مـــركـــز بـغـــداد للدراســـات والاستـــشـــارات
مدونة مركز بغداد للدراسات والاخبار والتقارير والوثائق التي تتعلق بالشأن العراقي وتقديم الاستشارات لمن يطلبها
الأضواء العشرة على الفصائل المسلحة في العراق/ الضوء السادس/ التمشيل السياسي للمقاومة العراقية

الأضواء العشرة على الفصائل المسلحة في العراق

الضوء السادس

 

التمثيل السياسي للمقاومة العراقيّة

 

رائد الحامد

02/12/2007

إنّ اعتبار العراق تحت احتلالين هما الأمريكي الصليبي والإيراني الصفوي ، حسب وصف بيان الجيش الإسلامي في العراق ، وأنّ هذا الأخير هو الأخطر على العراق ، وأنّ إيران هي العدو الأول ، وغير هذا من السياسات المعلنة للجيش الإسلامي في العراق الذي يعكس الصورة السياسية الكاملة لنهج وأهداف وغايات جبهة الجهاد والإصلاح  ، ومن ثمّ المجلس السياسي للمقاومة العراقيّة بالمشاركة مع حركة المقاومة الإسلاميّة حماس العراق ، وهو أمر خطير قد يؤدي ببقايا المشروع الجهادي في العراق ، أمّا ما يجب أن يكون عليه موقف جبهة الجهاد والإصلاح وغيرها من فصائل المقاومة الإسلاميّة الوطنية التي تؤمن بتحييد عدو أو أكثر ، وهو أضعف الإيمان ، فيتلخص في أنّه لا يمكن مهادنة العدو الأمريكي إلى الأبد ، بل تبقى أمريكا عدوا ً أولا ً مؤجلا ً ، إذ أنّها وإيران كلاهما عدو أول ، حتّى وإن كان العدو الإيراني أكثر خطورة على عقيدتنا الدينية وهويتنا العربيّة الإسلاميّة من أمريكا ، وهو ما نؤمن بـه حقا ً ، إذ أنّ العدو الإيراني يمتلك مشروعا ً إمبراطوريا كسرويا ً شعوبيا ً يستهدف انتماءنا العربي الإسلامي وثقافتنا ، يدفعه لهذا حقد تاريخي يمتد إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي فتح بلادهم عنوة وأسقط إمبراطوريتهم ، ولإيران أيضا ً أطماع تاريخية في أرضنا وثرواتنا ، كما أنّها تشترك معنا في جوار جغرافي لا فكاك منه ، ولديها مشروع استيطاني خبيث مهد له الدستور الحالي الذي خطت بنوده أنامل رجالات إيران وسهل تمريره الحزب الإسلامي العراقي ، هذا الدستور الذي يعتبر العراقي هو كل من ولد من أب أو أم عراقية ، والاهم إن إيران تستهدف عقيدتنا الإسلاميّة عن طريق نشر التشيع الصفوي الذي هو مزيج من مبادئ وأسس كلٍّ من الديانة المجوسية والقومية الفارسية .

 

وعلى العكس من إيران ، فإنّ العدو الأمريكي لـه أهداف أخرى قد يتخلى عنها في القريب العاجل وفق اختلاف معادلة التوازنات الدوليّة وطبيعة مصالحها وأهدافها ، فالنفط والقواعد العسكريّة الدائمة والحفاظ على أمن الكيان الصهيوني ، يلخص أهمّ أهدافها الحيوية من عدوانها على العراق ، وإن كان العراق وموقعه يميزه عن غيره من البلدان في تحقيق هذه المصالح ، إلاّ أنّ الولايات المتحدة بإمكانها إيجاد البدائل في مناطق أخرى بتضحيات أقلّ فيما لو أصرّت على تحقيق مصالحها ، أمّا إيران فلديها سياسة معلنة منذ مجيء الخميني إلى السلطة عام 1979 ، تتمثل في تصدير ما يسمى بالثورة الإسلاميّة إلى العراق وباقي الأقطار العربيّة ، وهو المشروع الذي شنت لأجله عدوانها على العراق مدة ثماني سنوات ، ولم يتمكن العراق خلالها من القضاء عليه ، بل تمكّن فقط من تأجيله إلى حين تمّ احتلال العراق عام 2003 من قبل العدو الأمريكي بتعاون إيراني رسمي اعترف بـه علنا ً كلّ من الرئيس الإيراني السابق خاتمي ونائبه أبطحي ، وذكّر بمشروع تصدير الثورة الرئيس الإيراني الحالي أحمدي نجاد في أكثر من مناسبة ، خاصّة خلال زيارته إلى أفغانستان العام الماضي وخلال حرب تموز 2006 في لبنان ، حيث أشار وهو في نشوة انتصارات حزب الله إلى قيام دولة المهدي أكثر من مرة .

 

لا شكّ أنّ الجيش الإسلامي في العراق يسعى للاستئثار بورقة التمثيل السياسي للمقاومة العراقيّة عبر جبهة الجهاد والإصلاح ، ثمّ عبر الإعلان عن المجلس السياسي للمقاومة العراقيّة الذي ضمّ فصائل المقاومة الإسلاميّة الوطنية الأربعة في جبهة الجهاد والإصلاح قبل انسحاب جيش الفاتحين ، إضافة إلى الجبهة الإسلاميّة للمقاومة العراقيّة ( جامع ) وحركة المقاومة الإسلاميّة ( حماس العراق ) ، وهما سبق وأن أعلنتا في 30/4/2007 اندماجهما كليا ً على المستويين العسكري والسياسي ، والمشروع السياسي للمجلس السياسي للمقاومة العراقيّة ليس بديلا ً عن المشروع الجهادي ، كما جاء في بيان المجلس ، وإنّما هو متمّم وخادم لـه ، واعتبر ( المقاومة المسلّحة تشاركها القوى والهيئات والشخصيات الرافضة للاحتلال ومشاريعه هي الممثل الشرعي للعراق ، وهي من يتحمل مسؤولية قيادة شعبه لتحقيق آماله المشروعة ) ، ومعروف عن الجيش الإسلامي في العراق قيادته لجبهة الجهاد والإصلاح كونه الفصيل الأكبر ، ولـه توجهات قطرية بينة نأت بـه عن السلفية الجهادية ، خاصّة في مسألة رفضه منهجيا ً وليس ميدانيا ً استقبال المجاهدين الوافدين من خارج العراق قبل أن تظهر إساءات أو تجاوزات عناصر تنظيم القاعدة أو المندسين فيه ، وهو ما جعله أكثر قبولا ً من أطراف الصراع الأخرى ليكون متصدرا ً لأيّة عملية سياسية مستقبلية ، خاصّة وأنّه قريب جدا ً من القوى السياسية السنية ذات النزعة الوطنية المقبولة عربيا ً وإقليما ً وعالميا ً ، وهي القوى التي دخلت في العملية السياسية ، مما يؤهله لتحقيق طموحاته المستقبلية في أن يكون الناطق الرسمي باسم المقاومة في العراق عبر رعايته تأسيس المجلس السياسي للمقاومة ، كما أنّ انضمام حماس العراق أعطى زخما ً رافعا ً لهذا المجلس ، خاصّة وأنّها أعلنت عن برنامج سياسي زاوج بين الخطاب الإسلامي والخطاب الوطني الذي لم يكن مقبولا ً من أطراف جبهة الجهاد والإصلاح قبل إعلانها ، هذا الإعلان الذي نقلها من التصنيف الذي لا زالت تصرّ عليه بأنّها تلتزم بالمنهج السلفي والسلفية الجهادية إلى إطار المقاومة الإسلاميّة الوطنية ، ويصح هذا إن التزمت قيادتها باستمرار قتال قوات العدو الأمريكي ، وهو أمر مشكوك فيه خاصّة بعد أحداث العامرية ثمّ اللطيفية وأخيرا ً سامراء حيث قاتلت تنظيم القاعدة جنبا ً إلى جنب مع قوات العدو الأمريكي وقوات حكومية حسب تصريحات قادة العدو نفسه.

 

 

حتى لا يساء فهم الموقف الذي نراه من تنظيم القاعدة نقول ، إن تنظيم القاعدة  أساء كثيرا إلى العراقيين بمختلف مكوناتهم ، من خلال قبوله الكثير من السيئين في صفوفه من الذين لم يحسن تجنيدهم ، بل اعتمد قادته مبدأ الكثرة على النوع ، مما افقدهم السيطرة على سلوكيات بعض أفراده ، وهو ما سهل مهمة اختراقه من قوى محلية كالمجلس الأعلى عبر نافذين من أهل الانبار ، وإقليمية كإيران من خلال رجالاتها في العراق أو من خلال كبار قادة القاعدة الذين يقيمون على الأراضي الإيرانية ، ودولية كأمريكا بالتنسيق مع دول عربية كالأردن والسعودية ، أو مع قوى محلية كالحزب الإسلامي العراقي وغيره ، إلا أن الفصائل الأخرى على ما يبدو ، كما هو تنظيم القاعدة لم تكن جادة في تدارك الأمر قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة التي هم عليها الآن ، ولكن تبقى هناك حلولا كان عليهم أن يفتشوا عنها ، وهذه الحلول عادة تكون في الزاوية المقلوبة تماما من التوجهات والأهداف الأمريكية لتفويت الفرصة عليها ومنعها من استثمار الخلافات بين الفصائل وتجييرها لصالحها ، خاصة بعد السنوات الثلاث الأولى التي أشرت فشل العدو في القضاء على المقاومة ، وبان انتصار المقاومة جليا للقاصي والداني لولا دخول العرب السنة في العملية السياسية بضوء اخضر من قادة فصائل المقاومة الإسلامية الوطنية التي فرضت الاستقرار الأمني لإنجاح انتخابات 15/12/2005 التي توجت بدخول عدد من المتقدمين في تلك الفصائل في الحكومة والبرلمان ، ومن خلالهم تمّ استدراج المجاهدين إلى فخ الدخول في الشرطة والجيش بحجج واهية ، وان كان ثمة استفادة يمكن استحصالها فان نسبة خمسة بالمائة فقط من المجاهدين في صفوف الشرطة والجيش كافية لتحقيق مآربهم ، أما الدخول بهذه النسبة العالية فهو الطامة الكبرى ، إذ أن المنطق والعقل يقول إن عناصر الشرطة والجيش لا يمكن أن يقاتلوا العدو بأي شكل كان ، فالعدو ليس بهذا الغباء الذي يقبل فيه تدريب أعدائه وتسليحهم لمقاتلته ، والقاعدة المعروفة تقول انه لا يمكن أن تكون خصما للعدو وصديقا له في آن واحد.

 

بعد الأحداث الدامية بين الفصائل الجهادية ، في أبو غريب والعامرية وديالى وصلاح الدين وغيرها ، وتبني بعضها نهجا سياسيا يتعاظم على حساب النهج المسلح ، وبالذات الاصطفاف المؤلم لكتائب ثورة العشرين بشقيها وخاصة حماس العراق إلى جانب العدو الأمريكي ، وصحوة الانبار والحزب الإسلامي والوقف السني والجيش الإسلامي بتعاونه مع بعض العملاء من المنتفعين ومن شيوخ العشائر في الأنبار وديالى وصلاح الدين ونينوى وغيرهم ، وما سينتجه هؤلاء الشيوخ من صحوات جديدة أو أفواج طوارئ أو أفواج حماية أمنية مؤقتة في كل المناطق التي عرفت بجهادها للأعداء ، وكل ذلك بحجة الحرب على تنظيم القاعدة ، وان كانت هذه تستحق حقا أن نقاتلها ، وهي تستحق في مواضع كثيرة ثبت إن المفاسد التي تجلبها على الجهاد ، والضرر الذي تلحقه بالمجاهدين يستدعي التصدي لها وطردها من تلك المناطق ، فان علينهم أن يقاتلوها وحدهم دون تعاون مع العدو أو مع العملاء ، إما أن يصطفوا إلى جانب العدو لقتالها ، ويقومون بتسليح العشائر من خزينهم الذي دفعوا مالهم ودمائهم ثمنا للحصول عليه ، فهو أمر لا يقرّه منطق ولا يبرره عاقل.

 

قراءة في صياغة مفردات رد الجيش الإسلامي في العراق على خطاب أبي عمر البغدادي ، نجد بأنّه قد خندق الساحة العراقيّة إلى خندقين دون استئذان الفصائل الأخرى فأكثر من استخدام صيغة الـ (نحن) دون أن يحدد (نحن) أو إننا في الجيش الإسلامي ، بل بصيغتها المطلقة متناولا أمورا تتعلق بفصائل أخرى وكأنه يتحدث نيابة عن الجميع ، وفي المقابل استخدم صيغة (هم) و (هؤلاء) كناية عن تنظيم القاعدة فقط ، إلاّ أنّ وقائع ما جرى خلال الأسبوعين الأول والثاني من شهر تشرين الثاني في اللطيفية وسامراء وما يتمّ تأسيسه من أفواج أمنية في السيدية والأعظمية وحي الجامعة والدورة والغزالية قد يغير معادلة التخندق لتشمل هذه المرة قوات وزارتي الداخلية والدفاع الحاليتين .

 

في إطار صراعه الخفي مع تنظيم القاعدة على قيادة الساحة الجهادية في العراق منذ تأسيس الجيش الإسلامي في العراق في أواسط مايس 2004 ، والقتال الذي دار وسيظل دائرا ً بينهما يمكن اعتباره من أهمّ تداعيات هذا الصراع ، إذ سبق وأن حاول الجيش الإسلامي أن يتوج نفسه قائدا ً لمرحلة جديدة منذ منتصف عام 2005 ، حيث عقد اجتماعا ً كبيرا ً في مدينة الرمادي ضمّه إلى جانب جيش المجاهدين وكتائب ثورة العشرين والجبهة الإسلاميّة للمقاومة العراقيّة ( جامع ) لتنسيق الجهود فيما بينهم باسم مجلس التنسيق الرباعي ، خاصّة في الخط العسكري مما جعلهم يبدون أكثر قوة في مواجهة تنامي قوة تنظيم القاعدة وهيمنته على الساحة الجهادية ، ومجلس التنسيق الرباعي جاء في إطار الصراع على زعامة الساحة الجهادية في العراق وقيادتها ، وهو ما ساعد على اجتذاب العديد من المقاتلين العراقيّين من صفوف تنظيم القاعدة ممن أخذوا يستشعرون خطر هذا التنظيم واستهدافه المدنيين ونيته إشعال حرب أهلية مع الشيعة ، وهي رؤية تستجيب للرؤية العربيّة الرسمية ، إضافة إلى أنّ القادة العرب طالما كانوا يرددون كلاما ً عن ضرورة وضوح هوية المقاومة في العراق والنأي بها عن تنظيم القاعدة ، وبالتأكيد فإنّ رسائل هؤلاء القادة وصلت بشكل أو بآخر إلى قادة الفصائل ، لكن ذلك الاجتذاب لم يستمر طويلا ً ، إذ أنّ إعلان دولة العراق الإسلاميّة أواخر العام 2006 وقبلها إعلان حلف المطيبين ساهم في التحاق مجاميع بأكملها من معظم فصائل المقاومة الإسلاميّة الوطنية ، وهو ما أزعج تلك الفصائل وزاد من رغبتها في ضرورة التخلّص من تنظيم القاعدة .

 

كان إعلان قيام دولة العراق الإسلاميّة ودعوتها باقي الفصائل لمبايعتها والحكم بالعصيان على الممتنعين ، أو عدم قيام الجيش الإسلامي في العراق باللجوء إلى لجان التّحكيم أو فضّ النزاعات المعمول بها بين الفصائل كما يتهم ، وإظهار الخلافات وتصعيدها عبر المنابر الإعلامية ، وهي سياسة تستجيب لتوصيات مؤسسات أمريكية في ضرورة إظهار الخلافات إلى العلن كإحدى وسائل شقّ وحدة الحركات الجهادية ، كان هذا بداية النهاية لأيّة علاقة حسنة ممكنة مستقبلا ً بين تنظيم القاعدة وبين الجيش الإسلامي في العراق وباقي الفصائل التي تمّ احتوائها في إطار جبهة الجهاد والإصلاح ثمّ في المجلس السياسي للمقاومة العراقيّة ، وهو طلاق بلا رجعة دون الحاجة إلى افتعال ما جرى في العامرية وصلاح الدين وديالى وجنوب بغداد وأخيرا ً في سامراء واللطيفية وغيرها وما سيحدث لاحقا في نينوى حيث فرّ إليها مقاتلوا تنظيم القاعدة من ديالى ، بغض النظر عما إذا كانت فصائل المقاومة الإسلاميّة الوطنية هي المتسببة أو دولة العراق الإسلاميّة .

 

ومن الأسباب المهمة لترجيح ذلك الطلاق الأبدي ، ما جرى في مدن كالرمادي وحديثة وهيت حيث تمّ تعليق بيانات على جدران المساجد والمحلات التجارية أعلنت فيها مجاميع بأكملها بيعتها لدولة العراق الإسلاميّة فور الإعلان عنها ، وأغلب هذه المجاميع كانت من مجاميع الجيش الإسلامي في العراق ، إضافة إلى بعض مجاميع جيش المجاهدين ، وكذلك البعض من كتائب ثورة العشرين وغيرهم مما أضعف دورهم في الأنبار ، وخاصّة الجيش الإسلامي حيث انحسرت عملياته في مناطق محددة في بغداد وجنوبها كالدورة وأبي دشير واللطيفية واليوسفية ، وبعض مناطق شمال بغداد ومناطق أخرى في محافظة صلاح الدين .

 

لم يكن ذلك الطلاق خيارا ً وحيدا ً ، كما أنّه لم يكن خارج إطار القدرة على الإصلاح ، ويبدو أنّ كلا الطرفين كانا راغبين فيه لإختلاف دوافعهما من العمل المسلح وتناقض الرؤى السياسية والتوجهات المستقبلية والمرجعيات العقائدية ، إضافة إلى الجهات التي تقف وراء كلّ منهما ، والاهم إن هذا الطلاق يعد لازمة ضرورية لحسم صراعهما على قيادة الساحة الجهادية بغض النظر عن مخاطر هذا الصراع على المشروع الجهادي في العراق ، وكلاهما باتا بحاجة إلى مبررات تجنبهما المزيد من التساؤلات التي ستطرحها قواعدهما القتالية والجهادية ، وبالتالي فإنّهما معا ً مسؤولان عن تقويض مشروعي المقاومة والجهاد في العراق والذي بات أمر القضاء عليهما وشيكا ً إن لم يتداركه العقلاء والمخلصون.

 

في نيسان 2007 دعا الجيش الإسلامي في العراق زعيم تنظيم القاعدة الشيخ أسامة بن لادن شخصيا ً إلى التدخّل لوضع حد لممارسات فرع القاعدة في العراق ، متهما ً التنظيم بقتل مجاهدين تجاوز عددهم الثلاثين من جماعات مسلحة أخرى بينها جيش المجاهدين وكتائب ثورة العشرين وأنصار السنة ، ويلاحظ أنّه تحدّث نيابة عن جماعات أخرى لها منابرها الإعلامية والسياسية ، ولم تتوقف الشكوى عند هذه الحدود بل تعدتها إلى بيانات وتصريحات منسوبة إلى قادته ، وصفت فيه اعتداءات التنظيم التي وصلت حدا ً أصبح فيه الاعتداء على بيوت الناس وأخذ أموالهم أمرا ً سائغا ً ، ورمي الناس بالكفر والردة أمرا ً مألوفا ً مشاعا ً ، ثمّ لم يرق لهم إلاّ التشهير في الإعلام ، منذ ما ظهر في خطابي الأخ أبي حمزة والأخ أبي عمر البغدادي حيث أكثر من كيل التهم حتّى تجاوز الكتاب والسنّة وأوغل في مخالفة منهج سلف الأمة بدعايات يعلم عدم صحتها ، كما جاء في بيان الجيش الإسلامي في العراق .

 

طلب الجيش الإسلامي في العراق تدخّل ابن لادن شخصيا ً وإعادة النظر في فعل من يحسبون عليه ، اعتبره الشيخ عبدالستار عبدالجبار الناطق الرسمي لجماعة علماء العراق ، بداية خروج المعركة بين الفصائل إلى العلن ، وستكون الفصائل هي الطرف الخاسر فيها ، وكان الدكتور علي النعيمي الناطق الإعلامي في الجيش الإسلامي قد صرّح في 12/6/2007 ، أنّ المحتل وأذنابه يمارسون دورا ً خبيثا ً في التفرقة بين المجاهدين والتشويش على الناس ، وإنّ منهجنا قائم على قتال المحتل بنوعيه ومن والاه وعاونه ، ولذا فليس بيننا وبين قوات الاحتلال ومن معهم  إلاّ القتال حتّى نحقق النصر عليهم بمشيئة الله ، وفي منهج الجيش الإسلامي جاء لا مشرع بحق إلاّ الله تعالى ، نتبرأ ونخلع ونكفر بكلّ مشرع سواه ، والمقصود بالمنهج الشرعي في الفكر السلفي هو التمسّك بالقرآن الكريم والسنّة النبوية وإجماع السلف الصالح وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم والأخذ بأقوالهم وتابعيهم من خير القرون الثلاثة الأولى .

 

في ظل ما اشرنا إليه من ظروف عامة وخاصة ، ذاتية وموضوعية ولد المجلس السياسي للمقاومة العراقية ، وهي ظروف لم تكن مؤهلة لولادة ناضجة غير قابلة للطعن ، فساحة العمل المسلّح تشهد تناقضات واستقاطابات وتجاذبات في عمومها غير عراقية ، والأهمّ وباء الاشتباكات التي عصفت بالساحة العراقيّة بين تنظيم القاعدة من جهة ، وبين بعض فصائل المقاومة الإسلاميّة الوطنية ضمن المجلس السياسي للمقاومة العراقيّة ومن يتلقي معها في ذات الهدف من العشائر والحزب الإسلامي ومجالس الصحوات وأفواج الطوارئ وقوات العدو الأمريكي والحكومة والميليشيات من جهة أخرى ، لذا لا يمكن التأكّد من صدق نوايا المجلس المعلنة في بيانه التأسيسي ، على الرغم من إعلانه برنامجا ً لتحرير العراق ، وهو برنامج سياسي وليس قتالي انطلاقا ً من تأكيد البيان على أنّ المقاومة المسلّحة مع قوى سياسية أخرى ممثلا ً شرعيا ً للعراق ، وهي من تتحمّل مسؤولية قيادة شعب العراق لتحقيق آماله المشروعة ، كما جاء في البيان ، وهو إقصاء للآخرين الذين اختلفوا معهم في الرؤية من الفصائل الأخرى ممن حملوا السلاح ضدّ العدو الأمريكي بمن فيهم تنظيم القاعدة الذي يضمّ في غالبيته المطلقة عراقيين وإن اختلفوا مع غيرهم من الأهداف والغايات البعيدة المدى ، لكنهم شركاء في مستقبل العراق لأنّهم جزءٌ من الجهد المسلّح ، وهو حقّ لهم أقرّه بيان المجلس السياسي لكل من يساهم في تحرير العراق ، فهم أوقعوا بالعدو خسائر أكثر من غيرهم لا يجرؤ مسلم منصف على نكرانها ، حتى وإن أخطأوا أو أجرموا أو اختلفوا مع غيرهم في الفكر والتوجه ، وسبق لأغلب الفصائل أن اعترفت بدور تنظيم القاعدة ببيانات رسمية قبل حربها الإعلامية على القاعدة .

 

إنّ هذه الرؤية تصح فقط حين يظلّ مفهوم المقاومة المسلّحة الراسخ في العقل الجمعي للعراقيين محافظا ً على ذات المفهوم الذي كان عليه قبل إعلان الحرب المنظمة على تنظيم القاعدة ، وهو ما يطرح تساؤلا ً قد تجيب عنه قابل الأيام ووقائع الأرض التي يراها العراقيون دون غيرهم ، والتساؤل هو : من هي الفصائل المسلّحة التي تقاوم العدو الأمريكي الآن حقا ً ؟ أم أنّ قتال تنظيم القاعدة دون غيره يعدّ وحده الآن مقاومة مسلحة ؟

 

ما ورد في بيان المجلس السياسي يعدّ تمهيدا ً للصلح مع العدو الأمريكي وإلغاء لأسمى أهداف المقاومة في العراق ، وهو هزيمة العدو ومشروعه عسكريا ً وسياسيا ً ، وهو الهدف الذي دفع المجاهدون دماؤهم ثمنا ً لـه ، والعدو مطلع هذا العام كان في أسوأ مراحل وجوده في العراق باستثناء الأيام الأولى من معركة الفلوجة الأولى ، لكن الرغبة المتعجلة في ما بات معروفا ً بقطف ثمرة الجهاد تبدو في غير أوانها ، بل ستأتي بنتائج عكسية ليس على فصائل المقاومة الإسلاميّة الوطنية التي ستكون حتما ً أول ضحاياها ، وعلى عموم الفصائل والشعب العراقي بأسره إن لم تكن شعوب العالمين العربي والإسلامي ، فهل يمكن النظر إلى هذه الجبهات والمجالس بأنّها حبل إنقاذ للولايات المتحدة من هزيمة كانت وشيكة تذكرنا بالدور القذر الذي لعبه الحزب الإسلامي في معركة الفلوجة الأولى؟ ، أم هي حقا جبهات ومجالس تريد تحرير العراق بأساليب أخرى؟.

 

دعوة المجلس السياسي للمقاومة العراقية لتشكيل حكومة من المهنيين لإدارة العراق خلال فترة انتقالية تنسجم مع ما يدعو إليه إياد علاوي منذ أكثر من عام ونصف دون أن يحقق هدفه لأسباب منها صلته بجرائم الاحتلال في الفلوجة والنجف 2004 مما جعله وجها ً لا يحظى بالقبول الكافي لدى العراقيّين ، فهل تبحث الولايات المتحدة عن وجوه أكثر قبولا ً منه؟ وتلك الدعوة هي ذاتها التي تبناها طارق الهاشمي ضمن طموحاته لرئاسة العراق ، وهو عرّاب العدو المقرّب من فصائل المقاومة الإسلاميّة الوطنية والمجلس السياسي للمقاومة العراقيّة، وعرّاب الصحوات ومهندسها منذ تجربتها الأولى كتائب الحمزة عام 2004 في القائم ، وانتهاء بالدور الذي لعبه بين أبو العبد احد قادة الجيش الإسلامي في العامرية وبين العدو الأمريكي ، وقد لا يعني شيئا الخطاب السياسي المعلن من جبهتي الجهاد والتغيير والجهاد والإصلاح ضد الهاشمي بعد زيارته المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني بعد أن بارك حزبه إعلان المجلس السياسي ، فالهاشمي وحزبه ليسا أقلّ من المرشد الروحي لحركة حماس العراق ذات المرجعية الإخوانية الصوفية كما هي حركة جامع ، فيما تصرّ جبهة الجهاد والإصلاح على تبنيها نهجا ً سلفيا ً.

 

اللقاء الفكري الإسلامي بين السلفية والصوفية أمر معقّد يزداد تعقيدا ً مع مرور الزمن ، ويزول هذا التعقيد إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المنهج السلفي الذي اعتمدته جبهة الجهاد والإصلاح في بيانها التأسيسي يعتمد مبدأ الوسطية والاعتدال ، وهو ذات المبدأ المعتمد لدى تيار الصحوة الذي تبناه علماء دين سعوديين كسليمان العودة وناصر العمر ووليد الرشودي وغيرهم من المحسوبين على الحكم السعودي ممن عرفوا بمواقفهم من الجهاد السلفي وقادته ، وضرورة تطويع مفاهيمه ليوائم الإسلام الحضاري أو المعاصر الذي تنادي بـه مؤسسات الدراسات الأمريكيّة ، وإعطاء الأولوية للإعداد التربوي كجهاد أكبر على الإعداد العسكري أو القتال كجهاد أصغر حتّى وإن كان هناك غازٍ يحتل بلدا ً مسلما ً ، وهو ما نفهمه أكثر من مجموعة المحاضرات والدروس الموجودة على موقع الإسلام اليوم الإلكتروني .

 

دخول حماس العراق المتحالفة علنا مع العدو الأمريكي في قتال تنظيم القاعدة في ديالى ، إضافة إلى حركة جامع ، ودخولهما معا ً في المجلس السياسي قد يفتح الباب أمام دخول قوى أخرى أكثر بعدا ً عن المنهج السلفي ، بل هي أصلا ً لا تحمل فكرا ً إسلاميا ً كالصحوات العشائرية ، خاصّة العشائر العراقية التي بايعت الجيش الإسلامي ضمن حملته بين العشائر لتنفيرها من القاعدة أوائل العام الحالي ، وكذلك التكتلات السياسية ذات الاتجاه الفكري الوطني كجبهة التوافق التي ينظر إليها أحيانا ً جناحا ً سياسيا ً لبعض فصائل المقاومة الإسلاميّة الوطنية ، أو جبهة الحوار الوطني ذات التوجه العلماني وغيرها ، وبالتالي بناء جبهة سياسية عريضة يجمعها العداء لتنظيم القاعدة وقادرة على أن تكون كتلة مؤهلة للتحدث منفردة باسم العرب السنّة كطرف وحيد وواحد مقابل طرفي التنافس الشيعي والكردي المؤتلفان مصيريا ًمعا ً .

 

على الرغم من أنّ كلا ً من المجلس السياسي وجبهة الجهاد والتغيير يقفان على مساحة متقاربة من الحرب على تنظيم القاعدة ، إلاّ أنّ تبني المجلس السياسّي نهجا ً سياسيا ً صرفا يتعاظم على حساب النهج المسلح ، ويقترب أكثر نحو التفاوض الرسمي المعلن مع العدو الأمريكي والاتفاق معه على الدور السياسي المستقبلي ، فإنّ فراغا ً مرعبا ً في مساحة العمل المسلّح ضدّ العدو قد ، وأقول قد يغري جبهة الجهاد والتغيير بفصائلها الثمانية ، أربعة منها فقط ذات ثقل في الميدان ، قد يغريها بالاتجاه نحو التخلي عن حربها ضدّ القاعدة والاتجاه نحو المزيد من العمل المسلّح ضدّ العدو ، وهو ما يفهم من رسالتها الأخيرة إلى المجلس السياسي عشية إعلانه.

 

عموما ً يمكن القول أنّ الأوراق التي يلعب بها المجلس السياسي للمقاومة العراقيّة قد تسقط في غير أوانها ، بدءا ً من ورقة الصحوات وأفواج الطوارئ والأفواج الأمنية (عقود مؤقتة لمدة 90 يوما ً ) وتأليب العشائر ضدّ تنظيم القاعدة ، والاقتراب من الإعلان الرسمي للهدنة مع العدو الأمريكي وإلقاء السلاح ضده والدخول بالنهاية في تفاوض رسمي ومعلن يتمّ تبريره بالخطر الصفوي وضرورة التعاون مع العدو الأمريكي للقضاء على النفوذ الإيراني في العراق ورجالاته ، على اعتبار أنّ الجيش الإسلامي أعلن رسميا ً أنّ إيران هو العدو الأول ، وهو رهان خاسر بكلّ تأكيد ، ويبقى العدو الأمريكي هو الرابح الأول من هذا الرهان ، فالتمثيل السياسي لشعب العراق ومقاومته هو من نصيب الفصائل التي تتمسك بسلاحها حتى اللحظة الأخيرة التي يذعن فيها العدو صاغرا منفذا لشروط المقاومة أو منهزما يذكرنا باللحظة الفيتنامية ، والمجلس السياسي أو غيره عليه أن يعي إن أول شرط يضعه العدو عليه هو إثبات مصداقيته في قدرته على إيقاف العمليات المسلحة ضده ، وبالتأكيد فانه ليس قادرا على هذا على الأقل في الظرف الراهن ، وهو ما لم تسمح بتحققه فصائل المقاومة العراقية الأخرى.

raedalhamed@gmail.com

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
مربع اشتراك لصفحتك على الويب مجموعات Google اشتراك في كلنا للعراق البريد الإلكتروني: زيارة هذه المجموعة
مجموعات Google
اشتراك في كلنا للعراق
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة