من العراقيين أو الإيرانيين ، بل إنها أجلت المهمة إلى أواخر 1998 وأوائل 1999 بما يعرف بعملية ثعلب الصحراء ، حيث فشلت هذه العملية أيضا استجابة لنداء الرئيس حسني مبارك إلى الرئيس الأمريكي بيل كلنتون ، ليس بدافع الخوف على العراق أو الشعب العراقي ، بل لان الرئيس مبارك أدرك وقتذاك إن الشارع العربي في مصر لم يعد يحتمل مشاهدة أو سماع المزيد من الدمار والقتل في العراق ، وان الشعب العربي المصري بات قاب قوسين أو أدنى من النزول إلى الشارع ، مما يعني تفجر حالة من الفوضى الشعبية قد تمتد إلى سائر الأقطار العربية مما يهددها أولا بالسقوط أو التساقط ، وتهديد المصالح الأمريكية المستهدفة أولا في كل المنطقة ، ومن ثم تطورالامور إلى حالة من العنف والفوضى الشعبية لا يمكن التكهن بمدياتها ، ولا يمكن إدراك خطورتها على الأنظمة والمصالح الأمريكية والصهيونية.

 

وكان ما كان إلى أن نضجت كل الأفكار وتهيأت كل مستلزمات نجاح المخطط ، من صمت دولي إلى تواطؤ عربي فاضح ، إلى شراكة مع بعض دول الجوار ، إلى مساندة جهات عراقية عرقية ودينية وسياسية لحسابات ضيقة تنم عن قصور في النظر ، وتدلل على سهولة الارتماء في أحضان الغير واستمراء الاستعانة بالأجنبي ، وتسويغ العمالة باعتبارها عملا وطنيا ، فكانت انتكاسة بغداد في 9/4/2003 ، ووقوع عاصمة عربية ثانية في سلاسل الأسر الصهيوني الشعوبي.

إن الفهم الأمريكي الجديد المستنبط مباشرة من واقع حرب الخليج الثانية ، وقد اعتمدوا على أنفسهم في هذه المرة كمصادر للمعلومات بدلا من اعتمادهم على الغير كما كان يحصل في السابق ، حيث يرون صعوبة التحرك العلني المكثف قبل انهيار الاتحاد السوفيتي ، وقبل أن يتم امتهان الشعب العربي بدءا من كامب البلاء وتغييبه نهائيا ، وقبل قمة القاهرة الطارئة في آب 1990 ، وما رافقها من سيناريوهات مسرحية هزيلة اخفق المخرج العربي في إخراجها ، هذه القمة هي التي شرعت للوجود الأمني والعسكري الأمريكي العلني والمباشر ، بعد إن كان في قواعد هنا وهناك تخجل الأنظمة المستضيفة لها من الاعتراف بوجودها على أراضيها ، بل وتنكر ذلك خشية من ردة فعل الشعب العربي ، في حين صارت الأنظمة العربية الآن تدعو علنا لعدم الخجل من الاستعانة بالأجنبي ، بل وتدعو بقية العرب إلى الاقتداء بها.

 

كان من نتائج الفهم الأمريكي الجديد بعد 1991 أيضا ، تبلور حالة من الخشية الأمريكية من إنتاج نظام حكم شيعي عراقي يرتبط بإيران مباشرة ، وهذا النظام سوف يغلب الجانب الديني المذهبي على حساب العلاقات الدولية والتفاهمات ، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتباران غياب زعيم الثورة الروحي آية الله الخميني لم يمض عليه إلا سنوات قليلة ، وان مشروع تصدير الثورة الذي أجلته الحرب العراقية الإيرانية لم يغادر فكر الاتجاه المحافظ في الحكم الإيراني ، وبذلك سيكون العراق بمثابة مركزا لتصدير ( الثورة الإسلامية في إيران ) إلى الجوار الغربي المهيأ في سورية ولبنان حسب الرؤية الإيرانية ، ومن العراق جنوبا باتجاه السعودية التي بدأت آنذاك المناطق التي تسكنها أغلبية شيعية بالتململ والإعلان صراحة عن تعرضهم للمضايقات والتهميش وحتى التمييز المذهبي من قبل الحكومة السعودية كما يصرحون ، وكذلك الانتقال إلى الكويت وباقي دول الخليج العربي التي تتواجد فيها نسبة لا يستهان بها من أتباع المذهب الشيعي ، وهم يرون تعرضهم لذات ما يتعرض له أبناء المذهب في السعودية ، وان كان بشكل اقل.

 

أما ما جرى قبيل الغزو الأمريكي الأخير للعراق ، فانه يشير إلى الاستمرار بالعمل بذات الأسس التي قام عليها تفاهم جنيف وان كان بصورة متجددة تتواءم مع المتغيرات الدولية والإقليمية ، وضرورة وضع المزيد من الأقنعة للمزيد من خداع الشعوب بتسميات وأطروحات تتسمى بالإسلام ، وخاصة بعد انتكاسة بغداد 9/4/2003 ، وقد أعلن ذلك ضمنا الرئيس الإيراني محمد خاتمي قبل أسابيع ، إذ بدا عاتبا على الإدارة الأمريكية لعدم إيفائها بالتزاماتها وتعهداتها لإيران ، ومع ذلك فان الإدارة الأمريكية على أعلى المستويات والحكومة العراقية المؤقتة معها ، لا تمل من كيل الاتهامات لإيران ، وقد تكون مثل هذه الاتهامات واقعية ، ولها ما يدعمها عمليا ويثبت صحتها على الأرض ، حيث تم الإعلان عن اعتقال عدد من الذين يحملون الجنسية الإيرانية ، وبينهم أعداد من المقاتلين ، غيران الدافع الذي يقف وراء دخولهم وتنفيذهم لعمليات لا زالت قوات الغزو والحكومة العراقية لا سباب تعود إما إلى جهلهم بها حقيقة ، أو لإرادة أمريكية تتطلب عدم الإعلان عنها أو عن طبيعتها والأهداف التي هاجمها هؤلاء المقاتلين ، ليتسنى فهم غايات هذه العمليات وطبيعة أهدافها الآنية والمرحلية ، أما الأهداف الحيوية للسياسة الإيرانية في العراق فهي واضحة تماما.

 

لننطلق هذه المرة من سوء النية في تناول الموضوع ونقول ، إن الثابت لدى المراقب المنصف ، أنه ليس من مصلحة إيران على الإطلاق تحقيق المقاومة نصرا عسكريا على قوات الاحتلال ، بسبب رؤية إيرانية قصيرة النظر يتحكم فيها العامل المذهبي الضيق الأفق ، إن الدافع الذي دفع هؤلاء المقاتلين للدخول إلى العراق ، ليس بالضرورة أن يتفق مع غايات المقاومة الوطنية العراقية ودوافعها وأهدافها التي تسعى لتحقيقها من خلال العمليات القتالية في مواجهة قوات الغزو والمشروع الوافد معه ، بل يمكن القول أن لا هدفا بعيد المدى يجمع بينها وبين الإيرانيين ، رغم إن المقاومة تحقق من خلالهم بعض المكاسب الآنية ، من خلال زيادة انشغال قوات الغزو وأدواتها ، وتشتيت بعض الجهد العسكري إضافة إلى ما تفقده تلك القوات من عناصرها وأثره المادي والسياسي والمعنوي على معنويات المحتلين ، وكل هذه التي تعد مكاسب للمقاومة العراقية ، إلا أنها بالتالي لا تعني الكثير لها ، فقد يحقق الإيرانيون مكاسب فكرية وسياسية تسير في الاتجاه المعاكس تماما للمصالح والمسار الوطني ، بعد أن يتم تكريس تلك المكاسب كواقع عملي لا يمكن القفز فوقه أو تجاهله ، وسيكون صعبا على المقاومة والعراقيين الوطنيين التخلص منها مستقبلا ، وتصفيتها وكل مساحات النفوذ الأجنبي الأخرى أيا كانت جنسيته ، وإنهاء أي شكل من أشكال الاستعمار غير المباشر إيرانيا كان أم أمريكيا أم صهيونيا أم كويتيا ، أو حتى الاستعمار الوطني المتمثل بتلك القيادات التي فقدت ولاءها للعراق الوطن وانتماءها للشعب بكل سماته ومكوناته ، فلا بد إذن إن المقاومة العراقية الآن ، تدرك سطوة الغزو المتعدد الأشكال ، الفكري منه أو الثقافي الممنهج الذي تديره شخصيات إيرانية بالتعاون مع شخصيات عراقية موالية ، وبالتالي فان الاحتلال العسكري المباشر هو أهون أنواع الاحتلال وأشكاله ، وهو الأسهل في مقاومته وإنهائه وهزيمته ، فيما تبقى الأشكال الأخرى هي الأصعب بسبب هلاميتها ، وهي ذات الأثر الأخطر على مستقبل الوطن والشعب.

 

أما الاتجاه الآخر في السلطة الإيرانية ، أو ما يعرف بالاتجاه الإصلاحي بقيادة الرئيس الإيراني السيد محمد خاتمي ، الذي يتبنى على ما يبدو طريق التنسيق والتفاهم مع الإدارة الأمريكية والسلطات المتتالية المعينة في العراق للوصول إلى أهدافه في العراق ، وهذا الاتجاه يطمح أيضا لمزيد من النفوذ في العراق ، ويركز حسب الرؤية العملية له على الجوانب الاقتصادية والسياسية ، إلا أن السبل المتاحة أمامه لتحقيق هذا ، تختلف عن تلك التي تحكم خطوات وسياسات الاتجاه المحافظ الذي يتمتع بسلطات واسعة في الأجهزة الأمنية والمخابراتية ، وهذا يؤكد وجود شكل من أشكال الصراع بين الاتجاهات المتعددة في السياسة الإيرانية ، وتعدد مراكز اتخاذ القرار السياسي ، مما يعكس صعوبة ثبات الدول الأخرى على علاقات مستقرة بينها وبين إيران ، ويستدل على ذلك من حالة التذبذب وتعدد الاتجاهات وعدم الوضوح في السياسات الإيرانية عموما. إن كل ذلك يعكس صعوبة قراءة الاتهامات الموجهة لإيران بدعم المقاومة العراقية صحة أو نفيا ، غير أن كلا الاتجاهين يراهنان على المواطن العراقي الشيعي في مدن العراق الجنوبية ذات الحدود المشتركة مع إيران من الأصول الفارسية ، فيما يجدان صعوبة مع ذات المواطن العراقي الشيعي من الأصول العربية الأصيلة ، ولا يستطيع أي منا نكران وجود تأثير إيراني واضح على المواطن العراقي في المدن المشار إليها ، وهذا أيضا لا يعني مطلقا كل أتباع المذهب الشيعي ، فالعراقيون الذين يرون الواقع كما لا يراه احد غيرهم ، يدركون الرفض الشعبي القاطع من العرب سنة وشيعة لأي نفوذ أجنبي إيراني أو غيره في أية رقعة جغرافية من ارض العراق ، عدا المسيسين منهم الذين تربطهم صلات بجهات أجنبية من بينها إيران ، وهؤلاء لا يشكلون نسبة كبيرة من العراقيين ، رغم إنهم وعلى قلتهم يلعبون الآن دورا ضارا بمستقبل العراق ، من خلال تنفيذهم لمخططات الغير ويخدمون مصالحهم على حساب مصلحة العراق العليا.

 

إن الدور الإيراني وتأثيره على الوضع الراهن في العراق ، لا يمكن فهمه من خلال ما يطلقه هذا المسؤول الإيراني أو ذاك ، بل لابد من الرجوع إلى ما تراه التيارات السياسية الإيرانية ذات الاتجاهين المحافظ والإصلاحي المتصارعين خفية أحيانا ، والمتكاملين المتعاونين أحيانا أخرى ، فالاتجاه المحافظ الذي يقوده رجال الدين ( المتشددين ) ، يطمح في نقل مركز المرجعية العليا لشيعية العالم من النجف إلى قم ، ومثل هذا العمل يتطلب مزيدا من الجهد ، والى سنين عدة من العمل الدؤوب بلا كلل ، ويحرص الاتجاه الإيراني المحافظ على بناء علاقات حسنة ، إن لم تكن علاقات مصالح مشتركة مع السيد علي السيستاني المرجع الأعلى لشيعة العالم في النجف الاشرف ، وهو الآخر يرفض مبدأ نقل المرجعية إلى قم رغم انتمائه لأصول غير عربية ، لا سباب أهمها أنه يؤمن بأحقية النجف في أن تكون المركز الصحيح تاريخيا للمرجعية الشيعية ، وهو بذلك يعبر عن إيمانه العقائدي بمكانة النجف الاشرف المقدسة لدى شيعة العالم ، وقد غلب الولاء العقائدي الديني على الانتماء العرقي ، وليس أدل على هذا من موقفه خلال مواجهات النجف الأولى ، حيث دعا طرفي المواجهات بالخروج من النجف ، وساوى بين جيش المهدي من جهة وباقي القوى التي سبق الإشارة إليها من جهة أخرى ، دون أن يأخذ بنظر الاعتبار إن المواجهات في صورتها المعلنة إعلاميا بين قوات الاحتلال ومسانديها وبين جيش المهدي ، وهذا الأخير هم من أتباعه فقهيا ومذهبيا ، وهو المرجع الأعلى لهم في كل ما يتعلق بشؤونهم الدينية والدنيوية ، لذلك كانت رؤية الآخرين بضرورة أن يتخذ موقفا مساندا لجيش المهدي ، أو منحازا إليه على اقل تقدير ، ويمثل هذا الموقف تأكيدا آخرا على مكانة النجف الاشرف في نفسه.

 

إن مثل هذا لا يعني أن حركة السيد الصدر تهدف إلى الدخول في صراعات مع الاتجاهات الدينية الأخرى في الوسط الشيعي ، بل سيكون الرهان معتمدا على تحقيق مكاسب سياسية من خلال العملية السياسية الجارية الآن في العراق ، رغم لا شرعيتها كونها تجرى في ظل الاحتلال ، وفي ظل حسابات لا وطنية تعتمد أوهام الأكثرية والأغلبية والأقلية متناسية إن الوطن بمن فيه هو الأكثرية ، وان المحتل لا تخدم أغراضه سوى أطروحات تعتمد تلك المفردات أسسا للبناء عليها ، وان تلك الانتخابات مهما زينها المحتل في عقول المخدوعين بآماله أو شركائه ، تبقى نزاهتها موضع شك في نظر حتى القوى الدولية والإقليمية ، فلا يمكن إلا أن تحقق الإدارة الأمريكية من خلالها نظاما سياسيا يقود عراق المستقبل إلى حيث تكون المصالح الأمريكية العليا ، وان كانت على حساب مصالح الشعب العراقي ، فمن الحقائق التي لا يمكن إغفالها ، إن ما خسرته الإدارة الأمريكية من عملية غزوها للعراق ، ليست لأجل عيونهم وليست لأجل الديمقراطية والحرية كما ادعت ، بل لأجل ما يعوض خسائرها عشرات بل مئات الأضعاف ، لذلك لن تسمح إدارة الاحتلال لكسب الانتخابات إلا من الاتجاهات والقوى المساندة والمؤيدة لها ، والتي لا يمكن إلا أن تكون أدوات تنفيذ لبنود المشروع الصهيوني الشعوبي في العراق والمنطقة مستقبلا ، وهم بذلك يقلدون ديمقراطية الاستعمار البريطاني في إقامة دويلة عميلة تديرها واجهات عراقية ، وهذا ما حصل في خلال الاستعمار البريطاني للعراق ، وهذا ما يتفق مع السياسات الإيرانية الحالية في العراق وتوجهاتها ، ولن ننسى إنها أول دولة في العالم اعترفت رسميا بحكومة إياد علاوي المعينة من سلطة الاحتلال.

 

قد لا يغيب عن البال موقف السيد علي السيستاني الذي تبنى إجراء الانتخابات في موعدها المحدد ، حتى إذا تطلب الأمر لإجرائها استثناء المناطق التي لا تنعم بالاستقرار الأمني ، أي المناطق والمدن العراقية التي تشهد عمليات مقاومة عسكرية ضد قوات الاحتلال والقوى المساندة لها ، وهذه المناطق والمدن في غالبيتها يتمركز فيها أتباع المذهب السني ، لذلك كان الحرص على إجرائها في موعدها بمن يشارك ، وهو من العوامل التي تشجع إيران للدفع باتجاه إجرائها في وقتها المحدد ، بالتنسيق مع بعض الأطراف المحسوبة لها عراقيا ، ولا يلقى هذا الأمر أية تحفظات من القيادات الكردية رغم نكرانها لوجود اتفاق بينها وبين قيادات شيعية دينية أو سياسية ، يتلخص في العمل على محورين ، الأول العمل من الجانب الكردي على أن يكون المذهب الشيعي هو مذهب عراق المستقبل ، والثاني العمل من الجانب الشيعي السياسي على دعم المطلب الكردي في أن يكون العراق مستقبلا عراقا فيدراليا ، وهذا باتفاق بين الطرفين برعاية إيرانية سبقت انتكاسة بغداد بأسابيع وأعقبت مؤتمر صلاح الدين ، حيث عقد مؤتمر طهران الذي سجل غياب أية شخصية تمثل العرب السنة ، وكان اللاعبان الأساسيان في هذا المؤتمر إضافة إلى الراعي ، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والحزب الوطني الكردستاني ، وكانت الذريعة في تبرير ذلك الغياب ، إن دخول العرب السنة في اللجنة التحضيرية سيربك الإعداد للمؤتمر وسيكون دافعا للآخرين من الأقليات الأخرى كالتركمان والآشوريين للمطالبة بالمشاركة أيضا ، أي إن الإعداد لتهميش دور السنة وتغييبهم تم بإرادة إيرانية تهدف إلى خلق حالة من عدم الاستقرار تنبأت بها وإرادتها لغايات دنيئة وصغيرة أخلاقيا في قياسات العلاقات بين الأمم والشعوب ، أي إن إيران ما انفكت تخطط وتفكر وحتى تقدم تضحيات في سبيل مطامعها في العراق امنيا واقتصاديا وفكريا وهو الأخطر وهو الأهم بالنسبة لسياساتهم.

raedalhamed@gmail.com

تموز 2004 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
مربع اشتراك لصفحتك على الويب مجموعات Google اشتراك في كلنا للعراق البريد الإلكتروني: زيارة هذه المجموعة
مجموعات Google
اشتراك في كلنا للعراق
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة