الأضواء العشرة على الفصائل المسلحة
الضوء السابع
ميزان القوى في العراق
رائد الحامد
15/02/2008
في الوقت الذي تجهد القوى الشيعية الكبرى كميليشيات مقتدى الصدر والحكيم في تقوية نفسها وتوسيع دوائر سيطرتها المناطقية على الأرض ، وتعزيز إمكانياتها المادية ونفوذها السياسي ، من خلال الهيمنة على مراكز القرار السياسي وامتلاك ناصية الاقتصاد العراقي وتعزيز قدراتها العسكرية يوما بعد يوم بالتعاون مع إيران ، فان القوى السنيّة تزداد ضعفا ًيوما ًبعد آخر وشقاقا ًوانقساما ًوتقاتلا ً، وهي القوى التي دخلت بالعملية السياسية منذ مجلس الحكم الانتقالي كالحزب الإسلامي العراقي وبعض العملاء الآخرين من الشخصيات المستقلة ، أو التي دخلت بعد انتخابات 15/12/2005 بمباركة وتشجيع ودعم من فصائل سنيّة مسلحّة أدخلت العديد من قياداتها من الصفين الثاني والثالث في العملية السياسية تحت ستار جبهة التوافق ، وكانت الذريعة ذاتها التي سوغت للعرب السنّة الدخول في الجيش والشرطة في ظلّ الاحتلال ، علينا أن لا نترك الساحة للميليشيات والصفويين متناسين إن أكثر من هللّ لها جورج بوش ووزيرة خارجيته التي اعتبرته نصرا للديمقراطية على الإرهاب ، وإنّ من أفتى بالدخول شرعا ًهم ثلةّ من علماء مأجورين يتقدمهم الشيخ عبدالغفور السامرائي ، وهؤلاء لم يستطيعوا وقف تهجير أكثر من أربعة ملايين سنيّ في الداخل والخارج من مجموع خمسة ملايين ، ولم يوقفوا قتل حوالي ثلاثة الآف سنيّ خلال أقل من أسبوع واحد أعقب أحداث سامراء التي افتعلتها وزارة داخلية صولاغ في شباط 2006 ، وان كان ثمّة أرض كانوا يسيطرون عليها في الأنبار بإعتراف أكثر من قائد من قادة العدو الأمريكي الذين صرّحوا بفقدانهم الانبار وخسارتهم إياها وإنها ارض رعب لهم ، افقدهم ولاء الرأي العام الأمريكي الساخط على حماقات قادته التي استنزفت دماء 4000 من الأمريكيين الأصليين ، وعشرات الإضعاف من المرتزقة والباحثين عن الجنسية الأمريكية أو الكرين كارت أو الدراسة الجامعية أو الثروة وغيرها ، وكذلك استنزاف اقتصادهم الذي سجل خسارة تقدر بملياري دولار في الأسبوع الواحد ، وبدت قوات العدو وكأنها جيوش منهارة تبحث عن خلاصها بأي ثمن ، وهو ما لم تستطع قيادات الفصائل قبضه بعد إن شغلت نفسها بمعارك جانبية خطط لها العدو ودبر لها عملاؤه بقناعات استولت على تفكيرهم بان كل ما يجري هو رد فعل على أخطاء تنظيم القاعدة ، فاستغل الصفويون أحد الخطرين المزعومين الفرصة ليعلنوا صراحة إنهم مستعدون لقبض الثمن ومليء الفراغ فيما لو انهزم العدو الأمريكي أو انسحب في أفضل الأحوال ، ليزيد من قناعات الفصائل بحقيقة خطرهم ويشيحوا النظر عن العدو الأمريكي الذي لولاه لما كان هناك وجود للعدو الصفوي.
تلك الأرض لم تعد أرض تمكين للعرب السنّة بعد أن تقاسم النفوذ فيها زبانية الحرب الإسلامي ومجالس الصحوات فيما أصبح ثمن دماء المجاهدين مزيدا ًمن الخلافات التي تطورت إلى إقتتالات وثارات فصائلية وعشائرية لن تنتهي في الأمد المنظور ، وليتم الزج بعشرات الآلاف من أبناء العشائر ومن المقاتلين في الأفواج الأمنية والصحوات لمزيد من الدماء والمشاعر العدائية لتكون القاعدة العدو الأول قبل العدوين الأمريكي والصفوي ، وتنظيم القاعدة لم يعد كما كان في السنّة الأولى من الاحتلال من المهاجرين العرب ، بل إن أكثر من 90 بالمائة منه اليوم هم من العراقيين ، والقاعدة ليست في حلٍّ مما جرى ويجري بل حتى الساعة يتبنى خطابا عضلاتيا يختلق المزيد من الأعداء من الفصائل وأهل السنّة معا ، وان كانت الفصائل الأخرى قد سايرت مخطط العدو الأمريكي في زرع بذور الفتنة بين الفصائل بوعي أو بدونه فان تنظيم القاعدة ساير مخطط العدو الأمريكي هو الآخر ، وهو مسؤول إن لم يكن متسبب بشكل أو بآخر في ما جرى ويجري.
الثمن الموعود ليس حكرا ًعلى إيران ، فالحزب الإسلامي الذي شارك في مؤتمر لندن أواخر 2002 الذي شرّع للعدوان على العراق ، ليس أكثر من عمود من أعمدة إستراتيجية النصر الأمريكي في العراق ، إذ ينشط في أوساط السنّة ومناطقهم ويساهم في تسويق المشروع الإحتلالي بين الرافضين له من السنّة ، مقابل وعود بمناصب سياسية عبر صفقات مشبوهة يمني نفسه من خلالها تصدر الواجهة السياسية للعرب السنّة ، وهو الذي يروج عبر وسائل إعلامه ومنابر مساجده التي ضلّلت الناس كثيرا ًوشوهت مفهوم الجهاد في عقول المسلمين ، وعبر مراكز نشاطه الإجتماعي ذات التمويل الهائل بأن الفصائل الجهادية التي أثخنت في العدو الأمريكي عسكريا ًليست مؤهلة بما يعتريها من انقسامات وانشغال بالجانب العسكري لقيادة أهل السنّة وتحمل أعباء السياسة ، وان الحزب الإسلامي استطاع خلال السنوات الماضية تدريب كوادر سياسيّة وأكاديمية متنوعة قادرة على الإمساك بتلابيب القيادة وتوجيه دفّة الشراع السنيّ بالإتجاه الصحيح ، وهو لا يخفي علاقته بمجالس الصحوات واللجان الشعبية وغيرها ، بل ساهم في تأسيسها كما في كتائب الحمزة في القائم غرب العراق ، أو نسّق وسوّغ لولادتها كما في ثوار العامريّة ، أو أنشاها ويشرف عليها ويقودها كما في مجالس الإسناد في ديالى وصحوة الصقلاوية وعامريّة الفلوجة وغيرها بإغراءات يقدمها لبعض ضعاف النفوس من شيوخ العشائر وقادة الفصائل ، وهو المعروف بسيطرته على مجلس محافظة الانبار وملف الإعمار فيها.
عودة قريبة إلى السنوات الخمس المنصرمة ، فان مسيرة الحزب تخللتها منعطفات تاريخية تسجل له منذ دخول رئيسه السابق محسن عبدالحميد في مجلس الحكم الانتقالي بقيادة السفير بول بريمر ، وقبوله العمل في ظل حاكم يصنف كحاكم كافر لا يجوز شرعا ًموالاته بل قتاله ، وهو تنازل اخلّ بميزان القوى لصالح العدو الأمريكي قاد إلى تنازلات أكثر خطورة على مستقبل العراق وأجياله ، إذ لعب دورا ًأساسيا ًفي تمرير الدستور الذي شرّع للاحتلال وحكومته الطائفية ، وألغى هوية العراق العربية الإسلامية على طريق تقسيمه من خلال قانوني الفيدرالية والمحافظات أو الأقاليم ، وهو دستور باطل حكما ًكأي ما يبنى على باطل ، وهو مخالفة شرعية لأنه يضر بالناس الذين إئتمنوه على مصالحهم ووثقوا به وصدقوا وعوده ، وهو تخلي صارخ عن الثوابت الشرعية وتفريط بمصالح الناس مقابل امتيازات ومكاسب أنوية وحزبية لا يستطيع أن ينتزعها من أنياب العدو الأمريكي وحكومته لولا دماء المجاهدين الذين قاوموا العدو دون أن يغنموا شيء.
إن الدخول في العمل السياسّي تحت سلطة العدو الغازي بمثابة مظاهرة العدو الكافر المعتدي على المسلمين المعتدى عليهم ، وهو موالاة وانحياز للكافرين في عدوانهم وتمكين لهم على أرض المسلمين وتثبيت لسلطانهم في ظلم المسلمين {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ } ، }وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ{ ، ووفق هذا فان الركون إلى عدم مقاتلتهم يعد إخلالا ًبعقيدة الولاء لله والرسول والبراءة من المشركين والكفار ، وهذا لا يعني انتفاء حاجة المشروع الجهادي إلى العمل السياسي ، فهذا المشروع لا يكتمل دون أن يكون له جناح سياسي يزاوج بينهما على أن لا يكون على حساب الثوابت الشرعية وعلى حساب مصالح جميع العراقيين ، وان لا يكون نهجا ًسياسيا ًيتعاظم على حساب النهج الجهادي بل أن يكون عملا مؤازرا ًومنقادا ً للعمل المسلح وليس بديلا ًعنه ، فالانجازات العسكرية لا تعد ذات قيمة تذكر ما لم يتم استثمارها سياسيا ً، خاصة إذا كان هناك ما يشي بقرب أو توقع إيقاع الهزيمة بالعدو تجنبا لحدوث فراغ أمني وسياسي يعطي فرصة للمتربصين والانتهازيين وقناصي الفرص من القوى المحلية ، أو القوى الخارجية الطامعة في ارض العراق وثرواته.
إن الكثير من القوى التي لا تريد بنا خيرا ًتعمل ما في وسعها للوقوف في وجه أيّ محاولات توحيدية شاملة أو تنسيقية عسكرية أو سياسية بين فصائل المقاومة في العراق ، ومن أهمها قوى محلية كالأحزاب المرتبطة بالاحتلال وجودا ًومصالح ، وقوى إقليمية متربصة كإيران ، أو قوى عربية تمثلها الأنظمة التي تدور في الفلك الأمريكي وتنفذ مخططاته في المنطقة ، ومع اليقين باستحالة توحيد فصائل المقاومة بعد تجربة خمس سنوات كرست خصوصيات كل فصيل وزادت من تمسكه بعنوانه مهما صغر عدده وقلّ دوره ، وهو ما فرض اللجوء إلى شكل من أشكال التنسيق بين فصائل تتشابه منهجيا ًوتتقارب في رؤاها للعمل المسلح والسياسي وأهدافهما وغاياتهما ، وفي رؤيتها للواقع العراقي وتحدياته ولما تريد أن تكون عليه صورة العراق ما بعد التحرير ، وكانت جبهة الجهاد والإصلاح أولى التجارب الناضجة لما تتمتع به فصائلها من سمعة طيبة في الوسط السنيّ البيئة الطبيعية للمقاومة في العراق ، وهو الوسط الذي وجد نفسه ذات ساعة بين فكي كماشة البطش الأمريكي واستهداف الميليشيات الشيعية المدعومة والممولة من إيران ، وكماشة نهج تنظيم القاعدة واعتداءاته هو أو المندسين بين ظهرانيه ، هذا الوسط وجد في جبهة للجهاد والإصلاح بما تملكه من ثقل عددي ووجود قوي فرض نفسه على الأرض بان تكون قوة ردع تؤمِّن له مصالحه وتحمي وجوده المستهدف بالإبادة والتهجير ، إلا ّ أن هذه الجبهة لم تستطع أن تكون أهلا لحشد القوى المناهضة للاحتلال والمقاومة له وراءها لتكون ممسكة بزمام قيادة الساحة السنيّة بديلا ًعن القيادات التي دخلت في العملية السياسية ، وبالتالي تطورها إلى حالة قادرة على أن تكون قطبا ًجاذبا ًلكل الفصائل المسلحة وعموم الناس الذين سئموا وعود السياسيين الزائفة ، ثم تمثيلهم سياسيا ًوراعيا ًأمينا لمصالحهم.
لم تستطع الجبهة أو أنها لم تصدق إن الآخرين استبشروا خيرا بإعلانها ، أو أنها لم تدرك في لحظة ما إن العموم كانوا ينظرون إليها كواجهة تعبر عن أمانيهم وتطلعاتهم ، وإنها لم تع ِ حقيقة أن مصير ومستقبل ملايين السنّة متعلق بالخطوات والقرارات التي تتخذها ، وبالتأكيد هي لم تتصرف من هذه المنطلقات واكتفت بأن تكون مؤسسة تلعب دورا ًشبيها ًبدور هيئة علماء المسلمين ، فاكتفت كأي حزب سياسي مغمور بإصدار بيانات الإدانة لجريمة هنا واستنكار لجريمة هناك وشجب لزيارة يقوم بها هذا المسؤول أو ذاك وأحيانا ًتكذيب خبر أشيع عنها أو ردٍّ على تصريح أطلق ضدّها ، ويبدو إنَّ الأوان قد فات عليها فليس بمستطاعها أن تعيد ما كانت عليه في أيامها الأولى ولم تحسن استثماره ، وليس بمقدورها أن تكون قطبا ًجاذبا لباقي الفصائل التي لا يرضيها أن تكون مجرد رقم صغير في الجبهة يذوب في أحد الفصائل الثلاثة صاحبة القرار ، وهي التي تتعالى عن مشورة الآخرين وترفض نصحهم معتبرة ذلك من باب التسلق أو التطاول ، ومع هذا فان أمام قادة جبهة الجهاد والإصلاح فرصة لتدارك الأمر وتصحيح المسار وتجاوز عثرات الماضي ، ولا يفهم إن الزمن يسير لصالحها بل على العكس فليس هناك متسع من الوقت يمكن إضاعته من جديد فهي الآن على الأقل في وضع لا تحسد عليه ، وعليها أن تعمل على لم شمل الفصائل الأخرى بتواضع يتيح لها أن تكون أهلا ً لقيادة دفةّ المشروع الجهادي في العراق وإعادة ميزان القوى في الساحة العراقية ، رغم ما شاب بعض فصائلها من اجتهادات لا يمكن الحكم عليها بعد عام إلا ّ بالقول أنها لم تكن صائبة.








